ultracheck
  1. ثقافة
  2. فنون

مع سليمان منصور على درب الغول

19 يونيو 2026
جمل المحامل
لوحة جمل المحامل (المتحف الفلسطيني)
بطرس المعري بطرس المعري

على درب الغول" هو عنوان كتاب يروي سيرة الفنان الفلسطيني سليمان منصور (بيرزيت 1947)، وقد صدر قبل بضعة أشهر في بيروت عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

سيرة غيريّة تدوّنها رنا عناني، وهي حصيلة مقابلات وأحاديث جمعتها وحرّرتها على مدى أربع سنوات تقريبًا انتهت في شتاء 2023. ولم يكن الفنان الكبير في الواقع غريبًا عن الكاتبة عناني، كما لم تكن معرفتها به تقتصر على معرفة أعماله ومسيرته الفنية بحكم عملها كقيّمة فنية وباحثة في الفن الفلسطيني، بل سبق أن جمعت "الصغيرة" رنا بالعم سليمان رابطة قوية، بحكم صداقته مع والدها الفنان الفلسطيني المعروف نبيل عناني، وتردده إلى بيتهم كفرد من أفراد العائلة... تصف عناني صلة سليمان بنبيل بـ"رفيق الدرب".

وفي الحقيقة، من يقرأ مذكرات العناني "الخروج إلى النور"، والصادرة أيضًا عن المؤسسة آنفة الذكر نفسها، يلاحظ متانة تلك العلاقة التي تجمع بين الفنانين الكبيرين والجهد الذي بذلاه من أجل النهوض بشأن الفن في الأرض المحتلة. لقد التقى منصور بعناني لأول مرة سنة 1972 في افتتاح معرض هذا الأخير في القدس غداة عودته من الدراسة في الإسكندرية. ومن هنا، يكتب عناني في مذكراته: "انطلقت الشرارة الأولى نحو العمل الفني الجماعي".

واقعيًا، نبدأ كلامنا عن "درب الغول" من هنا، لأنه برأينا من أهم فصول الكتاب تلك التي يتكلم منصور فيها عن المشهد التشكيلي في الأرض المحتلة وسعيه المستمر إلى تنظيم "الوسط الفني"، حين خاض إلى جانب بعض من زملائه محاولات عديدة لتأسيس تجمع أو رابطة للفنانين التشكيليين، ووضع إطار مهني لتسهيل وتطوير عملهم وكذلك لدعم نشاطاتهم. فهذا كله يشكّل مادة ثرية تعطي فكرة عن تاريخ الحركة التشكيلية الفلسطينية في الداخل في مختلف تطوراتها وتحولاتها. ولا يمكن إلا أن نشير إلى المشاحنات والمشاكسات التي كانت تحصل بين الفنانين ودوّنتها الكاتبة، وهي بالطبع جزء لا يتجزأ من طبيعة العمل الجماعي، ومن حساسية العلاقة بين أبناء "الكار" الواحد، ولها أهميتها في مكان ما.

نبدأ الحديث عن "درب الغول" من هذا الفصل، حيث يستعرض منصور المشهد التشكيلي في الأرض المحتلة وسعيه لتنظيم الوسط الفني عبر محاولات تأسيس تجمع مهني يدعم عمل الفنانين ويطوّره

يتذكر منصور هنا أيضًا نشاط "رابطة الفنانين التشكيليين" الذي بدأ رسميًا سنة 1975، والعقبات التي اعترضتها، كما يتكلم عن تنظيم المعارض الخارجية التي غالبًا ما دعمتها منظمة التحرير، تلك المعارض التي عرّفت العالم على الفن الفلسطيني وعلى قضيته. كما نقرأ عن النجاح في تأسيس أول صالة عرض في فلسطين باسم "غاليري 79" في رام الله، وهي التي استمرت لعام واحد قبل أن تغلقها سلطات الاحتلال سنة 1980 غداة افتتاح معرض فردي لأعمال سليمان، والذي استمر يومًا واحدًا فقط. 

