مقترح تعديل الدستور المصري.. كل شيء للسيسي!

مقترح تعديل الدستور المصري.. كل شيء للسيسي!

تمنح التعديلات الدستورية السيسي صلاحيات غير مسبوقة (Getty)

بدأ البرلمان المصري منذ يوم الأحد خطواته الرسمية نحو تعديلات دستورية تشمل تعديل نحو 12 مادة وإضافة 8 مواد جديدة، وتتنوع المواد المقترحة التي تقدم بها ائتلاف "دعم مصر"، المدعوم من الأجهزة الأمنية المصرية، ولكنها في المجمل تمنح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي صلاحيات واسعة، بنص الدستور، وتسمح له بوضع خاص يمكنه من الاستمرار رئيسًا لمصر حتى عام 2034، بدلًا من مغادرة المنصب في 2022، إضافة إلى مواد أخرى تمنح الجيش سلطة حماية مدنية الدولة، وتقوض من صلاحيات البرلمان والحكومة، مع السماح بتوغل واسع للسلطة التنفيذية للسيطرة على السلطة القضائية. كما اقترحت التعديلات التي وافقت عليها اللجنة العامة على حذف المادتين 212 و213 بشأن الهيئة الوطنية للإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة.

تخالف التعديلات المقدمة المادة 226 من الدستور الحالي في فقرتها الأخيرة، التي تنص أنه "بأي حال من الأحوال لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية"

تخالف التعديلات المقدمة في حال مرورها المادة 226 من الدستور الحالي في فقرتها الأخيرة، التي تنص أنه "بأي حال من الأحوال لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية، أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات". غير أن السيسي وبرلمانه المطيع سيمرر التعديلات، دون الالتفات لتلك المادة، ومن المتوقع أن يتم التمرير بشكل سريع ومثله طرحها للاستفتاء الشعبي، في نيسان/إبريل القادم.

اقرأ/ي أيضًا: تعديلات جديدة لتمديد ولاية السيسي.. انقلاب على الدستور الخفي

 وفي حال أن تمت الموافقة على التعديلات بشكلها المقترح حاليًا، فسيكون الدستور الذي اعتاد السيسي القفز عليه مرات عديدة، قد تحول للنظام الرئاسي، بشكل نهائي، بعد أن كان يمزج بين النظام الرئاسي والبرلماني.

قصة الدستور والتعديلات

بالرغم من سيطرة السيسي منفردًا على أركان الدولة، وقمع واعتقال معارضيه، ومخالفته للعديد من مواد الدستور خلال سنوات حكمه منذ 2014، وتهميش السلطة التشريعية وإخضاع السلطة القضائية، عبر أذرعه الأمنية والإعلامية، إلا أنه رغب بشكل مستمر في تعديل عدة مواد في الدستور.

كانت أبرز تلك المواد المقترح تعديلها المادة 140، المختصة بفترة حكم الرئيس، حيث يحدد النص الحالي على أن " يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات ميلادية، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة"،  في حين أن النص الجديد سيكون:  "ينتخب رئيس الجمهورية لمدة ست سنوات ميلادية، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز أن يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين". ولضمان استفادة الرئيس المصري شخصيًا من التعديلات، أضاف مقدمو المواد مادة انتقالية تنص على أنه "يجوز لرئيس الجمهورية الحالي -عبدالفتاح السيسي- عقب انتهاء مدته الحالية إعادة ترشحه على النحو الوارد بالمادة 140 المعدلة من الدستور"، ما يعني أن لدى السيسي القدرة على الاستمرار في موقعه حتى عام 2034 بدلًا من خروجه من المنصب في 2022.

واستحدثت الاقتراحات منصب نائب رئيس الجمهورية، حيث "يمكن للرئيس تعيين نائب له أو أكثر، ويحدد اختصاصاتهم، ويعفيهم من مناصبهم". ومنصب نائب الرئيس في مصر كان مسار شكوك مستمرة، فمن قبل ذلك، دارت شائعات كثير حول تورط السادات في التخلص من جمال عبدالناصر، كما دارت شائعات حول تورط مبارك في اغتيال السادات. وبالرغم من أنها شائعات دون دليل إلا أنها امتدت خلال فترة حكم حسني مبارك، الذي رفض لنحو 30 عامًا تعيين نائب له، إلا بعد قيام ثورة 25 كانون الأول/يناير 2011، حيث عُين اللواء عمر سليمان لعدة أيام، قبل أن يخرج ويعلن تنحي مبارك.

