مقترح للحكومة المصرية وآخر للمجتمع المدني.. من ينهي استباحة الرجال للطلاق الغيابي دون قيود؟
5 مايو 2026
يحتدم النقاش في مصر هذه الآونة، بعد إعلان الحكومة المصرية قرب الانتهاء من مشروع قانون الأسرة للمصريين، وذلك بعد أسابيع قليلة من حالات انتحار لعديد من المصريات اللائي يئسن من حياتهن عقب الطلاق، نتيجة دائرة لا تنتهي من النزاعات القضائية.
وفي خضم الحوار المجتمعي حول ضرورة تعديل قانون الأحوال الشخصية، خاصة ما يتعلق بالطلاق الغيابي، التقينا بمتضررات من هذا النوع من الطلاق في ظل منظومة قضائية يرى البعض أنها لا تراعي احتياجات النساء ولا تتوافق مع المواثيق الدولية التي تحض على المساواة بين الجنسين في الحقوق الاجتماعية.
استغلها ثم طلقها
في أحد أيام أيار/مايو، تلقت الشابة السمراء أميرة (اسم مستعار) اتصالًا هاتفيًا يطلب منها نسخة من هويتها، لتُصدم لاحقًا بخبر طلاقها.
تروي أميرة أنها تزوجت بعد قصة حب لعام ونصف، لكن الزواج لم يصمد سوى أشهر قليلة، إذ استغل زوجها أموالها لتمويل مشروعه الخاص، ثم ضغط عليها للتنازل عن منقولاتها الزوجية، وأجبرها على التوقيع على تنازل عن مؤخر الصداق وكامل حقوقها.
وفقًا لورقة بحثية صادرة عن منظمة "هيومن رايتس ووتش"، فإن حق الطلاق ليس متساويًا بين الرجل والمرأة؛ إذ يمكن للرجل إنهاء الزواج بإرادة منفردة دون الرجوع للمرأة أو اللجوء للمحكمة، بينما تعاني المرأة عند طلب الطلاق
وعلى الرغم من كونها تقيم في محافظة تختلف عن التي عُقد القران فيها، إلا أنها فوجئت باتصال من المأذون يبلغها بنية زوجها إيقاع الطلاق، وهو ما اعتبرته محاولة منه لقهرها عبر "الطلاق الغيابي".
يُعرف "الطلاق الغيابي" بأنه طلاق يوقعه الزوج بإرادته المنفردة لدى المأذون دون حضور الزوجة، وله حالتان: الأولى هي "الطلاق الرجعي"، وعدته ستون يومًا، مع منح عشرة أيام لإخطار الزوجة عبر المأذون. الثانية هي أن يُقر الرجل بوقوع الطلاق في تاريخ سابق، وتُحتسب العدة من ذلك التاريخ بمرور ستين يومًا.
بكت أميرة حين تسلمت ورقة طلاقها، لكنها سرعان ما استعادت توازنها النفسي، وتقول لـ"الترا صوت": " عندما وصلتني الورقة شعرتُ برهبةٍ وحزن، لأن زواجنا كان مبنياً على حب، وقد حارب عائلته من أجلي؛ لكنني لا أستحق هذه المعاملة، ولا أن أُخيَّر بين أن أخرج من الشقة ويعطيني ألف جنيه كل شهر من أموالي التي أعطيته إياها، أو أن أعود إلى منزل أهلي".
وفقًا لورقة بحثية صادرة عن منظمة "هيومن رايتس ووتش"، فإن حق الطلاق ليس متساويًا بين الرجل والمرأة؛ إذ يمكن للرجل إنهاء الزواج بإرادة منفردة دون الرجوع للمرأة أو اللجوء للمحكمة، بينما تعاني المرأة عند طلب الطلاق؛ إذ يتوجب عليها تقديم أسباب مقنعة، واللجوء للقضاء، وإثبات الضرر الواقع عليها، والامتثال لمبدأ الصلح الإجباري الذي تفرضه المحكمة لمدة شهرين، حيث يفترض المُشرّع أن قرار الرجل عقلاني بينما قرار المرأة متسرع وعاطفي.
وتؤكد الورقة أن "الطلاق الغيابي" يُستخدم أحيانًا للتهرب من الحقوق المالية للنساء، أو الغدر بهنّ للزواج بأخرى دون إعلام الزوجة الأولى، أو التهرب من التزامات مالية كالميراث أو النفقة، وهو ما يتعارض مع المواثيق الدولية التي وقعت عليها مصر لضمان المساواة أمام القانون.
"أزهري منعني من حقوقي الشرعية"
قبل أكثر من 130 عامًا، تبنى الإمام محمد عبده خطابًا دينيًا منفتحًا؛ فكان نصف فتاواه عن الأحوال الشخصية، ومنها جعل الطلاق بيد المحكمة لا بيد الرجل بشكل منفرد، خاصة أن الرجال قد يتهربون من التوثيق، مما يستوجب على القاضي الحكم للطرف المتضرر وصرف تعويض له.
