مقاطعة الانتخابات العراقية.. مواجهة سلمية ضد محاصصة ما بعد الغزو الأمريكي

مقاطعة الانتخابات العراقية.. مواجهة سلمية ضد محاصصة ما بعد الغزو الأمريكي

يرجح أن تشهد الانتخابات العراقية المرتقبة نسبة مقاطعة أكبر مما سبق (حيدر حمداني/أ.ف.ب)

لم تشهد العملية الانتخابية في العراق، منذ الاحتلال الأمريكي، حملات لمقاطعتها بهذا الشكل الذي يجري حاليًا في عموم البلاد مع الانتخابات المزمع عقدها الشهر القادم.

لم تشهد عملية انتخابية في العراق، منذ الغزو الأمريكي، دعوات لمقاطعتها مثل التي تشهدها الانتخابات المزمع عقدها الشهر القادم 

وكان العراقيون ينتخبون لتعويض حالة الاستبداد التي تبددت بعد الإطاحة بالنظام السابق، ولأسباب شتى؛ فمنهم من كانوا عطاشى لممارسة السلوك الديمقراطي الذي كان غائبًا عن البلاد، وآخرون أرادوا إثبات "هوياتهم الفرعية"، التي كانوا يشعرون ان هناك تمييزًا ضدها في حكم الاستبداد، فوجدوا العملية الانتخابية خير معبّر عن تطلعاتهم وإثبات ذواتهم أمام الآخر، خاصةً وأن "حكم المحاصصة" كان مطبقًا على العراق وفق تضاريس هذه الهويات التي تعاني من حالات الانسداد في علاقتها مع الدولة.

اقرأ/ي أيضًا: الطائفية في دعاية الانتخابات العراقية.. رأسمال بديل عن البرامج والإنجازات

وتعد الانتخابات البرلمانية المنعقدة في 12 أيار/مايو القادم، الرابعة منذ الغزو الأمريكي للعراق في 2003، والأولى بعد إعلان الانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش نهاية العام الماضي.

"نحن مقاطعون للانتخابات"، بهذه الكلمة يقابلك الكثير من الشباب والكبار للتعبير عن حالة الاحتجاج ضد العملية السياسية التي يعتقدون أنها "فشلت" في بناء البلاد بشكل يجعله بمصاف الدول المتقدمة، مع اعتقادهم أيضًا أن هذه العملية الانتخابية، هي عملية "تدوير" لإعادة الوجوه المسيطرة على قبة البرلمان والنظام السياسي منذ تغيير النظام السابق.

مقاطعة الانتخابات، تأتي في سياق مختلف عن الوعي الانتخابي المتداول في العراق، منها أن بعض المثقفين وصنّاع الرأي يتبنون هذه المقاطعة، مع تأكيدهم على أن المقاطعة "خيار ديمقراطي"، وحالة احتجاج واعية على ما يجري، حتى قوبلت بتصريحات حادة من قبل السياسيين والمسؤولين في البلاد، منها ما يخوّن المقاطعين، ومنها ما يدعوهم للمشاركة وعدم تفويت الفرصة.

"سنجبر الناس بالقوة على الانتخابات"!

اتهامات وانفعالات تبدو واضحة من الطبقة السياسية في العراق، جرّاء "تيار المقاطعة"، الذي يتحدث بعزوفه عن الانتخابات بشكل علني، ويدعو الناس إلى الالتحاق به حتى لا تتكرّر "الأخطاء". ومن السياسيين من نسي أو تناسى أن خيار المقاطعة يبقى داخلًا في إطار الحقوق الشخصية للفرد في الحالات الديمقراطية. فقد قال النائب عن ائتلاف دولة القانون والقيادي في حزب الدعوة الإسلامية، موفق الربيعي: "سنجبر الناس بالقوة على أن ينتخبوا".

فيما قال القيادي في حزب "للعراق متحدون"، ومحافظ نينوى السابق، أثيل النجيفي، في تصريح له، إن "مساعي البعض لعرقلة الانتخابات وتشجيع المواطنين على المقاطعة، ليست سوى أفكار هدامة تخدم صنفين من القوى لا يجدان لنفسيهما مكانًا في الاستقرار وتطبيق القانون، وهما: الفاسدون والمتطرفون".

في حين يروج المؤيدون للانتخابات أنها السبيل الوحيد للتغيير، يرى المقاطعون أن المشاركة فيها ليست إلا تكريسًا لنظام المحاصصة "المشوه"

ومن بين أسباب مقاطعة الانتخابات بالنسبة لبعض المقاطعين؛ قانون الأحزاب غير المُقر، وقانون الانتخابات "غير العادل" كما يرونه. لكن وزير الخارجية العراقي، والقيادي في حزب الدعوة، إبراهيم الجعفري، لا يعتقد أن "المقاطعة طريق لتحقيق هذه الأهداف وتغيير القوانين المجمدة وغير العادلة".