يبدو أن السيسي تعلم من الدروس الماضية أيضًا، فوفقًا لمقترح تعديل المادة 160، فبالرغم من أن من يشغل منصب نائب الرئيس إضافة إلى رئيس الحكومة ورئيس البرلمان، يمكنه تولي منصب الرئيس المؤقت في حالة حدوث أي مانع صحي أو قانوني للرئيس المنتخب، فإن الاقتراح وضع عددًا من المحظورات على الرئيس المؤقت، من بينها "حظر تعديل الدستور، وحل مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، أو إقالة الحكومة، كما أنه منع رئيس الجمهورية المؤقت (النائب أو رئيس الحكومة أو رئيس البرلمان) من الترشح لمنصب رئيس الجمهورية".

وكان الدستور الحالي لمصر (دستور لجنة الـ50)، قد أُقر في كانون الثاني/يناير 2014، وشكلت اللجنة بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، في 3 تموز/يوليو 2013، وترأس اللجنة عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية الأسبق. وكان الهدف من تشكيل اللجنة تعديل بعض مواد دستور 2012 (دستور لجنة الـ100)، غير أنها قامت بوضع دستور جديد، وهو ما اعتبره السيسي وفقًا لتسريبات سابقة له مع الصحافي ياسر رزق أذيعت في كانون الأول/ديسمبر 2013، تحايلًا على غرض الاتفاق وغشًا.

طالما كان موقف السيسي من الدستور مثيرًا للارتباك، بين انتقاده في بعض الأحيان، وإعلان رفض تعديله في مواقف أخرى. حيث أعلن رأيه للعلن في أيلول/سبتمبر 2015، وقال إن الدستور كتب "بنوايا حسنة والدول لا تبنى بالنوايا الحسنة"، ما جعل البعض من أنصاره يعتبرون ذلك إشارة لتعديل الدستور، فانطلقت عدة موجات للمطالبة بذلك، وعبر نواب وصحفيون مقربون من الأجهزة الأمنية عن رغبتهم بذلك، كما تقدم بعض المحامين بدعوى قضائية تطالب مجلس النواب بتعديل نص المادة 140 من الدستور.

لكن السيسي نفسه أعلن عن رفضه للتعديلات وزيادة فترة الرئاسة في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، خلال حوار له مع شبكة "CNBC" الأمريكية، قائلًا "لدينا دستور جديد الآن، وأنا لست مع إجراء أي تعديل في الدستور خلال هذه الفترة.. وسوف أحترم نص الدستور الذى يسمح للرؤساء بشغل مناصبهم لفترتين متتاليتين فقط مدة الواحدة 4 سنوات".

الجيش يحمي المدنية

في حال تمرير التعديلات بالشكل الحالي، سيكون هناك تدخل دستوري للجيش في الشأن السياسي المصري، حيث طالبت التعديلات بإضافة فقرة للمادة 200 في شكلها الحالي، تتمثل بأن "القوات المسلحة تعمل على (..) صون الدستور والديمقراطية والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد".  وهي إضافة فضفاضة للغاية وقد تحمل أي تدخل للجيش في الحياة العامة.

وتطرقت التعديلات للمادة 234 الخاصة باختيار وزير الدفاع، فوفقًا للدستور الحالي تنص المادة على أن "يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتسري أحكام هذه المادة لدورتين رئاسيتين كاملتين اعتبارًا من تاريخ العمل بالدستور"، بينما حذف المقترح عبارة "لدورتين رئاسيتين"، لتكون موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة مشروطة دائمًا، كما انتزعت التعديلات المقترحة استقلالية القضاء العسكري، من المادة 204، فحذفت فقرة استقلال القضاة العسكريين.

واقترح بيان دعم مصر تشكيل غرفة ثانية للبرلمان، ليعود كما كان منذ عهد الرئيس السادات بغرفتين، الأولى لها كل الصلاحيات الدستورية باستدعاء الحكومة والمسؤولين، ومناقشة ورفض الموازنة العامة وهي وفقًا للمسمى الحالي "مجلس النواب"، ومن المتوقع أن تكون الغرفة الثانية باسم "مجلس الشيوخ". ووفقًا للمقترح سيكون مجلس الشيوخ بلا صلاحيات تذكر، فليس للمجلس الحق في استدعاء رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء وغيرهم من أعضاء الحكومة، وهو ما يشير إلى توقع تكرار التجارب السابقة للغرفة الثانية، في عهد السادات ومبارك، واستخدام المجلس لإرضاء بعض الشخصيات العامة ورموز الأحزاب الورقية والمرضي عنهم، ومنحهم وجاهة اجتماعية وحصانة. كما قُدم ضمن الاقتراحات تعديل المادة 102 التي تخصص كوته للمرأة بنسبة 25% على الأقل من عدد نواب مجلس النواب (إجمالي النواب 450 عضوًا).

