مع رياض الصالح الحسين في فيسبوكه

مع رياض الصالح الحسين في فيسبوكه

رياض بين أصدقائه (فيسبوك)

منذ أيام قليلة، طلب الشاعر السوري الراحل رياض الصالح الحسين (1954 - 1982) صداقتي فيسبوكيًا. بدا الأمر ساخرًا أكثر من اللازم، مما دفعني إلى إجراء محاورة "استشارية" عاجلة عبر البريد الخاص مع صديق معروف بمقاييسه الدقيقة في ما يتعلق بالانجراف في العلاقات، على اختلاف أنواعها، نحو ما لا تحمد عواقبه. وتوافقنا بالمحصلة على أحقية الموتى في اختيار صداقات وحجب أخرى، رغم صعوبة تحقيق رغبة مُفترضَة كهذه.

ثمة من ينظرون إلى موت الشاعر باعتباره حياة جديدة لقصائده

المهم أنني انجرفتُ وانتهى بي الأمر إلى قبول صداقة الشاعر الراحل، مؤمنًا باستحقاقه لفرصة التواجد من خلال من يحبونه وبينهم، فهو -كما فكرت بعد انتهاء المحاورة آنفة الذكر- لم يحظ بالفرصة التي نالها كثيرون، دون أدنى مشقة في الوصول إلى نهار اليوم التالي والذي يليه. قلت في نفسي "إن كان قد خسر بموته هذه الفرصة، فمن الأَولى أن نُساير من يريدون للشاعر حضورًا حقيقيًا بيننا مهما كان شكله، مضافًا إلى حضوره الشعري الذي لا ينكره أحد".

الندم جاء متأخرًا كالعادة، فقد تضاعف عدد الأصدقاء الذين ترددوا أول الأمر في قبول صداقته أسوة بي، لكنهم لم يتجاهلوا مثلي حديث صديقي صاحب المقاييس الدقيقة؛ لأنهم تفحصوا قائمة الأصدقاء المشتركين، وركبوا الموجة كما ركبتها. أجهل إن شعروا بالكارثة التي طمرتني بعد أقل من يوم وليلة على قبول الصداقة.

"صديقي" رياض الصالح الحسين، أرجو أن لا تعتبر هذه الكلمات بمثابة إنكار لحقّك في دخول عالمنا الفيسبوكي الجديد، فقد تحمّستُ بدايةً لمشاعر الانتصار على حادثة رحيلك المدوية، وهي حادثة لم تأت في صالح الشعر كما أزعم، رغم وجود من ينظرون إلى موت الشاعر باعتباره حياة جديدة لقصائده. ما يُدريني إن كنت راضيًا عن "اللايك" التي توضع من خلال حسابك على نص لي أو لآخرين على صفحات الفيسبوك!! ما أقوله هنا يحدث الآن تمامًا، وهو من الأمور التي انزلق إليها شعراء كنا نعتدّ بما يكتبون وينشرون، قبل أن نُفاجأ بانحيازهم إلى الرغبة والشغف بما هو خارج الشعر تمامًا. لم تنته أسئلتي بعد، ولا أعرف متى سوف يكفّ المتخفي وراء اسمك وحسابك الفيبسوكي عن زجّك في هكذا "سموم" كنتَ قد اكتفيتَ منها وتآكلتْ حياتكَ بسببها.

اقرأ/ي أيضًا: جمال الغيطاني.. عين السرد التي أُغمضت

يا صديقي، اليوم هو ثالث أيامك الفيسبوكية. لا أريد أن أبدو متشائمًا حين أقول بأن دورة الحياة الفيسبوكية لن تروق لك، تمامًا مثل ذلك الخلل في الدورة الدموية الذي تعرفه أكثر مني جيدًا. ماذا عن الذين يعلّقون على قصائدك، أو تلك النّصوص المنسوبة إليك، بــ"صح لسانك" أو"الله عليك"، وسواها من التعليقات المتبوعة أو المسبوقة بقلوب حب حمراء ووجوه ضاحكة أو باكية؟ إذا كان أصدقاؤك الجدد يعرفون حقيقة موتك -لك أن لا تعذرني على لفظة "الموت" اللعينة- ويحاولون التحايل على حادثة رحيلك المؤلمة، فلا بأس، لكنّ فايروسًا جديدًا أصاب البشر هنا، وجعلهم يضعون اللايكات بالمجان على أخبار الموت والعزاءات المفتوحة في صفحات عالمنا الافتراضي. 

الفيسبوك جعلنا قريبين من البُعداء، وربّما يُسهّل عاجلًا تواصلنا مع الأموات

اضحك إن شئتَ أو كان بوسعك يا صديقي، فكثرةٌ من مدّعي الثقافة ومُزيّـفيها الأشاوس ما زالوا يجهلون أن أمل دنقل شاعر وليس شاعرة، وأن محمود درويش لم يُنجب أطفالًا يحملهم أيام العطل الرسمية والأسبوعية في رحلة ضمن طقس عائلي. اضحك يا صديقي؛ لأنّ من يُعلّق بــ"صحّ لسانك" على قصيدة أو نصّ منسوب إليك، يجهل أنك لم تشهد الثورة السورية حينما كنت تُردّد "الحرية..الحرية..الحرية، هي ما أطلب".

ولأنك آخر من يضحك، كما أعتقد على الأقل، دعني أخبرك بأنّ أحد الأصدقاء، علّقَ مؤخرًا على قيام أمه التي تجاوزت الستّين بإنشاء حساب لها في الفيبسبوك قائلًا: "أنشأتْ أمي حسابًا لها في الفيسبوك، وفوجئَتْ بهذا العالم الافتراضي الذي ما زالت تكتشف التواصل من خلاله مع آخرين في أربع رياح الأرض. قبل قليل، همست لي بعفوية: هذا الفيسبوك جعلنا قريبين من البُعداء، وربّما يُسهّل عاجلًا تواصلنا مع الأموات".

اقرأ/ي أيضًا: أورهان باموق.. من مطبخ الكتابة