اقرأ/ي أيضًا: الانتخابات العراقية.. ائتلافات بلا برامج ومتاجرة بـ"النصر على داعش"

وقال الجعفري في تصريح لـ"ألترا صوت": "إن مقاطعة الانتخابات تعني إعطاء مزيدٍ من الفرص للفساد والفاسدين"، لكنه مع ذلك أكّد على أن المقاطعة تظل "خيارًا ديمقراطيًا".

ثم استدرك فقال: "لكن يجب أن يكون خيارنا الانتخابات فقط"، رغم أنه للتو أكد على أنها خيار ديمقراطي. يبدو أن الطبقة السياسية تخشى كثيرًا من التصريح بحرية الناس في المشاركة بالانتخابات من عدمها.

من جانب زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، والذي كان يقود حركة احتجاج مع القوى المدنية في العراق، فقد قال ردًا على سؤال لأحد أتباعه، إن "العزوف عن المشاركة في الانتخابات لا يلغيها، بل سيقوي شوكة الفاسدين"، معتبرًا أن كل من يعزف عنها هو "متعاون معهم  (الفاسدين) وخائن للعراق".

التصريحات المذكورة وردود الأفعال القوية، جاءت بعد نقاش متواصل وموسع عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، بين فريقين، أحدهما يدعم المقاطعة تحت وسم (هاشتاغ) "#لن_أنتخب"، وفريق مناهض لفريق المقاطعة، تحت هشتاغ "#لاتكعد_بالبيت"، أي لا تبقى جالسًا في بيتك يوم الانتخابات، دعوةً للخروج والانتخاب.

لكن يبدو أن دعوات المقاطعة التي كانت بدايتها من فيسبوك، لاقت أصداء أكبر من الإطار السياسي، فقد وصلت إلى مرجعَيْن دينيين أفتيا بتحريم المشاركة في الانتخابات، وبمساندة المقاطعين فيما يقولونه.

وأطلق المرجع الديني، فاضل المالكي، فتواه بوجوب مقاطعة الانتخابات. لكن رأي المرجع الديني، جواد الخالصي، كان أشد، إذ قال، إن "من يذهب إلى الانتخابات يؤكد أنه أحمق وجاهل، ويخون البلد خيانةً عملية، ففي الماضي كان هناك مجال للخداع، أما الآن فلم يعد هناك مجال إلا لخداع الحمقى".

"المشاركة أهم وسائل التغيير"!

أما المشاركون، فلهم أيضًا عدّة دوافع ومبرّرات للمشاركة، منها "الحفاظ على الممارسة الديمقراطية في التغيير"، واعتقادهم بعدم جدوى المقاطعة، وأنهم يطمحون إلى واقع أفضل من الواقع الحالي.

في حديثه لـ"ألترا صوت"، يرى حامد السيد، وهو كاتب وإعلامي، أن هناك أكثر من دافع يجعله مؤمنًا بأن خيار الانتخابات هو أقرب وأهم الوسائل المتاحة للتغيير. ويخشى السيد من الوضع السياسي المعقّد، المبني على المصالح الفئوية والحزبية، والذي أضيف له مؤخرًا تمثيل واضح للفصائل المسلحة، ووجود تصوّرات مشوّهة حول مستقبل التعايش بين المكوّنات والمذاهب، "فيما إذا انفرط التمثيل السياسي من أشخاص مؤمنين بالدولة ومؤسساتها الدستورية التي يجب إدامتها وإصلاحها بغية تحسين مستوى العلاقة بين المواطن والسلطات، أما خلافًا لذلك، فلا يمكننا تخيّل حجم الكارثة"، أو كما قال.

ويعتقد السيد أن الانتخابات هي "القناعة الوحيدة" التي تجعله يختار وضعًا أفضل أو أقل سوءًا، وفي رأيه "ليس عيبًا أن يختار المواطن نصف الحلول لواقعه، أفضل من أن يهدرها بالكامل". 

وأشار إلى أنّ الانتخابات لا تأتي بطموحه دفعةً واحدة، وأنها "قد تكون أحيانًا غير عادلة، خاصة فيما يتعلق بالتمثيل واحتساب الأصوات وفقًا لمصالح الكتل الكبيرة المهيمنة على السياسة، لكنّها تبقي الحق القانوني والدستوري الوحيد المتاح لي كمواطن بترميم الوضع، ومن دونها لا يضمن العودة لمحافل الاستبداد والانقلابات والاستغلال"، على حد قوله.

