مفارقات جولة السيسي الأفريقية.. وكيل ابن زايد يحثّ على ما فشل في تحقيقه

مفارقات جولة السيسي الأفريقية.. وكيل ابن زايد يحثّ على ما فشل في تحقيقه

بعد يوم واحد من ذكرى فض رابعة، السيسي يضع إكليل زهور على النصب التذكاري لضحايا الإبادة الجماعية برواندا (سيريل نديجيا/ أ.ف.ب)

قبل عدة أيّام أجرى الرئيس المصري ذو الخلفية العسكرية، عبدالفتاح السيسي جولة إفريقية، زار خلالها أربع دول. وتبدو الجولة في ظاهرها تُركّز على التنمية والتعاون المشترك بين مصر وهذه الدول الأربع. لكن في الخفاء يحاول الجنرال الاتفاق على ترتيبات الوضع في ليبيا، وتأييد دول الحصار ضد قطر، والبحث عن حلفاء لمواجهة إثيوبيا وسد النهضة. بين المحاور المعلنة والخفية من الرحلة ثمّة ملاحظات لا يمكن التعامل معها بشكل طبيعي خلال جولة السيسي التي شملت كلًا من تنزانيا ورواندا والجابون والتشاد.

ثلاث ملاحظات رئيسية رصدها "ألترا صوت"، تبرز مدى التناقض لدى السيسي، إذ انطلق في جولته التي يتصادف أنها تأتي متزامنة مع ذكرة فض اعتصام رابعة العدوية؛ وهو يُحاول الظهور كرجل عقلاني ينشر أفكار السلام والتعايش، وعليه قام بزيارة متحف ضحايا الإبادة الجماعية في رواندا، مُعربًا عن أسفه لسقوط ضحاياها الأبرياء، ومُشيدًا من جهة أُخرى بالحوار الوطني في الجابون، ومُؤيدًا حرب الرئيس التنزاني على الفساد. 

حاول السيسي في جولته الأفريقية أن يُظهر نفسه كرجل عقلاني محب للسلام والتعايش، رغم أنه غير قادر على تحقيق ذلك في بلاده

لكنّ هذه الثلاثة تُعتبر من "اللاءات" عند السيسي، فلا حوار مع خصومه السياسيين وإنما تخوين واعتقال، وقتل جماعي في الاعتصامات المعارضة له، ووأد لأصوات محاربة الفساد، كما حدث مع هشام جنينة الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات.

لماذا لا يتعلم السيسي مكافحة الفساد من تنزانيا؟

بدأت جولة الرئيس المصري في تنزانيا، التقى فيها الرئيس التنزاني جون ماغوفولي، وأجرى معه عدة مباحثات، وأشاد فيها بالرئيس التنزاني على جهوده في مكافة الفساد، لكن المفارقة أنّ الرئيس التنزاني وفي سياق حربه على الفساد، رفض منذ أسابيع قليلة وبشكل صريح، دعوة لتعديل الدستور التنزاني لمد فترة حكم الرئيس الذي يُلقبه البعض بـ"بلدوزر مواجهة الفساد"، والذي تولى الحكم عام 2015. في المقابل يسعى برلمان السيسي، برئاسة علي عبدالعال إلى تعديل الدستور في محاولة لمد فترة حكم السيسي، وهي محاولة يبدو أنّها لا تأتي بعيدة عن السيسي نفسه الذي قال عن الدستور المصري الحالي إنّه "كتب بالنوايا الحسنة، والدول لا تبنى بالنوايا الحسنة".

اقرأ/ي أيضًا: بعد مسلسل من الانتهاكات.. السيسي يسعى لتعديل دستور "النوايا الحسنة"

المفارقات اللافتة أيضًا في حرب الرئيس التنزاني على الفساد، التي أشاد بها السيسي، أنّ الرئيس التنزاني عزل عددًا كبيرًا من العاملين بمشفى رئيسي في تنزانيا بعد أن وجد المرضى ملقون على الأرض. نفس المشهد حدث مع إبراهيم محلب حين كان رئيسًا للوزراء، ولم يتغيّر شيء!

الرئيس التنزاني أيضًا أعلن تأجيل أي احتفالات رسمية تقليلًا للنفقات وتوجيها لعلاج وباء الكوليرا، فين أنّ احتفالًا واحدًا أقامه السيسي بمناسبة افتتاح قناة السويس الجديدة، كلّف الدولة عشرات الملايين. وفي حين عزل الرئيس التنزاني عددًا من المسؤولين المتهمين بالفساد كرئيس جهاز مكافحة الفساد، قام السيسي بعزل هشام جنينة لأنه كشف وقائع فساد في جهات سيادية بالدولة! فلماذا لا يتعلم السيسي ممكافحة الفساد بحق من تنزانيا التي أشاد بتجربتها في هذا؟

يحث على التعايش السلمي في ذكرى مجزرة رابعة!

