مفاوضات برلين الأميركية-الأوكرانية: جدل حول الضمانات الأمنية والتنازل عن الأراضي
16 ديسمبر 2025
اختُتمت في العاصمة الألمانية برلين جولة المباحثات الأميركية ـ الأوكرانية التي استمرت طيلة يومين، وتركّزت المحادثات بشكل خاص على المسودّة الأميركية لاتفاق إنهاء الحرب الروسية ـ الأوكرانية المستمرة منذ نحو أربع سنوات.
وتركّزت المفاوضات عمليًا على نقطتين بارزتين: الأولى تتعلق بالضمانات الأمنية التي تطالب بها أوكرانيا من القوى الغربية لمنع أي غزو روسي مستقبلي، والثانية تتصل بإمكانية التنازل الأوكراني عن إقليم دونباس لروسيا. وفي حين جرى حسْم النقطة الأولى، ما تزال النقطة الثانية محلّ نقاش، وقد تقود إلى انهيار المحاولة الأميركية لوقف الحرب إذا أصرّت كييف على رفض التنازل عن أراضيها، رغم الضغوط الأميركية المسلّطة عليها.
وعلّق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مخرجات مفاوضات برلين قائلًا إن "اتفاق إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا بات أقرب من أي وقت مضى".
وكان الوفد الأميركي، الذي يقوده ستيف ويتكوف وغاريد كوشنر في برلين، قد أعلن إحراز تقدّم كبير في المحادثات التي جرت مع الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي وعدد من القادة الأوروبيين، في إشارة إلى تخلي أوكرانيا عن مساعيها للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.
تتواصل الضغوط الأميركية على أوكرانيا للقبول بمسودة اتفاق إنهاء الحرب التي صاغتها واشنطن
وسرت النبرة المتفائلة بقرب إنهاء الحرب إلى خطاب البلد المضيف، حيث قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس عقب اختتام المحادثات: "إن وقف إطلاق النار في أوكرانيا يلوح في الأفق لأول مرة منذ بداية الحرب في شباط/فبراير 2022". وأضاف ميرتس: "نريد أن نسير على طريق السلام مع الأوكرانيين وجيراننا الأوروبيين والولايات المتحدة".
أمّا الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، ففضّل الحديث بلغة متوجّسة ومتطلّبة في آن واحد، مؤكدًا أنّ "لا خطة سلام مثالية حتى الآن"، واصفًا مسودة الاتفاق الحالية بأنها "نسخة عمل". وأشار إلى رغبة الأميركيين في المضي سريعًا "نحو السلام"، معربًا عن أمله بلقاء نظيره الأميركي دونالد ترامب "عندما يصبح الإطار النهائي لوقف الحرب جاهزًا".
وبشأن الضمانات الأمنية التي تشدّد كييف على ضرورة الحصول عليها قبل أي اتفاق، قال زيلينسكي إن أوكرانيا "قريبة جدًا من الوصول إلى ضمانات أمنية قوية".
فيما يتعلّق بقضية التنازل عن الأراضي، التي تظل حجر العثرة الرئيسي في مفاوضات إنهاء الحرب، أكّد زيلينسكي أنّ بلاده "لن تعترف بمنطقة دونباس لروسيا لا من الناحية القانونية ولا الفعلية". لكنّ مراقبين يشيرون إلى وجود فرق جوهري بين الاعتراف والتنازل الفعلي، فقد تتنازل كييف فعليًا عن إقليم دونباس دون أن تعترف بالسيادة الروسية عليه، ما يُترجمه عمليًا تجميد القتال عند الخطوط الحالية.
ورغم عدم صدور أي موافقة روسية على التغييرات التي أدخلت على الخطة الأميركية في برلين، يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب متفائلًا تجاه الموقف الروسي، حيث تحدث عن إجراء إدارته محادثات عديدة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طيلة الأيام الماضية.
وكان المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، قد علّق على إعلان تخلي أوكرانيا عن طموح الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي بالقول إنّ ذلك يمثل "مسألة أساسية في المحادثات بشأن أي تسوية سلمية محتملة"، مضيفًا أنّ بلاده "تتوقع أن تطلعها الولايات المتحدة على المستجدات بعد المفاوضات في برلين".
وسبق لروسيا أن أعلنت ضمّها لإقليم دونباس شرق أوكرانيا، الذي يشمل منطقتي دونيتسك ولوغانسك، كما أعلنت ضمّ 3 مناطق أخرى بينها شبه جزيرة القرم عام 2014. يشار إلى أن السيطرة الروسية على منطقة دونيتسك لم تُنجز بالكامل، حيث لا تزال القوات الأوكرانية تسيطر على نحو 20% من المنطقة.
شياطين التفاصيل
قدّمت الولايات المتحدة عرضًا مغريًا لكييف خلال محادثات برلين، تمثّل في الحصول على ضمانات أمنية شبيهة بتلك الواردة في المادة الخامسة من اتفاقية إنشاء حلف شمال الأطلسي، والتي تلزم الحلف بالدفاع عن أي عضو يتعرض للهجوم. وشملت الضمانات أيضًا التزامات بدعم القوات المسلحة الأوكرانية، وتخصيص قوة لحفظ السلام بقيادة أوروبية، وضمانات لاستخدام تلك القوة إذا تعرضت أوكرانيا لهجوم جديد، بالإضافة إلى دعم انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي. وتدّعي إدارة ترامب أن روسيا منفتحة على انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.
لكن في المقابل، خضعت كييف لضغوط أميركية شديدة لفرض قبول التنازل لروسيا عن بعض الأراضي مقابل تلك الضمانات. وحذّر المفاوضون الأميركيون زيلينسكي من أنّ العرض لن يظل مطروحًا إلى الأبد، في ضغط جديد على الرئيس الأوكراني المتمسّك بعدم التنازل عن الأراضي، وهو موقف يحظى بتأييد شعبي واسع بين الأوكرانيين حسب آخر استطلاعات الرأي.
وتحاول واشنطن، حسب مصادر مختلفة، إقناع أوكرانيا بالانسحاب من منطقة دونيتسك، التي تبقى النقطة العقبة الرئيسية أمام إتمام الاتفاق، والذي يؤكد مسؤولون أميركيون أنه تم الاتفاق على 90 بالمئة من القضايا المتضمّنة فيه.
الموقف الأوروبي
أصدرت 10 دول أوروبية بيانًا مشتركًا ركّز على توضيح الموقف الأوروبي من النقاط الخلافية في المسودة الأميركية لاتفاق إنهاء الحرب، أي نقطتي الضمانات والتنازل عن الأراضي. وبشأن النقطة الأخيرة، التي تُعدّ التحدي الأبرز، قال بيان القادة: "إن القرارات بشأن احتمال تقديم أوكرانيا تنازلات عن أراض لا يمكن اتخاذها إلا بعد ضمانات أمنية قوية، يجب أن تشمل قوة متعددة الجنسيات بقيادة أوروبية".
وشدّد البيان الأوروبي على ضمان أن تحافظ أوكرانيا على جيش قادر على التصدي لأي عدوان، واقترح أن لا يقل قوام الجيش الأوكراني عن 800 ألف جندي.
كما نادى البيان بضرورة تنسيق جهود أوروبا لنشر "قوة متعددة الجنسيات في أوكرانيا تسهم فيها الدول الراغبة، وبدعم من الولايات المتحدة"، وحدد مهام هذه القوة بأنها "ستسهم في تجديد قوات أوكرانيا، وفي تأمين سمائها، وتعزيز الأمن في البحار، بما في ذلك العمل داخل أوكرانيا".




