مقترح على طاولة الاتحاد الأوروبي.. هل تعود قوات حفظ السلام إلى دارفور مرة أخرى؟
24 ديسمبر 2025
للسودان تجارب عديدة مع بعثات قوات حفظ السلام الأممية، لا سيما خلال الحروب الداخلية في عهد الرئيس عمر البشير (1989–2019).
ومع تصاعد الدعوات الإقليمية والدولية لحماية المدنيين في ظل التدهور الأمني الناجم عن الحرب المستمرة، طرح الاتحاد الأوروبي مقترحًا لإنشاء قوة لحفظ السلام في دارفور، بآلية تمويل ومساهمة مختلطة، وبالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي.
وبحسب مصادر صحفية، لا يزال المقترح قيد الدراسة، رغم أنّ هيئات تابعة للاتحاد الأفريقي كانت قد تقدمت به منذ عام 2024، في سياق التدهور الحاد للأوضاع الأمنية في السودان، ولا سيما في إقليم دارفور، عقب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، آخر معاقل الجيش السوداني هناك، حتى تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
التجربة السورية تلقي بظلها
يبدو أن الخطوة الأوروبية تسير على خطى التجربة السورية في التعامل مع الأزمة السودانية. وبحسب المصادر الصحفية، تدور المبادرة بعيدًا عن أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، حيث يعتمد المقترح على آلية تمويل ومساهمة مختلطة تشمل الاتحاد الأوروبي وشركاء دوليين، لم يُرَشّح منهم سوى الولايات المتحدة الأميركية، إلى جانب الاتحاد الأفريقي.
ومن الواضح أن المقترح يسعى إلى تفادي التعقيدات المرتبطة بإصدار قرار أممي، كما حدث في سوريا، حين شكّل التحالف الغربي قواته خارج إطار الأمم المتحدة، بعد تعثر المنظمات الأممية وعجز مجلس الأمن عن التوافق على قرار موحد بسبب استخدام حق النقض (الفيتو) من قبل روسيا والصين.
قدم الاتحاد الأوروبي مقترحًا لإنشاء قوة لحفظ السلام في دارفور، بتمويل وآلية مساهمة مختلطة، وبالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي
تجربة بآليات سودانية
لعل من أبرز التجارب التي مرّ بها السودان في آليات فض النزاع وفصل القوات، كانت بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972 بين الحكومة السودانية وقوات "الأنانيا" (Ananya)، والتي أنهت الحرب الأولى.
وقد جرى التوقيع على الاتفاقية بوساطة مجلس الكنائس العالمي والإمبراطور الإثيوبي هيلا سلاسي، دون تفويض من الأمم المتحدة. ونصّت الاتفاقية على تشكيل آلية تنفيذ ومراقبة سودانية داخلية بالكامل، ولم تتضمن انتشار قوات أممية أو إقليمية. كما نصّت على دمج مقاتلي "الأنانيا" في الجيش السوداني وقوات الأمن، بدل إبقائهم كقوة مستقلة تحت رقابة دولية.
وقد شكّلت لجان تنفيذ ومتابعة من الطرفين (الحكومة وحركة "الأنانيا")، لكنها لم تكن دولية، ولم يكن هناك وجود لقوات فصل أو مراقبين عسكريين دوليين، ولا آلية تحكيم دولية. واستمر العمل بالاتفاقية حتى اندلاع الحرب الثانية في أيار/مايو 1983.
تجربة "يوناميد" في دارفور
واحدة من أكثر تجارب حفظ السلام تعقيدًا في إفريقيا، سواء من حيث حجم التفويض أو التحديات السياسية والأمنية والإنسانية، كانت تجربة قوات حفظ السلام المشتركة في دارفور "يوناميد" (UNAMID).