السلطة القضائية.. تعدي واسع

تعد مواد السلطة القضائية في المذكرة المقترحة أبرز وأكثر المواد عددًا، وتطول التعديلات كل من المواد (185 و189 و190 و193)، وفي حالة تمرير تلك المواد سيتمكن الرئيس كممثل للسلطة التنفيذية من السيطرة شبه الكاملة على السلطة القضائية بشكل دستوري.

كانت البداية مع المادة 185، التي تنص حاليًا على أنه "تقوم كل جهة، أو هيئة قضائية على شؤونها، ويكون لكل منها (موازنة مستقلة)...". بينما كان التعديل المقدم للبرلمان في تلك الفقرة كالتالي: " تقوم كل جهة، أو هيئة قضائية على شؤونها، ويؤخذ رأيها في مشروعات القوانين المنظمة لشؤونها"، بينما حُذفت جملة موازنة مستقلة".  وأضاف التعديل: "يعين رئيس الجمهورية رؤساء الجهات والهيئات القضائية من بين خمسة ترشحهم مجالسها العليا من بين أقدم سبعة من نوابهم، وذلك لمدة 4 سنوات (..) ويقوم على شؤونها المشتركة مجلس أعلى للجهات والهيئات القضائية يرأسه رئيس الجمهورية، وعند غيابه يحل محله وزير العدل ويختص بالنظر في شروط تعيين أعضاء الجهات والهيئات...". ويظهر من حذف "موازنة مستقلة" أن هناك نية للتدخل في موازنة الهيئات، ولكن تلك النقطة ليست الأهم بالمقارنة بتنصيب رئيس الجمهورية رئيسًا للمجلس الأعلى للجهات القضائية المختلفة، ما يعد شرعنة لتدخل السلطة التنفيذية فيما لا يخصها.

اقرأ/ي أيضًا: بعد مسلسل من الانتهاكات.. السيسي يسعى لتعديل دستور "النوايا الحسنة"

كان إنشاء مجلس أعلى للهيئات القضائية برئاسة الرئيس مجرد فكرة تحدث عنها السيسي في كانون الأول/ديسمبر الماضي، واليوم يضعها نصًا في الدستور. وفكرة المجلس الأعلى للهيئات القضائية برئاسة رئيس الجمهورية، عودة صريحة وإحياء لقانون حدث خلال عهد حسني مبارك، حين أصدر البرلمان المصري (مجلس الشعب) في 2008، قانونًا بإنشاء مجلس للهيئات القضائية، ولم يمتد العمل طويلًا بالمجلس الذي رفضه نادي القضاة وقتها وكان يمثل ثقلًا وضغطًا كبيرًا على نظام مبارك.

يسعى السيسي إلى السيطرة بالدستور على المؤسسات القضائية، حيث تحولت إلى مؤسسات خاضعة للسلطة التنفيذية، لا مؤسسات رقابة عليها

تطرقت التعديلات أيضًا لشكل اختيار رؤساء الجهات والهيئات القضائية، وهي خطوة لدسترة القانون رقم 13 لسنة 2017، الخاص بطريقة اختيار رؤساء الهيئات القضائية. وكان السيسي قد أعد القانون 13 لسنة 2017، ما منحه حق اختيار رؤساء الهيئات القضائية من بين أقدم سبعة مستشارين، بالمخالفة للأعراف القضائية التي كانت تقضي باختيار الأقدم داخل كل هيئة قضائية، وأُعد ذلك القانون خصيصًا وقتها، للإطاحة بالمستشار يحيى الدكروري، نائب رئيس مجلس الدولة السابق. والدكروري هو رئيس المحكمة التي أقرت بمصرية جزيرتي تيران وصنافير وأسقطت اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والمملكة العربية السعودية، قبل أن يلتف نظام السيسي حول الحكم، ويدفع البرلمان للموافقة على الاتفاقية بالمخالفة للدستور. وعقابًا للدكروي، اختار السيسي مستشارًا آخر ورفض اختيار الدكروري الأقدم بين المستشارين في مجلس الدولة.

