مع اقتراب نهاية المهلة: هل يصمد اتفاق الحكومة السورية و"قسد" أمام الخروقات؟
23 يناير 2026
تنتهي غدًا مهلة الأيام الأربعة التي منحتها الحكومة السورية لقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، وفق اتفاق 20 من الشهر الجاري، لإجراء مشاورات داخلية تمهيدًا لإعداد خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق الخاضعة لسيطرتها مع الحكومة. ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه الأوضاع الميدانية تشهد خروقات متكررة لوقف إطلاق النار عبر اشتباكات متقطعة على خطوط التماس، وسط غياب اتفاق نهائي يفضي إلى تنفيذ بنود التفاهم، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت المهلة ستنتهي بتفاهم فعلي أم بتصعيد جديد.
في هذا السياق، قال عضو ممثلية مجلس سوريا الديمقراطي "مسد" في واشنطن، بسام إسحاق، في حديث لـ"الترا صوت"، إن تقديره لمهلة الأيام الأربعة هو أنها "نافذة لمنع التصعيد" أكثر من كونها موعدًا لحسم نهائي، معتبرًا أن الهدف الأساسي منها يتمثل في تثبيت وقف إطلاق النار وخلق مساحة لتهدئة الميدان، تمهيدًا للانتقال السريع إلى آليات تنفيذ واضحة للاتفاق. وأوضح إسحاق أن المراقبة خلال هذه الفترة ستركز على نقطتين أساسيتين، الأولى تتعلق بمستوى الخروقات على الأرض، والثانية بوجود خطوات عملية لتشكيل لجان تنسيق مشتركة.
وعن احتمال انتهاء المهلة باتفاق أو فشل، رجّح إسحاق "وجود فرصة واقعية للتوصل إلى اتفاق محدود وقابل للتطبيق" في حال جرى التركيز على التنفيذ بدل تعديل البنود أو فرض أمر واقع بالقوة، محذرًا من أن "الفشل يبقى احتمالًا قائمًا في حال استمرار التصعيد الميداني أو محاولة أي طرف تعديل الاتفاق بشكل أحادي، ولا سيما في الملفات الحساسة المتعلقة بالمدن والخدمات والسجون".
وكشف إسحاق لـ"الترا صوت" عن اجتماع عُقد أول أمس عبر الإنترنت، حضره إسحاق وجمع عضو مجلس الشيوخ الأميركي السيناتور كريستوفر فان هولن وقائد "قسد" مظلوم عبدي، موضحًا أن الاجتماع جاء في إطار التواصل المستمر مع الكونغرس لتوضيح الصورة على الأرض، ومناقشة أهمية تثبيت التهدئة ومنع توسّع المواجهة، وضمان أن تتم أي خطوات تتعلق بالاندماج أو إعادة الانتشار بشكل منظّم يحمي المدنيين ويمنع فراغًا أمنيًّا قد يستفيد منه تنظيم داعش. وأضاف أن الاجتماع شدّد أيضًا على أن ملف سجون داعش هو ملف دولي يتطلب تنسيقًا ومسؤولية مشتركة.
لا تزال فيه الأوضاع الميدانية تشهد خروقات متكررة لوقف إطلاق النار عبر اشتباكات متقطعة على خطوط التماس، وسط غياب اتفاق نهائي يفضي إلى تنفيذ بنود الاتفاق
دمشق تحمّل "قسد" مسؤولية خرق الاتفاقات
من جهتها، نقلت وكالة "سانا" عن مصدر دبلوماسي في وزارة الخارجية والمغتربين أن تنظيم "قسد" يتحمل مسؤولية خرق اتفاقات وقف إطلاق النار، مؤكدة احتفاظ الحكومة بحقها الكامل في حماية السيادة والأمن الوطني. وأضاف المصدر أن تطورات شرق الفرات هي نتيجة سياسات الأمر الواقع التي انتهجها تنظيم "قسد" خارج إطار الدولة، مشددًا على أن أولوية دمشق تتمثل في بسط سلطة القانون وحماية المدنيين وإنهاء أي سلاح غير شرعي. وأشار إلى أن اتفاق 10 آذار الماضي فشل بسبب غياب الجدية ومحاولة فرض واقع انفصالي، فيما جاء الاتفاق الجديد في 18 من الشهر الجاري بعد استنفاد المسارات السياسية وتدخل الدولة لفرض الاستقرار.
