"معركة وراء أخرى" التهكّم في وجه الترامبية
17 أكتوبر 2025
ليست هذه المرة الأولى التي تُشهر فيها السينما الأميركية سلاحها في وجه الغوغائية السياسية، لكنها هذه المرة أشدّ وعيًا بذاتها وأكثر إدراكًا لدورها "التحصيني" في عصر تتآكل فيه القيم ويُعاد فيه تعريف "الحرية" بملامح قومية صارخة. بعد سنوات من الخطاب الترامبي، بما فيه من عنصرية سافرة ضد المهاجرين وحنين فظّ إلى السلطوية، باتت السينما الأميركية تخوض معركتها الثقافية دفاعًا عن نفسها وعن فكرة المواطنة ذاتها.
من هذه الزاوية، يطل فيلم بول توماس أندرسون الجديد "معركة وراء أخرى" (One Battle After Another ) كإعلان سينمائي مضاد، أو لنقل كمرآة تعكس فوضى الخطاب الشعبوي الأميركي بذكاء ساخر وتهكّم موجع وشديد المرارة.
الفيلم يغرف من نبع إبداعي فيّاض، من تلك الرؤى الراديكالية للسينما الأميركية في لحظات صحوها وتألقها، ويمثل بسلاسة امتدادًا لتلك السخرية الميتافيزيقية/الوجودية التي رأيناها في فيلمي "Joker" و"Don’t Look Up"، لكنه أكثر راديكالية في لغته ورؤيته، إذ يخلط بين العبث والواقعية السياسية في بناء بصري متوتّر لا يفصل بين التهكم والواقع الأكثر هشاشة من فكرة هزلية، بل يوحّدهما في ضحك موجع.
أبٌ ثائرٌ وابنةٌ تُعيد المعنى
يحكي الفيلم قصة بوب (ليوناردو دي كابريو)، ثائر سابق يعيش في عزلة غامضة مع ابنته ويلا. عندما يعود خصمه العسكري القديم (شون بن) وتختفي الابنة فجأة، يجد الأب نفسه مضطرًا لاستدعاء رفاق الماضي، ليس فقط لاستعادة ابنته، بل لمواجهة ظله وخرائب أيديولوجيات كان يظنها خلاصًا.
الفيلم، في جوهره، رحلة مطاردة بين زمنين: زمن الثورة المستهلكة، وزمن الحاضر الذي يعيد إنتاجها كعرض استعراضي للسلطة.
يطل فيلم بول توماس أندرسون الجديد "معركة وراء أخرى" (One Battle After Another ) كإعلان سينمائي مضاد، أو لنقل كمرآة تعكس فوضى الخطاب الشعبوي الأميركي بذكاء ساخر وتهكّم موجع وشديد المرارة
أندرسون وصوت التمرّد
على امتداد مسيرته، كان أندرسون أحد أكثر المخرجين الأميركيين انشغالًا بفحص البنية الأخلاقية للمجتمع الحديث. من "There Will Be Blood" إلى "The Master" وصولًا إلى "Licorice Pizza"، تتكرّر لديه فكرة الرجل الذي يواجه شبح النظام من الداخل، حتى حين يظن أنه خارجه.
في معركة وراء أخرى يخوض تجربة مختلفة: فيلم سياسي مموّه بلغة التشويق، يختبر حدود الكوميديا السوداء ويعيد مساءلة مفهوم "التمرّد" في زمن لم يعد يفرّق بين البطل والمهرّج.
بحميمية "وطنية للغاية"، يقترب أندرسون من روح الرواية الأميركية الكبيرة، وتحديدًا من إرث توماس بنشون، في تفكيك أسطورة الثورة الأميركية وتحويلها إلى كوميديا عبثية عن جيل خسر المعنى بين يسار متحجّر ويمين فاشي متأنّق وجذّاب. كما يعكس الفيلم الغوغائية في شعبويتها بشكل ساخر.