الزيارة الثانية للسيسي في جولته، كانت لرواندا، التي شهدت إبادة جماعية في تسعينات القرن الماضي، راح ضحيتها ما يقرب من مليون شخص. وكانت أول المحطات التي زارها السيسي في رواندا، متحف الإبادة الجماعية، وترك هناك رسالة بخط يده لاقت سخرية واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب المفارقة بين ما كتبه السيسي في الرسالة متمنيًا السلام وحاثًا على التعايش، وبين أنّ هذه الزيارة تأتي في ذكرى فض اعتصام رابعة العدوية.

صحيح أنه لا يُمكن المقارنة من حيث الأعداد على الأقل بين فض رابعة والإبادة الجماعية في رواندا، لكن المفارقة المثيرة للاستغراب هو دعوته للتعايش السلمي بين مختلف أطياف البشر، في الوقت الذي لم يستطع هو تحقيق ذلك في بلاده، وبدلًا من الحوار مع معارضيه، قتل منهم ما لا يقل عن ألف شخص في يوم واحد!

وجاءت زيارة السيسي هذه في 15 آب/أغسطس الجاري، أي بعد يوم واحد فقط من الذكرى الرابعة لفض اعتصامي رابعة والنهضة، وذلك الأخير استخدمت فيه قوات الأمن النبالم الحارق لقتل المعتصمين.

تضاعفت سخرية المفارقة بزيارة السيسي للجابون التي أشاد بالحوار الوطني الذي رعاه رئيسها، وكأنّ السيسي أصرّ على إظهار هذه التناقضات بين ما يُشيد به ويحث عليه، وبين ما يقوم به في بلاده التي تعرف انقسامًا حادًا منذ الثالث من تموز/يوليو 2013، دون مبادرة منه لخلق حوار وطني حقيقي، بل إنّه يُمثّل الركيزة الأساسية في هذا الانقسام بآلة القمع العنيفة المسؤول عنها، ضد كل معارضيه، حتى هؤلاء الذين أيدوه ثم اختلفوا معه. لم يفلت أحد من بطش السيسي في مصر.

والواقع في مصر متجاوزٌ لعدة إدارة حوار وطني، فالسيسي الحاكم المشهور عنه رفض مناقشة قراراته، يُمكن رؤية ذلك بوضوح في تصريحه الشهير: "مش عاوزين كلام تاني في الموضوع ده (قضية تيران وصنافير)"، بل إنّه حين حاول أحدهم الحديث عنّفه السيسي: "مأذنتش لحد بالكلام"، ومرة أُخرى حين حاول أحد النواب مناقشة الحد الأدنى للأجور في ظل ارتفاع الأسعار، هاجمه السيسي واتهمه بالجهل. ومع ذلك سافر الرجل لإفريقيا ليتحدث عن الحوار والتعايش والسلام!

وكيل ابن زايد

بعيدًا عن الملاحظات والمفارقات المرصودة في جولة السيسي الأفريقية، فإنّ التحركات المصرية غير المعتادة في أفريقيا التي بدأت منذ الثالث من آب/أغسطس الجاري، بلقاء جمع بين وزير الخارجية المصري سامح شكري ووزير الخارجية الجزائري عبدالقادر مساهل، تلاه زيارة شكري للخرطوم لإجراء مشاورات مع نظيره السوداني إبراهيم غندور، ثُمّ لقاء خليفة حفتر برئيس هيئة الأركان بالجيش المصري والمسؤول عن ملف الأزمة الليبية، ثم لقاء السيسي بوزير الدفاع التشادي، قبل أن يبدأ السيسي بنفسه جولة إفريقية زار فيها أربع دول.

وتأتي التحركات المصرية في إفريقيا كمحاولة لتعويض الفشل الكبير الذي منيت به الدبلوماسية المصرية في القمة الإفريقية بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في تموز/يوليو الماضي، بإقناع الدول الإفريقية بمطاقعة قطر وتأييد موقف دول الحصار، إذ اتجهت في المقابل معظم دول القارة السمراء لدعم الوساطة وعدم تصعيد الأزمة، كما رفض المسؤولين عن القمة حضور وزراء من دول الحصار افتتاح القمة الإفريقية، وهو طلب سعت إليه مصر لتعزيز موقف دول الحصار.

جولة السيسي الإفريقية بمثابة تعويض عن الفشل الذي منيَ به في قمة أديس أبابا، في إقناع الدول الإفريقية بتأييد حصار قطر

وتُشير تحركات السيسي الحالية، شكوكًا كبيرة، إذ لم يُعهد عن الرجل قيامه بجهود مماثلة دون مقابل مُباشر، فالبعض أصبح يرى في السيسي وكيلًا عن أبوظبي، فيما يشبه "سمسار اتفاقيات"، فليست مصر في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها، بقادرة على تقديم شيء للدول الإفريقية، بالإضافة إلى أنّ التعاون العسكري مع هذه الدول محفوف بالمخاطر، خاصة لو تسبب في غضب دول من الدول المصدرة للسلاح لمصر، ولذلك تتعزز الرواية القائلة بأنّ هذه التحركات تأتي بالوكالة عن محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي والحاكم الفعلي لها، فإفريقيا المنطقة التي يسهل على مصر أكثر من أبوظبي دخولها مُباشرة، لكن قد لا يتم ذلك إلا بالمال الإماراتي.

اقرأ/ي أيضًا: تلاعب دبلوماسي وعسكري.. ماذا يُجهّز السيسي لليبيا برعاية أبوظبي؟

وتأتي ليبيا على خلفية هذه التحركات بمساحة كبيرة، فهي إحدى أهم الجغرافيات التي تسعى الإمارات للسيطرة عليها، ولإتمام ذلك لابد من كسب تأييد دول الجوار الإفريقي، لنفاذ أي محاولة لحسم الوضع هناك لصالح الحليف الإماراتي خليفة حفتر. لذا كانت زيارة السيسي لدولة كالتشاد، بعد لقائه بوزير دفاعها، فالأخيرة واقعة على الحدود الجنوبية لليبيا، ويمسها أي تحرك هناك. كذلك كانت زيارة سامح شكري للسودان التي شهدت علاقاتها بمصر في الآونة الأخيرة توترًا وصل إلى اتهام رئيسها عمر البشير، مصرَ بالوقوف وراء دعم متمردين مسلحين بها، وذلك في أيار/مايو الماضي.

حوض النيل والمشاريع الاقتصادية

على ما يبدو فإنّ السيسي يُحاول استعادة طريقة جمال عبدالناصر مع دول إفريقيا، لضمان ولائها، خصوصًا في ظل المنافسة المشهودة بين مصر وإثيوبيا على النفوذ في إفريقيا، وخصوصًا بين دول حوض النيل، في سياق ملف سد النهضة، لذا انتهج السيسي طريق الدعم عبر بناء المستشفيات وتقديم الدعم اللوجستي عسكريًا لهذه الدول، وإبرام اتفاقيات تعاون في مجالات العلوم والتربية والتعليم. ولعل أبرز ما قام به السيسي إعلانه قرب إنشاء مستشفى مصري في الجابون، فيما كان التركزي مع تشاد على الجانب العسكري، خاصة لاشتراكها الحدودي مع ليبيا. ويدعم ذلك الاعتقاد بأن هذه التحركات ممولة من قبل الإمارات، إذ من أين سيأتي السيسي بالمال الكافي لبناء مستشفيات بإفريقيا؟!

وفي كل من رواندا وتنزانيا اقترح السيسي فتح علاقات اقتصادية مرتبطة بالثورة الحيوانية، وأعلن الرئيس التنزاني ماغوفولي عن بناء مصر مصنعًا للحوم في بلاده، إذ تبلغ أعداد رؤوس الماشية في تنزانيا حوالي 13.5 مليون رأس، و5.5 مليون رأس ماعز، و3.6 مليون رأس غنم، و23.2 مليون دجاجة. هذا ويبلع حجم التبادل التجاري بين مصر والدول التي زارها السيسي مجتمعة نحو 73 مليون دولار فقط، منها 69 مليونًا صادرات مصرية لهذه الدول، وحوالي أربعة ملايين واردات، وفقًا لإحصائيات 2016. 

وفيما يخص دول حوض النيل، لم يكتف السيسي بالوعود، لكنّه استخدم لهجة تحمل وجه التهديد بعد فشل كل محاولات مصر في الوصول لنتيجة مرضية بخصوص سد النهضة، إذ قال السيسي إنّ "النيل مسألة حياة أو موت للمصريين"، ليرد عليه الرئيس التنزاني ردًا دبلوماسيًا: "دول حوض النيل قادرة على التوصل لاتفاق يُرضي كافة الأطراف".

تضمنت جولة السيسي الإفريقية وعودًا ببناء مستشفيات ومصانع، ما يُعزز من رواية أنّ الجولة كانت بتمويل إماراتي

وبالجملة، ثمة تشكك في الموقف التنزاني من ملف النيل، في وسائل الإعلام المصرية، بسبب توقيع تنزانيا عام 2010 على اتفاقية عنتيبي التي ترى مصر أنّها "تقلّص من حصتها التاريخية في مياه النيل"، والبالغة الآن نحو 55.5 مليار متر مكعب سنويًا.

اقرأ/ي أيضًا: العطش قادم.. فهل توافق مصر على اتفاقية "عنتيبي"؟

وتعد أزمة النيل أبرز الأزمات التي تعانيها مصر، والتي بسببها توترت العلاقات بينها وبين إثيوبيا وكثير من دول حوض النيل، خاصةً بعد إعلان إثيوبيا مشروع سد النهضة، الذي ترى مصر أنّه يُهدد بشكل مُباشر حصتها في مياه النيل.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

هكذا يصبح السيسي شرطي أوروبا على سواحل المتوسط

خزائن مصر يصيبها الخوف من الإفلاس