وأوضح المصدر أن" الدافع للاتفاق كان تصاعد المخاطر الأمنية وفشل الإدارة غير الشرعية"، مؤكدًا أن "دخول دمشق إلى مناطق الجزيرة جاء حرصًا على وحدة البلاد وحقن الدماء". وبيّن أن الاتفاق ينص على تسليم جميع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى الدولة السورية بصفتها الجهة الوحيدة المخولة باحتكار السلاح. وفيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة في حال انهيار وقف إطلاق النار، أكد أن جميع الخيارات تبقى مفتوحة، من الحل السياسي إلى التدخل الأمني أو العسكري "المحسوب" لحماية المدنيين وإنهاء الفوضى.
وأضاف المصدر أن دمج "قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية هو شأن سيادي داخلي، وأن التنسيق متواصل مع الحلفاء لمعالجة هذا الملف، مشيرًا إلى أن سوريا تجري اتصالات مع الدول الصديقة لشرح أن تحركاتها تهدف إلى مكافحة الإرهاب ومنع عودة داعش وحماية الأمن الإقليمي والدولي.
اجتماع لمظلوم عبدي في أربيل
من جهته، قال رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، عقب اجتماع مع مظلوم عبدي، أمس الخميس في أربيل، إن اللقاء أكد أهمية ضمان حقوق الأكراد وجميع المكونات في إطار سوريا موحدة، وضرورة احتواء التوترات واستئناف الحوار بين "قسد" والحكومة السورية، إلى جانب مواصلة الجهود مع الأطراف المعنية لضمان استدامة وقف إطلاق النار.
وفي اليوم ذاته، أعلن المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك، عبر منصة "إكس"، أن وفدًا أميركيًا عقد لقاءً مع عبدي والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد. وأوضح باراك أن واشنطن جددت دعمها القوي والتزامها بتقديم عملية الاندماج الموضحة في اتفاق 18 كانون الثاني/يناير بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية، مضيفًا أن جميع الأطراف اتفقت على أن الخطوة الأولى الأساسية تتمثل في الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار الحالي، بالتوازي مع العمل الجماعي على تحديد وتنفيذ إجراءات بناء الثقة من مختلف الأطراف، بهدف تعزيز الثقة وتحقيق استقرار دائم.
وفي بيان لمظلوم عبدي، وصف الاجتماع في إقليم كردستان العراق بـ"البنّاء والمثمر" مع المبعوث الأميركي باراك وقائد القيادة المركزية الأميركية، مشيرًا إلى أن دعم الولايات المتحدة الأميركية وسياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لعملية وقف إطلاق النار يُعد أمرًا مهمًا ومحل ترحيب بالنسبة لهم. وأضاف أنهم سيعملون بكل الإمكانات وبشكل جاد لتحقيق اندماج حقيقي والحفاظ على وقف إطلاق النار في سوريا.
خروقات لوقف إطلاق النار
ميدانيًا، قالت "قسد" في بيان رسمي، أمس الخميس، إن "دمشق تواصل هجماتها على الرغم من اتفاقية وقف إطلاق النار"، موضحة أن "فصائل دمشق استمرت في استهداف مناطق كوباني (عين العرب)". وذكرت "قسد" أن القصف تزامن مع استهداف سجن الأقطان الذي يضم عناصر من تنظيم "داعش"، إلى جانب استهداف محيط بلدة صرين، وقرية "خروص" جنوبي كوباني باستخدام الأسلحة الثقيلة والمدفعية، فضلًا عن تعرّض الريف الجنوبي والجنوبي الغربي لكوباني لوابل من قذائف المدفعية.
وأشارت "قسد" إلى أنها أرفقت بيانها بمقاطع فيديو نشرتها معرّفات تابعة لتلك الفصائل، توثق القصف المدفعي على مناطق جنوبي كوباني، معتبرة أن ذلك "يشكل خرقًا لوقف إطلاق النار لليوم الثاني على التوالي، بعد تسجيل 22 انتهاكًا في اليوم السابق شملت مناطق كوباني والحسكة وسجن الأقطان".
في المقابل، قالت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية إن "تنظيم قسد استهدف مواقع الجيش السوري أكثر من 35 مرة خلال اليوم الأول من مهلة وقف إطلاق النار"، ما أدى إلى مقتل 11 جنديًا وإصابة أكثر من 25 آخرين. كما أعلن الجيش السوري مقتل وإصابة عدد من جنوده إثر استهداف "قسد" مقرًا عسكريًا يحتوي على مواد متفجرة داخل معبر "اليعربية" في محافظة الحسكة، واصفًا ما جرى بأنه "تصعيد خطير وخرق واضح لاتفاق وقف إطلاق النار".
