مقدمة في تطوّر الرواية الأوروبية الحديثة

مقدمة في تطوّر الرواية الأوروبية الحديثة

غوستاف فلوبير (1821 - 1880)

يستحوذ فن الرواية على مكانة خاصة لدى القارئ والمتلقي، فهو الفن الذي يسحر القارئ ويبهره للدرجة التي تجعله يتوحد ويتماهى مع العمل الروائي، ففي حال كان بالجودة المناسبة، يرى نفسه في شخصياته وتفاصيلها وملابسها وردود أفعالها في المواقف المختلفة، يجاوب عن الأسئلة التي تجول بخاطره أو يزيد عليها أسئلة أخرى، يؤرخ لفترة ما باستفاضة غير متاحة لغيره من الفنون الأدبية، له القابلية على الغور في أعماق الشخصيات وتناقضاتها بالدرجة الكافية لجعل القارئ يرسم صورة تخيليلة بعقله لأبطال العمل الروائي.

في الرواية، يرى نفسه في شخصياته وتفاصيلها وملابسها وردود أفعالها في المواقف المختلفة

نستعرض خلال هذا الموضوع كتاب "تطوّر الرواية الحديثة" (دار المدى2016 ، ترجمة لطيفة الدليمي) لمؤلفه جيسي ماتز، رئيس قسم اللغة الإنجليزية في كلية كينيون، وقام أيضًا بتدريس أدب القرن العشرين، والنظرية السردية في جامعة هارفارد لسنوات عديدة.

اقرأ/ي أيضًا: "آخذك وأحملك بعيدًا"..رواية عن بؤساء إيطاليا

تعتبر المترجمة لطيفة الدليمي في تقديمها للكتاب أن الفن الروائي حقق ما لم تحققه الفنون الأدبية الأخرى، فكان الأكثر إيفاءً والأجزل عطاءً لرغبات القارئ، وأن الفنون الحديثة كالسينما لم تنجح مثل الرواية في تحقيق ارتباطات عاطفية لدى المتلقي، إلى الدرجة التي تجعل معظم الخريجين ينسون تقريبًا كل ما درسوه ما عدا الأعمال الروائية التي مرت عليهم، بل يتذكروها وفي قلوبهم غبطة وفي صدورهم مسرة وابتهاج.

يتناول كتاب "تطور الرواية الحديثة" تطور فن الرواية ليس من الجانب الفني فقط، إنما من الناحية التاريخية بشكل أكثر تفصيلًا، وأن اللغة المستخدمة وطريقة التناول والتعاطي مع الموضوعات المطروحة لا توحي على الإطلاق بأن الكاتب أستاذ أكاديمي، إذ جاءت اللغة سلسة والأفكار مترابطة، ونجا الكتاب من النمط الأكاديمي.

يتساءل جيسي ماتز في مقدمته عن مفهوم الحداثة الذي يُمكن تأصيله انطلاقًا من مصطلح "الرواية الحديثة"، ويجيب عن هذا التساؤل بتاريخ غير محدد، باعتبار فن الرواية بدأ في لبس رداء الحداثة خلال الفترة بين 1900 – 1922. كما يتطرق جيسي ماتز في فصول الكتاب الثمانِية إلى مراحل تطور الرواية والتغيرات التي تعرضت لها على الجانب الفني، وطرق السرد وتطور الشخصية الدرامية في داخل الرواية، ويحاول الإجابة عن سؤال لماذا كان هذا التغيير مطلوبًا لكي تنجو الرواية بنفسها كأدب قادر على المنافسة، في ظل المتغيرات الجغرافية والسياسية والتقنية التي خلقت أنواعًا جديدة من الفنون، ليخرج في نهاية الكتاب باستنتاجات ومحاولة استقراء لمستقبل الرواية.