تزوجت (ي.ع) من أستاذ مساعد بجامعة الأزهر. بعد سنوات من الخلافات الزوجية المتكررة، طلبت الطلاق ورفعت دعوى قضائية، إلا أنها فوجئت بإبلاغ محاميها لها بأنها تطلقت غيابيًا؛ بهدف إسقاط نفقة الزوجية، مع نيته ردها قبل انتهاء العدة، غير أن انقضاء ثلاث حيضات دون رده لها أدى إلى وقوع الطلاق بائنًا.
توضح عزة سليمان، المديرة التنفيذية لمركز "سيولا" (مؤسسة قضايا المرأة المصرية)، في تصريح لـ"الترا صوت"، أن "أحكام العدة تتفاوت وفقاً للمادة 22 من القانون رقم 1 لسنة 2000، حيث تتراوح بين ثلاثة أشهر إلى عام، أو ثلاث حيضات لمن هن في سن الحيض". وتضيف أن "القانون لا يفرض عقوبة على الزوج لعدم إبلاغ زوجته بالطلاق الغيابي، بينما يكتفي بعقوبة هزيلة حال تقديم بيانات أو عناوين زائفة بموجب المادة 23 مكرر من قانون الأحوال الشخصية، وهي الحبس لمدة لا تتجاوز ستة أشهر، أو غرامة لا تزيد على مائتي جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين".
وفي ظل تصاعد الاستياء النسائي، يناقش البرلمان المصري مشروع قانون جديد بالتوازي مع مقترحات قدمتها مؤسسات نسوية، منها "سيولا"، لسد الثغرات القانونية، خاصة نقل سلطة الطلاق إلى القاضي للحد من إشكاليات الطلاق الغيابي والشفهي والرجعي.
وبالعودة إلى (ي.ع)، كان طلاقها الغيابي وسيلة لحرمانها من حقوقها المالية وإيقاع الضرر النفسي بها، مما أدخلها في دوامة تقاضٍ طويلة؛ إذ استردت قائمة منقولاتها عبر المحكمة بعد أربع سنوات، بينما لا تزال تفتقد مصاغها، وتحصل على النفقة بشكل متقطع ومُجمع بعد قضايا إضافية، فضلًا عن الضغوط التي مارسها عليها باختطاف طفلها وإخفائه لمدة أربعة أشهر لإجبارها على التنازل عن حقوقها.
أظهر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في نشرته السنوية لعام 2024 حول الزواج والطلاق أن عدد حالات الطلاق بلغ 273.892 حالة، أي 750 حالة يوميًا، فيما سجلت المحاكم المصرية نحو 14.195 حكم طلاق، كان من بينها 11.906 أحكام بالخلع.
"بخيل وابن أمه"
تروي كريمة (اسم مستعار) تجربتها قائلة إنها اكتشفت بعد الزواج بخل زوجها واعتماده على أهلها في توفير نفقات معيشتهما، وعندما توقفوا عن دعمه المادي تفاقمت الخلافات بينهما، خاصة وأن شخصيته كانت شديدة التأثر بآراء المحيطين به، ولا سيما والدته. وبعد أن يئست كريمة من تغييره، رفعت دعوى قضائية ضده، وقبل موعد الجلسة، فوجئت باتصال من المأذون لاستلام إشهاد الطلاق، حيث تقول: " طلّقني حتى لا يضطر إلى دفع النفقة".
في ظل تصاعد الاستياء النسائي، يناقش البرلمان المصري مشروع قانون جديد بالتوازي مع مقترحات قدمتها مؤسسات نسوية، منها "سيولا"، لسد الثغرات القانونية، خاصة نقل سلطة الطلاق إلى القاضي للحد من إشكاليات الطلاق الغيابي والشفهي والرجعي
وحول "سلطة الرجال المُطلقة في الطلاق"، أوضحت هدى زكريا، أستاذة علم الاجتماع السياسي، لـ"الترا صوت" أن "الصورة النمطية للرجل الشجاع القادر على المواجهة قد تلاشت، إذ يستغل بعضهم حقوقهم الشرعية والقانونية دون وازع لظلم النساء والجور على حقوقهن، مما يسبب تفكك الأسر المصرية".
من جانبها، ذكرت البرلمانية السابقة نشوى الديب، التي قدمت مشروع "سيولا" للبرلمان، أنها بعد جمع 60 توقيعًا وإجراء حوارات مطولة مع رموز دينية مستنيرة، عرضت المشروع على فضيلة الإمام الأكبر، لكن المشروع لم يرَ النور حتى اليوم.
وترى الديب أن بعض الرجال يراوغون ويتحايلون بأشكال مختلفة، منها حرمان الزوجة من الميراث بتطليقها دون علمها، أو الزواج بأخرى وإخفاء الأمر عن الزوجة الأولى؛ لذا ينص مشروع القانون على ضرورة إخطار الزوجة بالطلاق وما يترتب عليه من حقوق، كما يعالج إشكالية الطلاق الشفهي غير الموثق.
ومع معاناة أميرة وكريمة و(ي.ع)، تنتظر الآلاف من المصريات قانونًا ينهي استباحة الرجال للطلاق المنفرد، خاصة وأن مجلس الوزراء وافق في نيسان/أبريل الماضي على مقترح مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، بعد توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بسرعة إحالة مشروعات قوانين الأسرة والأحوال الشخصية للمسلمين والمسيحيين إلى البرلمان.