مفاوضات بلا اختراق: واشنطن وطهران في حلقة مفرغة
2 يوليو 2026
اختتمت إيران والولايات المتحدة جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة في الدوحة من دون أي مؤشر واضح على تحقيق اختراق سياسي حقيقي. وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي حاولت بعض التصريحات الرسمية إضفاءها على اللقاءات، فإن مضمون النقاشات يعكس واقعًا مختلفًا، إذ انشغل الطرفان بقضايا كان يُفترض أن تكون محسومة ضمن الاتفاق الأولي الموقع في حزيران/يونيو، مثل الملاحة في مضيق هرمز والأموال الإيرانية المجمدة.
هذا التراجع إلى ملفات "المرحلة الأولى" يكشف أن العملية التفاوضية لم تتقدم فعليًا نحو القضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، الذي لم يُطرح أساسًا خلال هذه الجولة، رغم كونه جوهر الصراع بين الطرفين. بذلك، تبدو المفاوضات وكأنها تعيد إنتاج نفسها بدلًا من الانتقال إلى مراحل أكثر تعقيدًا وحسمًا.
غياب الملف النووي: تأجيل أم تعقيد؟
يشكل غياب الملف النووي عن محادثات الدوحة مؤشرًا لافتًا على طبيعة المرحلة الحالية. فبينما تحدثت واشنطن عن "تقدم" في مسار تقييد البرنامج النووي، أكدت مصادر مطلعة لوكالة "رويترز" أن النقاشات كانت تقنية بحتة ولم تتطرق إلى هذه القضية المحورية. هذا التباين بين الخطاب السياسي والمضمون التفاوضي يعكس فجوة في التوقعات، وربما محاولة من الطرفين لكسب الوقت.
تكشف جولة الدوحة أن المسار الأميركي–الإيراني لم يصل بعد إلى مرحلة التسوية، بل لا يزال في إطار إدارة الأزمة
من جهة أخرى، يوحي تأجيل بحث الملف النووي بأن الخلافات بشأنه لا تزال عميقة إلى درجة تمنع طرحه على الطاولة في هذه المرحلة. وهو ما يعني أن أي حديث عن تسوية شاملة لا يزال سابقًا لأوانه، وأن المسار الحالي يهدف أساسًا إلى تثبيت ترتيبات مؤقتة تمنع الانفجار، لا إلى حل جذور الأزمة.
مضيق هرمز: قلب الصراع الحقيقي
في ظل غياب الملف النووي عن طاولة المباحثات، برز مضيق هرمز كعنوان رئيسي للنقاش بين إيران والولايات المتحدة. فالممر البحري الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، بات ورقة ضغط أساسية بيد طهران، التي تسعى إلى تثبيت دورها فيه وطرح مسألة فرض رسوم على السفن العابرة.
ولا يقتصر هذا الطرح على كونه مسألة تقنية، بل يعكس توجّهًا إيرانيًا لتكريس نفوذها في المنطقة وإعادة رسم قواعد السيطرة في هذا الممر الحيوي. في المقابل، تتمسك واشنطن بمبدأ حرية الملاحة، باعتباره خطًا أحمر مرتبطًا بمصالحها الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، كشف مسؤول أميركي لموقع "أكسيوس" عن التوصل إلى تفاهم يقضي بالحفاظ على الهدوء خلال الأسبوع المقبل، بما يتيح دفع المحادثات قدمًا والعمل على إحراز تقدم في مختلف بنود مذكرة التفاهم ضمن أجواء تفاوضية أكثر استقرارًا.
وأضاف المسؤول أن الرئيس الأميركي شدد على أن أي خرق لهذا التفاهم سيُقابل برد مباشر، موضحًا أن الولايات المتحدة سترد بإطلاق صواريخ مقابل أي هجوم، وستستهدف مواقع من شأنها إضعاف موقع إيران في مضيق هرمز.