"المقاطعة بذرة احتجاجٍ سلمي"

من جانبهم يورد المقاطعون كذلك تبريرات وأسباب كثيرة عن عدم مشاركتهم في الانتخابات المقبلة ودعوتهم إلى مقاطعتها، ففي حديث لـ"ألترا صوت"، يعتقد أمير عبد العزيز، وهو كاتب ومدوّن عراقي، أنّ الانتخابات بصيغتها الحالية، "لا تؤدي إلى أيّ تغيير جوهري في العملية السياسية، أو في شكل النظام السياسي القائم، وعلى هذا تكون المشاركة أمرًا نافلًا، بل خدعة تمارسها القوى السياسية على الناس"، على حد قوله.

ويشير عبد العزيز إلى أنّ "انتخاباتٍ تتصدّر مشهدها القوى السياسية المتحكمة منذ 2003، والمسؤولة عن الفساد، والعنف الطائفي، وهدر ثروات البلاد، وإنْ بنسب مختلفة، مع قانون انتخاب يضمن بقاء تلك القوى، وفوق ذلك هناك المال السياسي الفاعل والمتحكم، والإعلام مدفوع الثمن.. في بيئة مثل هذه، لا تفرز الانتخابات، بالضرورة، سلطة تشريعة سليمة، وبالتالي لا تفرز سلطة تنفيذية صالحة".

وبسؤاله عن جدوى المقاطعة كما يرى المقاطعة وما يعولون عليه، قال: "نحن كتيار مقاطعة لا نعوّل كثيرًا على هذه الدورة البرلمانية المقبلة". وأوضح أن "مقاطعة الانتخابات بذرة احتجاج سلمي قد تؤتي أُكلها بعد حين، حين يرى المشاركون نتيجة مشاركتهم، وكيف أنّ الممارسة الديمقراطية التي يدعون إليها قد كرّست المحاصصة، و أضفت الشرعية على طبقة سياسية لا تستحق أيّة ثقة من الشعب"، مضيفًا: "حتى ذلك الحين، يكفي المقاطعين أنّهم رفعوا أيديهم احتجاجًا، و لم يكونوا جزءًا في إنتاج نظام محاصصاتي، مشوّه".

الانتخابات في المناطق المحررة من داعش

لا تقتصر دعوات المقاطعة على مواقع التواصل الاجتماعي فقط، إنما تتسع لتصل المناطق المحررة من تنظيم داعش، والتي يعرف معظمها تدميرًا وخرابًا واسعًا في البنى التحتية وفي الزراعة والخدمات بشكل عام.

في 18 أبريل/نيسان الجاري صرّح مدير مكتب انتخابات نينوى لوسائل إعلام محلية، بأن "الإقبال على استلام البطاقة الانتخابية حتى الآن ضعيف، ولم يتسلم سوى 25% من سكان مدينة الموصل، حتى استعان مكتب المفوضية العليا للانتخابات بطيران الجيش لإلقاء منشورات من السماء تحث الناس على الذهاب إلى مراكز استلام البطاقات".

وعليه، يرى مراقبون أن الانتخابات المقبلة، ستشهد إقبالًا أقل مما سبق بكثير، خاصةً في المحافظات المحررة، التي يشعر أبناؤها أن السياسيين الذين كانوا يمثلونهم تحت قبة البرلمان، لم يقدموا لهم أي شيء، سواء ما قبل داعش، أو أثناء وجوده، أو ما بعد التحرير.

يعتقد مراقبون أن الإقبال على الانتخابات القادمة سيكون أقل مما سبق، بسبب حالة الإحباط السائدة بين العراقيين من الطبقة السياسية

لهذا فإن المواطنين هناك "يشعرون بإحباط"، مثل غيرهم في معظم المحافظات العراقية، الذين يفضّلون عدم المشاركة في الانتخابات بسبب التجارب السابقة وارتفاع نسبة الفقر والبطالة، واعتقادهم بأن نتائج الانتخابات ستعيد نفس الوجوه ولا تغيّر من واقعهم الكثير، إضافة إلى السبب الأكبر: غياب نموذج "الدولة" الحقيقي عن المشهد السياسي المتداعية أركانه منذ 14 عامًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عراق "المحاصصة" الطائفية وسلطة ضد الدولة

كيف أدار داعش "دولة" سكانها 12 مليون نسمة؟.. وثائق الموصل تكشف "الخلافة" (3-3)