يُرجع جيسي ماتز الفضل في الفصل الأول من الكتاب إلى المؤلف البريطاني هنري جيمس، الذي اعتبره حلقة الوصل بين فترة التخبط لفن الرواية، وفترة الاعتراف بها كفن مستقل قادر على منافسة الشعر والموسيقى، فلم ينظر الناس إلى الرواية كفن محبوك الصنعة حتى عام 1880، وهو العام الذي نشر فيه هنري جيمس رواياته المبكرة التي برهنت على أدب الرواية كفن قادر على المنافسة وليس أقل إمتاعًا وإرضاا لشغف المتلقي ومتطلباته، من الموسيقى أو الرسم أو الشعر، ويمكننا الأخذ على الكاتب في هذا الفصل، أنه تطرق لأعمال جيمس تفصيليًا وأعطاها قدر حقها، وفي المقابل أهدر حق غوستاف فلوبير، الروائي الفرنسي الذي أشار له المؤلف بأن أعماله التي ظهرت في العام نفسه 1880، وكانت بمثابة دفعة قوية وترسيخ لفن الرواية، وأن فلوبير بات يُدعى بعد ذلك "أبو الرواية الحديث".

الشخصية الروائية بطبيعة الحال أدركها تغيير هائل وشامل، فلم تعد تلك الشخصية الخرافية البطولية

افترض الكاتب جيسي ماتز، في الفصل الثاني، الذي اختار له عنوان "ما الواقع: الأسئلة الجديدة" أن الروائيين القدامى وكتّاب الماضي تعاملوا مع القراء من منطق المعلم الذي يمتلك الحقائق، أمّا الكتّاب الحداثيون فكانوا متشككين دائمًا، يطرحون الأسئلة أكثر مما يجيبون عنها، لا يؤمنون بالحقائق المعطاة إلا بعد امتحانها، ولا ينقادون وراء الأفكار الراسخة التي يرضى عنها المجتمع.

اقرأ/ي أيضًا: بورخيس وفلسفة اللغة في "مكتبة بابل"

نفت الرواية الحديثة عبر تشكلها مفهوم "الحقيقة المطلقة"، وكأنه توجه مقصود إلا أنه كان نتيجة طبيعية للتطور الحاصل، وللبعد الفلسفي الذي استحوذ على الرواية الحديثة، والتعمق في الشخصية الإنسانية، وعرض الأفكار من كل النواحي بالدرجة التي تسمح بنسبية الحق والباطل والخير والشر، وهو الأمر الذي ناقشه الكاتب في الفصل الثالث باستفاضة تحت عنوان "الأشكال الجديدة: إعادة تشكيل الرواية"، فالشخصية الروائية بطبيعة الحال أدركها تغيير هائل وشامل، فلم تعد تلك الشخصية الخرافية البطولية ذات الصورة الذهنية السابقة للبطل الخلوق المقولب داخل الشكل المجتمعي المثالي الذي لا يتعارض مع الأعراف الاجتماعية ولا يتعارض مع الفضائل وكرم الشمائل والخصال، فخلقت الرواية الحديثة تلك المساحة من نسبية الأشياء، ومن تناقض الشخصية الإنسانية، ومن إمكانية وجود الخير والشر، اللين والعنف، الخبث والطيبة، في الشخص نفسه، وتسود حالة من الاغتراب لدى أبطال الرواية الحديثة وكأن هذا نوع جديد من الصراع مع الأمكنة، كأن يشعر البطل بعدم الانتماء للمكان الذي اختاره له المؤلف، وكأن هذا يعكس حالة التخبط وعدم الاستقرار النفسي والفكري الذي عاشه ويعيشه الكتاب الحداثيون، وكان هذا بكل تأكيد نتيجة متوقعة الحدوث بعد "المعضلات الجديدة" التي جاءت بها الرواية الحديثة، وهو العنوان الذي اختاره الكاتب للفصل الرابع، ومن أبرز تلك المعضلات هي تحريض المؤلفين على إثارة العديد من الأسئلة، ومحاولة الإجابة عنها في أفضل الأحوال، بالإضافة للمكتشفات السيكولوجية الجديدة التي غيّرت من طبيعة العلاقات الإنسانية، ومن النظرة الشخصية للحقائق والمسلمات، والتطرق لمفاهيم حديثة العهد مثل الزمان والمكان.