أُنشئت "يوناميد" عام 2007 بقرار مجلس الأمن رقم 1769، كأول بعثة هجينة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، استجابة للنزاع المسلح في دارفور منذ 2003، وما صاحب ذلك من انتهاكات جسيمة، نزوح جماعي، وانهيار أمني. هدفت البعثة إلى حماية المدنيين، دعم العملية السياسية، تسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ومراقبة حقوق الإنسان.
جاءت "يوناميد" في وقت بلغت فيه دارفور ذروة العنف، مع حرق القرى ونزوح الملايين إلى المخيمات، واتهامات دولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وكان إنشاء بعثة هجينة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي سابقة في تاريخ عمليات حفظ السلام، تعكس محاولة للتوفيق بين الضغوط الدولية ورفض الحكومة السودانية آنذاك لنشر قوة أممية خالصة.
ورغم النجاحات التي حققتها البعثة، لم يتوقف العنف، واستمرت عمليات حرق القرى، ويعود ذلك إلى ضعف آليات التنفيذ وأدوات الردع، رغم قوة التفويض الممنوح لها. وقد انعكس هذا الواقع على نظرة المدنيين إلى قدرات "يوناميد"، إذ اعتبروها قوة تراقب أكثر مما تحمي، حيث كانت تقاريرها تُنشر دون قدرة فعلية على منع الانتهاكات، ما أدى إلى فجوة ثقة متزايدة بين السكان المحليين والبعثة، خاصة عندما كانت الدوريات تصل متأخرة أو تكتفي بإجراءات شكلية بعد وقوع الانتهاكات.
اليوم سياق مختلف
وصلت بعثة "يوناميد" إلى دارفور في عام 2007 في ظل واقع سياسي وعسكري مختلف تمامًا عن اليوم، إذ كانت جميع مدن الإقليم وعواصم الولايات الخمس تحت سيطرة الحكومة المركزية والجيش السوداني. ومن المفارقات أن قوات الدعم السريع لم تكن موجودة آنذاك، حيث أُنشئت لاحقًا من قبل السلطة لمواجهة الحركات المسلحة
كانت هناك حكومة مركزية قوية، وافقت على نشر قوات "يوناميد" على مضض، بعد ضغوط دولية قوية للتدخل العسكري على غرار ما حدث في كوسوفو أو العراق بحجة حماية المدنيين، إذ كان هذا بالنسبة لحكومة البشير الخيار الأقل ضررًا وليس رغبة حقيقية في حماية المدنيين.
بعد انتشار قوات "يوناميد"، بدأت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاتها، وأصدرت مذكرات اتهام بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الرئيس عمر البشير و50 من قيادات الدولة المتورطين في الانتهاكات في دارفور.
جاءت "يوناميد" في وقت بلغت فيه دارفور ذروة العنف، مع حرق القرى ونزوح الملايين إلى المخيمات، واتهامات دولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية
أما اليوم، فإن المشهد السياسي على مستوى الدولة والسلطة أكثر تعقيدًا، إذ فقدت الدولة قدرتها على التحكم في الشؤون الوطنية نتيجة الحرب، وانتقل مركز القرار من العاصمة الخرطوم إلى مدينة بورتسودان، كما فشلت في تشكيل حكومة تنفيذية منذ 25 تشرين الأول/أكتوبر 2021 وحتى اندلاع الحرب في 15 نيسان/أبريل 2023.
وعلى المستوى الميداني، فقدت الحكومة المركزية سلطاتها على إقليم دارفور بالكامل بعد دخول قوات الدعم السريع إلى مدينة الفاشر، وانتشارها بشكل واسع في ولايات كردفان.
هذا الواقع يطرح تساؤلات جدية حول معنى نشر قوات حفظ السلام في الوقت الراهن، خاصة في ظل عدم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين الأطراف المتقاتلة. وربما يبقى السؤال الأهم: هل ستدخل هذه القوات دون موافقة الأطراف المتحاربة، أم في إطار جهود دولية لإحلال السلام؟ والإجابة على هذا السؤال قد تكون الحاسمة لمستقبل السودان.