مقبرة العائلة

مقبرة العائلة

مقطع من لوحة لـ أرماند فاندرليك/ بلجيكا

ولدتُ ملفوظًا كقيحٍ

هذا وكانت بشارةُ الحملِ جُرحًا عند امي

وإخوتي بذلوا في الدمع عيونًا تتعاقبُ،

في ذاك المساءِ الكئيبِ

جاء خبري كسرطان ينمو في رحمِ أمهِم العزيزة.

قَبلَها كان لأبي صمت طويل

غزاهُ الشيبَ خلالِه

وتفجرتْ منه أسئلة للإله كأدعيةٍ حارةٍ.

الحربُ بالكاد انتهتْ

حين وقفَ عصفورٌ على شاربيه

فآثر الصومَ وارتدى صمتًا مجنونًا.

عادَ يحملُ في شنطتِه خطةً وحيدةً:

نهارًا

أفتحُ جسدي في الحديقة كاملًا

صومًا، صلاةً ودعاءً،

وأتكورُ ليلًا في حضنِ الزوجةِ.

لكن في رأس الشارع سوادٌ يشي

بوفاة أبيه

وحدادٌ حائرٌ يمنحَه صفةَ الشهيد.

هكذا صار أبي أولُ شخصٍ يرى صورةَ حداده

واسمُه يضيعُ بين معنى الموتِ وابتذاله

فهوى مغشيًا عليه من العطشِ

وصارَ وصولُه الأول عودةً من موتٍ موهومٍ.

خلعتْ أمي السوادَ

وأقلعتْ عن السجائر

ونفَّذ أبي خطتَه

صومًا، صلاةً ودعاءً في الحديقة.

لم تشغلْه سماء مسمومة بالدخان

ولا نجومُ ليلٍ هاوية كعيون النار

كانت قِبلتُه نبتةَ دمِ العاشقِ

وصلاتَه صمتٌ طويلٌ أمام ثرثرةِ الحديقة.

وسارتْ خطتُه صومٌ، صلاةٌ ودعاء.

توالتْ الأيامُ تأكلَ بعضها

حتى سرتْ في سريرِ الملكِ رعشة

تململَ، تقلبَ، أغمضَ عينيه، فتحهُما

وكان السقفُ يرسمُ شجرةً منزوعةَ الغصنِ

فسارتْ رعشةٌ أخرى من الغضب..

عادَ وجهُ الحربِ يبتسمُ

لكن يدًا أغلقتْ على الملكِ أبوابِه

وخربتْ لعبتَه.

فتوالتِ الأيام،

الناسُ تأكلُ بعضها بعضًا

وأبي في الحديقة يعدِّلُ خطتَه

صومٌ، صلاةٌ وجنس.

توالتِ الأيامَ ونَمَتِ العائلةِ منقوصةَ الشبعِ

يجوعون فيولدُ طائرًا

يعطشون فيولدُ نهرًا

يجفون

ثم من قلبِ اليباسِ تبزغُ خضرةً

لا تشبههم،

كنت أنا نهايتُهم التعيسةِ

خبرًا يُضيقُ عليهِم المنزلَ

ويلغي الحديقة.

طفلٌ سمينُ الظلِ

تضيقُ بهِ الارحامَ

يولد ملفوظًا كقيح

وتتسعُ له مقبرةَ العائلة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

جنة العميان

عرق التاج