وقد يذهب البعض بالتساؤل حول اهتمام الحداثيين وانشغالهم بالأفكار الفلسفية والجماليات اللغوية والتساؤلات التي توقد الفكر، ومدى تأثير ذلك على التداخل مع العالم الواقعي والالتزامات المجتمعية للكاتب تجاه الواقع السياسي وما يدور في العالم من حوله، يحاول المؤلف الإجابة عن هذا التساؤل في الفصل الخامس "حول العالم الواقعي: السياسة" مؤكدًا قدرة الروائيين الحداثيين على خلق التوازن بين العملية الإبداعية على صعيد عمق التناول وجمالية العرض من ناحية، والتعاطي مع الواقع السياسي والاجتماعي من ناحية أخرى، وضرب مثالًا واضحًا بالكاتب الإنجليزي جورج أورويل صاحب الأعمال الخالدة "مزرعة الحيوان" و"1984".

وفي الفصل السادس من كتاب "تطور الرواية الحديثة" والذي جاء بعنوان "مساءلة الحداثة: مراجعات منتصف القرن" يسعى الكاتب جيسي ماتز إلى محاكمة الحداثة، وبطبيعة الحال فن الرواية الحديث، بخاصة بعد أحداث مريرة راح ضحيتها ملايين البشر كالحرب العالمية الأولى والثانية، فحاول الكتّاب الحفاظ على إيمانهم بالثقافة كمنجٍّ من المهالك وباعث للأمل، وبإمكانية الفن تعويض الخسائر التي لحقت بالبشرية، فبعد الحرب العالمية الأولى نظر البعض إلى الحضارة ككذبة كبيرة، وترسخت تلك القناعة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أصبح الفن تعويضًا تافهًا وسخيفًا عن الجرائم الوحشية، بل ذهب البعض باعتبار الفن شريكًا لصنّاع الحروب، بترويجه للأفكار المثالية، وصنعت هذه الحالة من الشك حول جدوى الفن بشكل عام والروائي منه بشكل خاص، تحديات جديدة أمام الرواية الحديثة حيث كان من الضروري أن تغير من أساليبها ووسائلها لتتماشى مع الواقع الجديد.

ترسخت قناعة أساسية بعد الحرب العالمية الثانية، وهي أن الفن تعويض تافه وسخيف عن الجرائم الوحشية

اقرأ/ي أيضًا: محمد خضير.. إمساك ما لا يمسك

وهذا الواقع ما بعد الحداثي الجديد، أنتج تغيرات جذرية في منتج الرواية الحديثة التي تلت تلك الفترة، حيث ظهرت أنواع من الكتابات الروائية التي تهدف إلى التسلية بشكل كامل كهدف أسمى وأولي، بغض النظر عن جماليات الصورة، وفنيات النص، وما سواه، وأيضًا ظهرت المحاكاة الساخرة التهكمية من الواقع المرير الذي نحياه، وذلك النوع الذي يسفّه من القيم والإيمان ومعنى الحياة ككل، ثم مرّت الرواية الحديثة بلفظ المنتج الضعيف ذي الحبكة الساذجة والتناول السطحي، وسيطرت الرواية الواقعية على الساحة، إلا أن الواقعية صارت عاجزة عن مجاراة الواقع الذي بات غير واقعي وغير متوقع، ومن هنا استلزم اللجوء إلى اللاواقعية والخيال أو ما يُعرف بالفانتازيا، وتوظيفها بالشكل اللازم للتعاطي مع المشاكل التي صنعها العالم الحديث.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رامبرانت.. يوميات المرح والاضطهاد

"ترحال"..سيناء كما يرويها نيكوس كازانتزاكيس