امتدت التعديلات المقترحة إلى اختيار النائب العام، وانتزعت صلاحية اختياره من مجلس القضاء الأعلى إلى رئيس الجمهورية، محولة قرار المجلس لمجرد رأي استشاري. والمادة المقترحة أقرب لصياغة المادة في دستور 2012، الذي أعد من قبل لجنة الـ100، حيث ينض أن "يتولى النيابة العامة نائب عام يصدر بتعيينه قرار من (رئيس الجمهورية من بين ثلاثة يرشحهم مجلس القضاء الأعلى) من بين نواب رئيس محكمة النقض أو الرؤساء بمحاكم الاستئناف".

أما المادة 190 المتعلقة بمجلس الدولة، فنالتها التعديلات المقترحة أيضًا، حيث عملت على تقليص صلاحيات مجلس الدولة. إذ لن يكون إلزامًا على البرلمان مراجعة القوانين مع المجلس قبل إصدارها، فوفقًا للنص الحالي للمادة 190، كان "مجلس الدولة (..) يتولى (وحده) الإفتاء في المسائل القانونية للجهات التي يحددها القانون، ومراجعة، وصياغة مشروعات القوانين والقرارات ذات الصفة التشريعية". أما في الاقتراح الجديد قد حذفت كلمة "وحده" كما تم إضافة عبارة "القوانين التي تحال إليه"، ليكون النص المقترح "مجلس الدولة (..) يتولى الإفتاء في المسائل القانونية للجهات التي يحددها القانون ومراجعة وصياغة مشروعات القوانين والقرارات ذات الصفة التشريعية التي تحال إليه"، ما قد يفسر على أن رأيه استشاري فيما يحال له من مشاريع قوانين وليس ملزمًا كما كان من قبل.

وصلت التعديلات لتشكيل المحكمة الدستورية أيضًا. ونزع الاقتراح من أعضاء الجمعية العامة للمحكمة الدستورية حق اختيار رئيسها. حيث يشير النص الحالي للمادة 193: "تختار الجمعية العامة رئيس المحكمة من بين أقدم ثلاثة نواب لرئيس المحكمة، كما تختار نواب الرئيس، وأعضاء هيئة المفوضين بها، ويصدر بتعيينهم قرار من رئيس الجمهورية". لكن الاقتراح الجديد ينص على أن رئيس الجمهورية يختار "رئيس المحكمة الدستورية من بين أقدم خمسة نواب رئيس المحكمة، ويعين رئيس الجمهورية نائب رئيس المحكمة من بين اثنين ترشح أحدهما الجمعية العامة للمحكمة، ويرشح الآخر رئيس المحكمة. ويعين رئيس هيئة المفوضين وأعضاؤها بقرار من رئيس الجمهورية بناءً على ترشيح رئيس المحكمة وبعد أخذ رأي الجمعية العامة للمحكمة".

اقرأ/ي أيضًا: السيسي.. خطب الدكتاتور المأزومة

وإجمالًا، فإن تعديلات عدة مقترحة ستمكن السيسي من السيطرة الكاملة على البلاد، ودسترة كل الأعراف غير الدستورية، التي دأب على فرضها خلال السنوات الخمس الأخيرة، تنهي أي محاولة للرفض والمعارضة.

امتدت التعديلات المقترحة إلى اختيار النائب العام، وانتزعت صلاحية اختياره من مجلس القضاء الأعلى إلى رئيس الجمهورية، محولة قرار المجلس لمجرد رأي استشاري

يبقى الأمل بالنسبة لمعارضي النظام الاستبدادي في مصر ومناهضيه، في تذكر لعنة التعديلات الدستورية. إذ كان كل تعديل يقترحه رئيس لزيادة سيطرته ينتهي برحيل هذا الرئيس نفسه، دون الاستفادة من التعديلات، كما حدث مع السادات الذي لم يستفد من فتح فترات الحكم لدروات بدل دورتين، ومع مبارك الذي سعي لتعديل المادة 76 لتهيئة المناخ لصعود نجله جمال مبارك، ولكنه في النهاية رحل معلنًأ تفويض الجيش لإدارة البلاد في 2011.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حرية التعبير في مصر.. خطوات نحو تشريع الانتهاكات وتقنين القمع!

هل يُمكن للمصرين استرداد جزيرتي تيران وصنافير؟