معنى الذلّ

معنى الذلّ

رصيف في دمشق أيار/ مايو 2014 (Getty)

الذُّلّ يا عزيزي هو أن تكون كائناً حيّاً في دولة اسمها سوريّا الأسد. أتدري كيف؟ حين يكون بمقدرة شرطيّ واحدٍ أن يمشي في شارع مليءٍ بالبسطات المتنقلة، والبسطة هي قطعة خشبية أو كرتونة يضع المرء عليها جواربًا أو ألعابًا أو بعض أدوات المنزلية أو أو أو.. الخ، أن يصادر كلّ بضاعة هذه البسطات.

​الذُّلّ يا عزيزي هو أن تكون كائناً حيّاً في دولة اسمها "سوريّا الأسد"

سترى أحيانًا خمسين رجلًا يحملون بسطاتهم ويهربون من هذا الشرطي، لأنّ رشوته من أجل أن يدعك وشأنك تساوي ربحك ليوم أو يومين، وأنت لا تستطيع الاستغناء عن هذا المال لأنّك تعيل عائلة أو أكثر. الذُّلّ هو أن تكون أحد أصحاب هذه البسطات.

حين يكون في مقدرة رجل مخابراتٍ شاب أن يضرب رجلًا ستيني العمر في وسط المدينة، وأمام مرآى العشرات من المدنيين دون أن يستطيعوا الاعتراض أو أن يبدوا امتعاضهم. الذّلّ هو أن تكون هذا الرجل المضروب، أو أن يكون هذا الستيني والدك مثلًا. 

حين يعيش حوالي ستمئة ألف "مواطن سوري" في خيم منشرة حول العاصمة دمشق وحول المدن الكبيرة كحمص واللاذقية، وهم مَنْ قَدِمَ مِنْ محافظات الجزيرة السوريّة الثلاث "الحسكة والرقة ودير الزور" وذلك بسبب موجة الجفاف الممتدة منذ العام 2005، ولعدم تقديم الحكومة لمشروعات تخدّم مناطقهم الزراعيّة ما تسبب في نزوحهم للعمل في المدن الكبيرة، معظم هؤلاء كان يتقاضى أقل من خمسين ليرة يومياً لإعالة عائلة كاملة. كان سعر ربطة الخبز حينها خمس عشرة ليرة سوريّة. بالطبع لم يكن معظم سكان المدن يعلم بوجود هؤلاء البشر يعيشون بالقرب منهم، فهم لم يروا يومًا بيوت الصفيح والخيم التي تقتلعها الريح في الشتاء مرات عديدة. الذُّلّ هو أن تكون فردًا من إحدى هذه العائلات. 

حين يكون مساعد في قوى الأمن الداخلي يتمشى في أحد الأسواق، في واحدة من المدن السوريّة، ويأخذ ما يشاء من خضار وفواكه ولحوم دون مقابل مادي، وأن يتم توصيل هذه الأغراض إلى منزله مجانًا أيضًا. الذُّلّ هو أن تكون صاحب دكان لا تستطيع أن تعترض على مثل هذه التصرفات، لا بل أكثر من ذلك، أنت قد اعتدت على تكرار هذا الفعل يوميًا حتى أصبح روتينًا حياتيًّا مملًا بعض الشيء.

حين يتصل أحد عناصر المخابرات بأحد البيوت ويخبرهم بقدومه بعد ربع ساعة للتحقيق، فتبدأ العائلة بحرق الجرائد الممنوعة وتخبأ الكتب التي من الممكن أن تلفت انتباه العنصر هذا، وأن تحبس الأم أطفالها في الغرفة طوال فترة التحقيق حتى لا يسألهم العنصر أي شيء قد يودي بالعائلة إلى كارثة محتملة. الذُّلّ هو أن تكون طفلًا نشأ في عائلة كهذه أو أن تكون فردًا من العائلة، لا يستطيع أن يعد الطفل بمستقبل حرّ ينتظره.

الذل أن يكون في مقدرة رجل مخابراتٍ شاب أن يضرب رجلًا ستيني العمر في وسط المدينة

أمثلة الذٌّلّ لا تنتهي في سوريا الأسد، وهؤلاء الذين لم يعرفوا هذا الذُّلّ لن يعرفوا يومًا لماذا كان حلم الهجرة يراود كثيرًا من السوريين، ولن يعرفوا يومًا لماذا يموت الناس غرقًا في البحر المتوسط الذي تلون بلوننا من كثرة أجساد الفقراء في قاعه، ولن يفهموا لماذا قامت الثورة، ولم هي مستمرة حتى الآن رغم كثرة تخبطاتها ووصولها إلى حرب أهليّة مفتوحة. 

من لم يعرف هذا الذُّل لم يعرف سوريا في عهد الأسد. هذا الذُّلّ الذي عاشه الكثير من السوريين هو شيءٌ من عالم آخر، ليس فسادًا، ليس قبضة عسكريّة، ليست دكتاتوريّة فحسب، هذا شيءٌ آخر من عالم آخر. إنّه تركيعٌ وقهرٌ وقلعُ كرامة. هذا الذُّلّ الذي سيأكل العالم يومًا من الأيام، هذا الذُّلّ الذي كان رفيق أيامنا سيظل في دواخلنا حتى نشيخ، سنصدره لأولادنا وإلى أولاد الآخرين، سنخبر العالم كلّ يوم بأنّنا كنّا أذلاء.

هذا الذُّلّ أنتج ما نراه اليوم في الأخبار، ما زرعه الأسد في الأمس يحصده العالم كلّه اليوم. داعش، حرب مفتوحة على الجحيم، تحالفات وانكسارات وخطط ومؤامرات، لاجئون في كلّ مكان، هاربون من جحيم الموت يزرعون بلاد العالم الآن. هذا كلّه حصاد ذٌّلّ الأمس، والقادم قد يكون أعظم. يقول المعجم أن معنى كلمة ذُّلّ هو الضعف والمهانة والرفق، وجمعها أذلالٌ، ويقال: عاش في ذُّلٍّ، أي عاش في حقارة ومهانة. فهل عرفتَ عزيزي معنى الذُّلّ؟