ومن ثم نقرأ عن تأسيس "جماعة التجريب والإبداع" رسميًا سنة 1990 (بعض المصادر تذكر أن تأسيسها كان سنة 1989، وهي سنة بداية التجريب على العمل الجديد بحسب ما يفيدنا منصور شخصيًا)، وكانت تتألف من الفنانين تيسير بركات وفيرا تماري إضافة إلى العناني ومنصور. هذه الحركة كانت ضمن الحركة العامة في مقاطعة المنتجات "الإسرائيلية" والأميركية التي عمّت البلاد مع بداية الانتفاضة الأولى، فآثر الفنانون التوجه إلى المواد المحلية الطبيعية من حنّاء وجلود وطين وخشب وورق وأصباغ طبيعية... في تنفيذ أعمالهم الجديدة، وقد كان لنا الحظ في مشاهدة أعمال بديعة منها في متحف الشارقة.

ومن الفصول الهامة أيضًا كلامه عن مشاركته منذ أوائل الثمانينيات في محاولات حثيثة لإنشاء أكاديمية للفنون، تلك المحاولات التي لاقت رفض سلطات الاحتلال مرتين اثنتين، حتى جاءت سنة 2003 حينما طرح فنان نرويجي زار المنطقة فكرة تأسيس أكاديمية فلسطينية رأت النور لاحقًا بتمويل من وزارة الخارجية النرويجية. وهكذا استقبلت "الأكاديمية الدولية للفنون – فلسطين" أول دفعاتها سنة 2007، قبل أن تتحول بعدها إلى كلية فنون تابعة لجامعة بيرزيت.

أما عن اهتمامه بزركشة أثواب نسائه بتطريزات مأخوذة عن التطريزات الفلسطينية المحلية، فنعرف من خلال هذه المذكرات كيف، ابتداءً من منتصف السبعينيات، راح الفنانون يفكرون أكثر بهويتهم، وكيف نما لديهم شعور متزايد بالانتماء، فسعوا، كما يذكر الفنان، "لتجسيدها بصريًا عن طريق رموز فلسطينية ذات دلالات ثقافية ووطنية واضحة". ولقد أخذ هذا الاهتمام بعدًا آخر عندما انضم هو والعناني، في سنة 1982، إلى عضوية لجنة التراث في جمعية إنعاش الأسرة، وأسهما في إخراج وتزيين كتاب الملابس الشعبية الفلسطينية بالرسومات اللازمة، ثم قررا تأليف كتابهما الخاص حتى يكون بمثابة "دليل للتطريز"، بعدما أجريا مسحًا ميدانيًا للأثواب القديمة في كل المناطق الفلسطينية.

كما يتحدث الكتاب عن الملصقات التي دعمت انتشار أعمال الفنانين الفلسطينيين ولعبت دورًا في الحراك الوطني من خلال تقديمها لقضايا سياسية ونضالية، وصلت إلى البيوت بسهولة نظرًا لسعرها الزهيد.

من هذه الملصقات، بالطبع يأتي في طليعتها ملصق لوحة سليمان منصور الأشهر "جمل المحامل" الذي طُبع سنة 1975. كما نتعرف على تاريخ هذه اللوحة منذ الاسكتشات الأولى التي تعود إلى عام 1969، حتى اليوم الذي أخذت فيه شكلها النهائي بعد أربعة أعوام، مستوحيًا موضوعها من مشاهدة الحمّالين أو العتّالين في أسواق القدس... وقد رسمه في البداية يحمل على ظهره حملاً كبيرًا هو عبارة عن ثلاجة وأكياس، ثم خطر له في نهاية الأمر أن يضع القدس فوق ظهره بدلاً عنها، لتصبح اللوحة الأيقونة.

يقول سليمان إنها "من أوائل اللوحات التي استخدمت فيها رمزًا سياسيًا فلسطينيًا، واعتبرت أنها نقلتني من الفن الجمالي المجرد إلى فن يحمل هوية فلسطينية". ثم نتعرف على قصة اختفائها، ومن ثم كيف أعاد رسمها مرة ثانية، ولكنها دُمّرت في غارة جوية على ليبيا سنة 1986... أما النسخة الثالثة منها، والتي أصبحت جزءًا من مجموعة مؤسسة دلول في لبنان، فلم يأت الكتاب على ذكرها. كما لم يذكر الكتاب تفصيلًا رواه الفنان، نجده الأكثر روعة ومدعاة إلى الافتخار، وهو أن حركة الحمّال في اللوحة هذه صارت ترمز إلى القدس في لغة الصم والبكم.