تكنيكيًا
اختار أندرسون أن يُعرض الفيلم على أشرطة "70mm " وصيغ "IMAX"، كأنه يريد للصورة أن تفيض عن الشاشة، وأن تكون تجربة حسية كاملة تبتلع المُشاهد. الألوان حادّة، والحركة مشوبة بعصبية مدروسة، والمونتاج يخلق توتّرًا متواصلًا يذكّر بموسيقى الجسد أكثر مما يذكّر بالحكاية.
أما موسيقى جوني غرينوود، فهي أشبه بنبض عصبي يرافق الشخصيات؛ لا تعزف مشاعرها، بل تكشف اضطرابها الداخلي وتحوّل الصمت إلى مساحة للقلق.
السخافة كثورة تحرّرية أيضًا
يقدّم ليوناردو دي كابريو أداءً نادرًا في تاريخه، وكأنه بلغ تلك المرحلة بعد سنوات من التدريب والانضباط كممثل مجتهد. لم يكن مبهرًا تمامًا في السابق، لكنه وصل إلى مرحلة الانفلات الواعي، حيث لم يعد مضطرًا لإثبات شيء لأحد.
قرّر دي كابريو أن يرمي ذاته في حضن مخرج يترك لجنونه أن يتكلّم، لاعبًا — بكل ما في فكرة اللعب من حمولات — شخصية بوب بخفّة وهستيريا وسخافة، مازجًا بين السخرية واليأس، مما جعله يبدو مثيرًا للشفقة والإعجاب في آن واحد.
يقابله شون بن بطاقة نقيضة: سلطة آيلة للسقوط، لكنها لا تزال تملك سحرها العدواني. أما الأدوار المساندة (بنيسيو ديل تورو، ريغينا هول، تيانا تايلور) فتضيف للفيلم حيوية نادرة، توازن بين الجدية والتهكّم، وتمنح القصة ملمسًا بشريًا حقيقيًا.
كوميديا دهليزية على حافة الديستوبيا
ينسج أندرسون حبكة تدور حول مطاردة، لكنها في الحقيقة مطاردة للمعنى ذاته. فالصحراء والحدود والطرقات الطويلة ليست مجرد خلفيات جغرافية، بل استعارات لهوية وطنية تتآكل تحت وطأة الخوف.
في الظاهر، نشاهد فيلمًا عن الهروب والمواجهة؛ أما في العمق، فنحن أمام تأمل في آليات السلطة وكيف يُعاد إنتاج العنف تحت لافتة الأمن. ينجح المخرج في تحويل السخرية إلى أداة تفكير والضحك إلى شكل من أشكال المقاومة. لكل تلك الأسباب، لا يمكن فصل الفيلم عن التيار العالمي الذي يعيد للسينما دورها في مساءلة الواقع، لكن أندرسون يقدم رؤيته الخاصة: هجاء سياسي يختبر هشاشة الإنسان أمام وهم البطولة.
في مكان ما، يمكن قراءة الفيلم بوصفه صدى معاصرًا لسينما غودار السياسية (La Chinoise)، لكن بلغة أميركية تملك رفاهية الإنتاج وبناء المعنى معًا.
معركة وراء أخرى فيلم عن الحرب بقدر ما هو عن اعتناقها كمذهب، عن أب يركض وراء ابنته كما لو كان يطارد حبه الضائع.
بسخرية حادة وصنعة بصرية متقنة وموسيقى تقرع الأعصاب، يقدم بول توماس أندرسون واحدًا من أكثر أفلامه اكتمالًا، ويمنح دي كابريو مساحة يخلط فيها بين التفاهة والروعة حتى يصعب الفصل بينهما.
وإذا كانت السينما الأميركية قد تعلمت شيئًا من زمن الترامبية، فهو أن معركتها مع القبح لن تنتهي، بل ستخوضها معركة وراء أخرى.