أعلنت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري، عبر "الإخبارية"، أن وحدات الجيش بدأت بنقل عناصر تنظيم "قسد" من سجن الأقطان ومحيطه في محافظة الرقة إلى مدينة عين العرب (كوباني) شرق حلب، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل الأولى في تطبيق اتفاق 18 كانون الثاني
الحكومة السورية تستلم سجن الأقطان
وفي ملف سجون داعش، شدد المصدر دبلوماسي على أن الدولة ترفض توظيف هذا الملف سياسيًا، مؤكدة استعدادها لتسلم السجون وتأمينها، مع تحميل "قسد" مسؤولية أي خرق. كما قال إن رسالة دمشق إلى أبناء شرق الفرات والمجتمع الدولي تتمثل في أن الدولة هي الضامن لجميع المكونات، وأن دخول الجيش جاء للحماية، معتبرًا أن احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها التزام قانوني وليس خيارًا سياسيًا. وختم بالتأكيد على أن استعادة موارد النفط والغاز والمياه ستوظف لخدمة جميع السوريين وتحسين الخدمات ودعم إعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي.
وفي تطور ميداني لافت، أعلنت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري، عبر "الإخبارية"، أن وحدات الجيش بدأت بنقل عناصر تنظيم "قسد" من سجن الأقطان ومحيطه في محافظة الرقة إلى مدينة عين العرب (كوباني) شرق حلب، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل الأولى في تطبيق اتفاق 18 كانون الثاني، على أن تتسلم وزارة الداخلية إدارة السجن، مع مرافقة الجيش لعناصر "قسد" إلى محيط مدينة عين العرب.
وقال مصدر حكومي لـ"الإخبارية" إن وزارة الدفاع توصلت إلى اتفاق برعاية دولية يهدف إلى خفض التصعيد وتثبيت نقاط السيطرة، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار واستكمال استعادة سيادة الدولة على كامل التراب السوري، ولا سيما في محافظة الرقة. وبموجب الاتفاق، سيجري البدء بعملية إخراج مقاتلي "قسد"، من السوريين والأجانب، من سجن الأقطان بكامل مرافقه وتوجيههم نحو منطقة عين العرب (كوباني)، على أن تتم عملية الخروج والانسحاب بالأسلحة الخفيفة الفردية فقط وتحت إشراف الجهات المعنية. وأضاف المصدر أن وحدات من الجيش العربي السوري والجهات الأمنية المختصة ستتسلم سجن الأقطان بكامل مرافقه، بما في ذلك القسم الذي يضم محتجزي تنظيم داعش، بما يضمن إدارتهم وفق القوانين السورية، مشيرًا إلى أن العملية تشمل قرابة 800 مقاتل.
وأكد أن هذه الخطوة جاءت استجابة للوساطات الدولية الهادفة إلى منع التصعيد العسكري وضمان انتقال سلمي للسلطة الإدارية والأمنية في المواقع الحيوية، بما يخدم الهدف المتمثل في بسط السيطرة الكاملة على محافظة الرقة وتأمينها من أي تهديدات، مشددًا على أن هذه الإجراءات تندرج ضمن رؤية الدولة لإعادة تفعيل المؤسسات الرسمية وضمان سيادة القانون وحماية السلم الأهلي.
الجيش السوري يباشر التحقيق في تجاوزات خلال عملياته شمال شرق البلاد
أعلنت قيادة الأمن والشرطة العسكرية في وزارة الدفاع السورية أنها بدأت باتخاذ الإجراءات القانونية بحق العناصر الذين ارتكبوا "تجاوزات قانونية" خلال العملية العسكرية التي نفذها الجيش السوري في شمال شرق البلاد.
وقالت القيادة، في بيان نشر عبر المعرفات الرسمية للوزارة على منصات التواصل الاجتماعي، إن الشرطة العسكرية رصدت عدة مخالفات تتعلق بالضوابط المسلكية المعتمدة، رغم التوجيهات والتعليمات الواضحة المبلغة لجميع الوحدات والجهات المعنية.
وأضاف البيان أن الإجراءات القانونية ستُتخذ وفق الأنظمة النافذة لضمان محاسبة المخالفين، والحفاظ على الانضباط العسكري، ومنع تكرار أي تجاوزات قد تمس النظام العام أو سير العمل الميداني.
وشددت القيادة على "مركزية الانضباط المسلكي والعسكري في عملها"، مؤكدة "عدم التهاون مع أي مخالفات"، ومثنية في الوقت نفسه على "مستوى الانضباط العالي الذي تحلّت به وحداتها، باستثناء بعض الحالات الفردية التي ستُتخذ بحقها الإجراءات اللازمة".
وبينما تتعدد الروايات وتتبادل الأطراف الاتهامات، يبقى المسار السياسي هو السبيل الأنسب لتفادي المزيد من التوتر، وتثبيت الاستقرار في شمال شرقي سوريا، بعيدًا عن العنف والانقسام والتحريض.