وبين هذين الموقفين، يتحول مضيق هرمز إلى ساحة شد مفتوحة، أكثر من كونه مجرد بند تفاوضي. ورغم عودة الملاحة جزئيًا واستقرار تدفق النفط، فإن الوضع لا يزال هشًا، في ظل توترات عسكرية متقطعة، ما يجعل أي تفاهم قائم عرضة للاهتزاز.
معادلة الحوافز
إلى جانب مضيق هرمز، برز ملف الأموال الإيرانية المجمدة كأحد أبرز محاور النقاش، لا سيما في ما يتعلق بآليات استخدامها. ووفق المعطيات المتداولة، هناك توجه نحو تخصيص جزء من هذه الأموال، المقدّرة بمليارات الدولارات، لشراء سلع أساسية، في خطوة تهدف إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية على إيران ضمن ترتيبات متفق عليها.
وفي هذا السياق، تنصّ التفاهمات على سماح الولايات المتحدة باستخدام جزء من الأموال والأصول الإيرانية المجمدة أو المقيّدة، مع إتاحة تحويلها إلى جهات يحددها البنك المركزي الإيراني، وذلك عبر منح التراخيص والتصاريح اللازمة.
إلا أن هذه الصيغة تثير تساؤلًا أساسيًا: هل ستحصل إيران على حرية فعلية في التصرف بهذه الأموال، أم سيبقى استخدامها مقيدًا بضوابط رقابية ومصرفية تتحكم في مسارات إنفاقها؟
خطاب التصعيد يوازي مسار التهدئة
بالتوازي مع المحادثات، استمر تبادل الرسائل التصعيدية بين طهران وواشنطن، سواء بشكل مباشر أو عبر أطراف إقليمية. فقد هددت إيران بالرد على أي استهداف، في حين واصلت إسرائيل إطلاق تصريحات حادة بشأن القيادة الإيرانية، ما يعكس هشاشة المسار التفاوضي.
وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في منشور عبر منصة "إكس"، إن بلاده سترد "فورًا وبقوة" على أي تهديد يستهدف شعبها أو قيادتها.
وأضاف عراقجي أن "الرئيس الأميركي ألزم الولايات المتحدة بإسكات حلفائها في تل أبيب"، محذرًا من أنه "في حال تجاهلوا هذه التوجيهات، فإن إيران ستقوم بالرد عليهم".
وجاءت تصريحات عراقجي ردًا على ما قاله وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي اعتبر أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي "مستهدف بالقتل".
استقرار هش وأسواق تترقب
انعكست أجواء التهدئة النسبية على الأسواق العالمية، حيث تراجعت أسعار النفط مع عودة تدفق الإمدادات عبر مضيق هرمز. غير أن هذا التراجع يعكس توقعات حذرة، لا ثقة كاملة، إذ يدرك المستثمرون أن أي تصعيد مفاجئ قد يعيد خلط الأوراق بسرعة.
وبذلك، يصبح الاستقرار الحالي استقرارًا هشًا، قائمًا على توازن دقيق بين الردع والتفاوض، وليس على اتفاق سياسي متماسك.
مفاوضات لإدارة الأزمة لا حلّها
في المحصلة، تكشف جولة الدوحة أن المسار الأميركي–الإيراني لم يصل بعد إلى مرحلة التسوية، بل لا يزال في إطار إدارة الأزمة. فالقضايا الجوهرية مؤجلة، والثقة متآكلة، والالتزامات محل خلاف، بينما تستمر الأطراف في اختبار حدود القوة والنفوذ.
وفي ظل هذه المعطيات، لا يبدو أن المفاوضات تهدف حاليًا إلى إنهاء الصراع، بقدر ما تسعى إلى منعه من الانفجار. وهو هدف قد يكون واقعيًا في المدى القصير، لكنه يترك الباب مفتوحًا أمام جولات جديدة من التوتر في المستقبل.