وبالطبع يتكلم الكتاب في بدايته عن ولادة الفنان وطفولته وعن وفاة والده وكان له أربع سنوات من العمر، وكيف، بسبب الفقر، أرسلته أمه مع إخوته إلى مدرسة داخلية للأيتام، فعرف قلة الطعام وقسوة بعض المعلمين. كان سليمان الصغير مفتونًا بجده الذي حرص على توفير أفضل تعليم لأولاده رغم ضيق ذات اليد. كان الجد يتكلم الألمانية والعربية الفصحى، وكان إلى جانب هذا مزارعًا نشيطًا أحب الأرض، وقد أورث حبها وحبّ العمل فيها إلى الحفيد... وهذا ما تخبرنا به صفحات هذه السيرة، وكما يقول هو في غير مناسبة: "عندما أرسم شجرة زيتون أو كرمًا تكون دعوة إلى الناس إلى العودة إلى أراضيهم والعمل فيها".

ومن المحطات الهامة في نشأته كان انتقاله إلى المدرسة الإعدادية في بيت جالا، وكانت الإدارة للقسم الداخلي فيها للألمان الذين اهتموا بالنشاطات خارج إطار عملية التدريس. فيها لاحظ المدير تايس موهبته وشجعه على المضي في صقلها، وقد أشركه سنة 1962 في مسابقة "قلوبنا تصرخ من أجل السلام" التي نظمتها الأمم المتحدة، حيث حاز فيها على أول جائزة في مسيرته. ومن ثم بدأ الشاب سليمان رحلته سائرًا في "درب الغول".

إن سليمان منصور هو من اختار عنوان سيرته، في إشارة إلى الدرب “الصعب الموحش” في القصص الشعبية، الذي يتحاشاه الناس أو يخشون السير فيه. ومن حسن الحظ أن الفنان الكبير قد سلكه، فأنار الدرب وأزهر.

كلمات مفتاحية
ربيع وهبة

الأفلام الرمادية

منذ أن قرأته في كتاب عن الفيلسوف جيل دولوز، ظلّ السؤال يلاحقني كشبح: ما الذي منحته السينما لمن لا يشتغلون فيها؟

ويليام دوفو

في حب ويليام دوفو

ثمة ممثلون نُعجب بهم، وثمة ممثلون نحبهم. الفارق بين الحالين ليس في مقدار الموهبة، بل في نوع العلاقة التي تنعقد بيننا وبينهم على الشاشة

أرغن

حفل موسيقي بدأ قبل ربع قرن.. ولن ينتهي قبل عام 2640

من حضر انطلاق المشروع لن يكون موجودًا عند نهايته. الفكرة صُممت لتعبر أجيالًا متعاقبة، بحيث يواصل أشخاص لم يولدوا بعد متابعة المقطوعة حتى تصل إلى نغمتها الأخيرة

اقتصاد كرة القدم
رياضة

إن لم تجد راعيًا واحدًا لقميص ناديك.. فابحث عن ألف!

حين يضع النادي عدة شعارات على قميصه قد يرى البعض أن كثرتها تطغى على هوية الفريق وشكله، وآخرون والإدارة قد ينظرون إلى الرعاية باعتبارها مصدرًا مهمًا للإيرادات، لكن ماذا لو أصبح عدد الرعاة 1000؟

اليابان
حالة

ما هي "أزمة الشمام" التي سببت خلافًا بين اليابان وأستراليا؟

لم تتحول الواقعة في البداية إلى قضية كبيرة، لكن تسجيل المقابلة عاد إلى الواجهة بعد أسابيع، لتبدأ المعارضة ووسائل إعلام أسترالية في انتقاد ألبانيزي والمطالبة باعتذاره لرئيسة الوزراء اليابانية

آرسنال
رياضة

درع المجتمع يكشف مدى "جوع" أرسنال.. ويضع مشروع ماريسكا تحت المجهر

يلتقي أرسنال بطل الدوري الإنجليزي الممتاز، مع مانشستر سيتي حامل لقب كأس الاتحاد الإنجليزي، في افتتاح الموسم الجديد عبر مباراة درع المجتمع، أو ما يعرف بـ"الدرع الخيرية"

سيارات كهربائية
سيّارات

رغم تراجع المبيعات محليًا.. السيارات الصينية تكسب أسواق العالم

كل سيارة لا تجد مشتريًا في الصين يمكن أن تتحول إلى فرصة في سوق آخر، من أوروبا وأميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا