06-ديسمبر-2021

جزء من لوحة لـ محمود العبيدي/ العراق

أسألُ المساء عن الطيور

التي ماتت

في ذاكرةِ الريح

ماذا كانت تريد؟

ماذا تركت؟

في عوالم التحليق والهروب

هناك

بعيدًا

حيث الرياح وأسرار الأشجار ونَغم الغيوم

تستطيع ألا تكتب

في هذا العالم المبلل برائحته المتعفنة

عليك الاختيار

لماذا الموت نقي هكذا!؟

تأخذ الماء

وتحفر بئرًا للنجوم

تركبُ قدميك

وتغسلُ صفارة الإنذار في الأسئلة

لماذا الوقوف؟

لماذا الركض الآن؟

تُمحو قدميك من أسى الطرقات

ومن بكاءِ العابرين

من مواسمِ الجثثِ التي تنشّقها أنفك

من الحياةِ

من دخان الغرباء الذي يتصاعد نحوك

عليك الآن

أن تركبَ قدميك جيدًا

كما لو أنكَ لأوّل مرةِ تطير

عليك أن تنظر إلى قبح وأسى العالم من الآفقِ البعيد

وترمي كلَّ شيءٍ من هناك؟

عليك ألا تعود

وألا تركب قدميك بعد الآن

*

 

أتحكمُ بتفاصيل حياتي جيدًا

وأتعامل معها كتلفازٍ

وُضِعَ أمام طفل متوحّد

أنام مثلما أحب

أستيقظ مثلما أريد

مثلًا بالأمس

فكرتُ بأن أُغادرَ هذا العالم

ذهبتُ الى أقرب صيدلية

اشتريتُ بوصفةٍ مزوّرة شريط ڤاليوم

يُعطى للمصابين بفقدان شهية النوم

من مجانين ومصروعين

يا لتفاهة هذهِ الحياة

أنك تغادر كل شيء من عتبة صيدلية.

*

 

لدي صرخة لا يعرفها أحد

سقطت

من فم

أو جيب

ضمّمتها إلى صدري

أصرخ من خلالها

وأبكي

وأنشف عينيَّ في ثيابها

ولا أحد

يمسح على رأسي

هناك

شخص

يخرج من صدري الآن

يأخذ صرختي

ينام فيها

يشعل

مدفأة حتى لا أرتجف

ويرتجف معي

هناك أحدٌ ما 

أخذ صرختي

ذهب فيها بعيدًا 

لكنها تعود الآن

إلى شخص تعرفه

تمشي

من عظامي

وتتركني أتبعها

وفي وقت متأخر تدخل في رأسي

وتنام

أسأل هذه الصرخة

عني

وعن شخصٍ آخر

أنبح

من هذه صرخة

واحلم بثياب أحدهم نائمة في صرختي

الآن معي ثياب وصرخة

وبكاء

لشخص لا أعرفه

صرخة

تجلس

على الأريكة

تقرأ الشعر الآن معي

تشاهد

الحياة تركض والعربة متوقفة

الآن عندي صرخة

بكاء شخص لا أعرفه

عندي ثيابٌ

وحياة وناس واقفون

الناس هكذا

واقفون

لا أحد يجلس

لا أحد يبكي ولا أحد ينام

الحياة تركض هكذا

بين فخذين

وتتوقف أبدًا بين حفرتين

أو حفرة واحدة

حفرة

ترتفع مترين تحت الأرض

لا يدخلها ضوء

ولا ماء

لكنها ترتفع

وترتفع

حتى تصير قبرًا مبلولًا

الآن لدي حفرة

تشبه جنين سقط للتو

يصرخ في فمي

ولا أعرف

 ماذا يريد

ماذا يريد من حفرة معلقة في سكين!

*

 

الشمس

رئة

التائهون في الليل

ظلال الطيور

تغتسل

في الريح

تعقم حياتها من صمت النهر

بينما الطيور نفسها

ضجرة من سعال الوحدة

الطيور

تبيض كآبتها فوق جذعٍ محترق

النهر

عين غريق مقفلة

في الريح،

عين جثة ميتة

الريح عين ذئبة ملتصقة

بجنح

متوقف مذ زمن طويل

النهر عين غريق

نستها الشرطة النهرية في جيبي

بعد انتشال

جثة متفسخة لشخص تائه

التصقت

أعضائها بالمارة

الماشين في وحدتهم 

رأس

يخرج من مرارة معلقة بالنزف الوحيد

الكآبة

دمُ قلب آخر سمكة تعرف النهر

مثلما

ظل مثقوب

توقف أيها اللاشيء

العابرون في عيني

عبروا

كنت

أمدُ جسر الدمعة تحت أقدامهم

لمّا مشوا في الطريق

لقد مشوا

على دمعتي

الذين عبروا هناك

ظلال دم أقدامهم

هنا

عبروا الآن

من عيني

عبروا بعيدًا حيث لا طريق.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كالراحل دون مؤونة

انتظارٌ لا بدَّ منه