معركة بين التاريخ و"الأمن".. جدار ترامب يهدد رسومًا صخرية عمرها آلاف السنين
6 سبتمبر 2026
تواجه مجموعة من أقدم وأهم الرسوم الصخرية في أميركا الشمالية خطرًا متزايدًا بسبب توسعة الجدار الحدودي الذي تدفع به إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في غرب ولاية تكساس، في مشروع تقول السلطات إنه يستهدف تعزيز أمن الحدود، بينما يحذر علماء آثار وسكان محليون من أنه قد يتسبب في أضرار لا يمكن إصلاحها لإرث ثقافي يعود إلى آلاف السنين.
وحسب تقرير لصحيفة "الغارديان"، ففي منطقة "Lower Pecos Canyonlands"، حيث يلتقي نهر بيكوس بنهر ريو غراندي، تنتشر مئات المواقع التي تضم رسومًا ونقوشًا صخرية تركتها مجموعات من السكان الأصليين. بعض هذه الأعمال يعود إلى نحو 6 آلاف عام، فيما يزيد عمر بعضها الآخر على 4 آلاف سنة، ما يجعلها أقدم من الأهرامات المصرية في بعض الحالات. ويصف علماء آثار هذه الرسوم بأنها سجل نادر لحياة وثقافة ومعتقدات مجتمعات بشرية عاشت في المنطقة قبل آلاف السنين.
رسائل من عصور غابرة
تعد عالمة الآثار كارولين بويد من أبرز الباحثين الذين أمضوا عقودًا في دراسة هذه الرسوم. فقد أمضت نحو 35 عامًا في تحليلها، وترى فيها ما يشبه مكتبة هائلة لا تزال أجزاء كبيرة من محتوياتها غير مفهومة بالكامل، لأنها تحمل قصصًا ورموزًا ومعتقدات من مجتمعات لم تترك وراءها سجلات مكتوبة.
تواجه مجموعة من أقدم وأهم الرسوم الصخرية في أميركا الشمالية خطرًا متزايدًا بسبب توسعة الجدار الحدودي الذي تدفع به إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في غرب ولاية تكساس
وتشير بويد إلى أن تنفيذ هذه الأعمال لم يكن مهمة عشوائية أو بسيطة. فقد كان السكان الأصليون يجمعون ويطحنون مواد مثل الجبس والهيماتيت والليمونيت والمنغنيز لصناعة الأصباغ، ويستخدمون ألياف نبات "السوتول" لصنع هياكل تساعد الفنانين على الوصول إلى أجزاء مرتفعة من الجدران الصخرية، وبعض الشخصيات المرسومة يصل ارتفاعها إلى نحو 30 قدمًا، ما يكشف عن مستوى كبير من التنظيم والتعاون والدقة الفنية.
وترى بويد أن قيمة هذه الرسوم لا تكمن في عمرها فقط، بل في كونها نافذة على عالم روحي وثقافي لم يعد بالإمكان استعادته، ولهذا فإن فقدانها لا يعني ببساطة اختفاء صور من على الصخور، بل ضياع معلومات قد يحتاج الباحثون إلى عقود لفهمها وربطها بتاريخ السكان الأصليين في المنطقة.
مشروع بمليارات الدولارات
ويأتي الخطر في إطار خطة إدارة ترامب لتوسيع البنية التحتية على الحدود الأميركية-المكسيكية. وكان الكونغرس قد خصص نحو 46.5 مليار دولار لتوسعة الحواجز الحدودية، ما منح الإدارة موارد ضخمة لدفع مشاريع بناء جديدة في مناطق لم تكن فيها حواجز واسعة من قبل.
وفي غرب تكساس، يشمل المشروع مسارًا بطول نحو 165 ميلًا عبر منطقة غنية بالمواقع الأثرية والثقافية. وتبلغ قيمة أحد عقود البناء نحو 2.6 مليار دولار، أي ما يقارب 16 مليون دولار لكل ميل، ويتضمن إنشاء حواجز للمركبات وطرق وصول وبنية تحتية مرتبطة بأمن الحدود.
وتختلف هذه المنشآت في بعض أجزاء المنطقة عن الصورة التقليدية لجدار فولاذي مرتفع. فخطط السلطات تتضمن حواجز للمركبات وطرقًا ومكونات لما تسميه السلطات "الجدار الذكي"، يجمع بين الحواجز المادية وتقنيات المراقبة والكشف. لكن علماء الآثار يخشون أن يكون إنشاء الطرق والحواجز وأعمال الحفر والانفجارات بحد ذاته كافيًا لإلحاق أضرار بالرسوم القديمة.
الخطر لا يأتي من الجدار وحده
ويحذر المختصون من أن الضرر المحتمل لا يتطلب بالضرورة أن يمر الجدار فوق الرسم الصخري مباشرة، فالاهتزازات الناتجة عن المعدات الثقيلة وأعمال الحفر والتفجير يمكن أن تؤدي إلى تشقق الصخور الكلسية أو انفصال أجزاء منها، بما يهدد الرسوم التي ظلت محفوظة لآلاف السنين.
وتشير تقديرات المعهد الأثري الأميركي إلى أن منطقة "Lower Pecos Canyonlands" تضم أكثر من 300 موقع للرسوم القديمة، وأن نحو 84 موقعًا من المواقع المعروفة تقع جنوب الحاجز المقترح، ما قد يجعل الوصول إليها ومراقبتها ودراستها أكثر صعوبة. كما أن ما لا يقل عن 15 موقعًا يقع في مسار أعمال البناء أو البنية التحتية المرتبطة بها، ويواجه خطر التدمير أو الضرر الشديد.
"Painted Shelter" في مرمى المشروع
ومن أكثر المواقع إثارة للقلق "Painted Shelter"، وهو ملجأ صخري يقع في أرض خاصة لعائلة زوبربيولر التي تملك مزرعة أغنام في المنطقة منذ أكثر من قرن. ويحمل الموقع طبقات من الرسوم نفذتها جماعات مختلفة على مدى آلاف السنين، ما يجعله أشبه بسجل زمني بصري للتغيرات التي شهدتها المنطقة، وتظهر فيه صور مرتبطة بأسلحة وتقنيات صيد مختلفة، بينها أداة رمي الرماح والقوس التقليدي والقوس المنحني الأكثر حداثة.
لكن المسار المقترح للحاجز يمر بالقرب من الموقع، ما يثير مخاوف من تأثير أعمال إنشاء الطريق والحاجز في المجرى المائي الموجود أسفل الملجأ وفي الجدران الصخرية التي تحمل الرسوم، ويخشى الباحثون أن يؤدي اضطراب المنطقة إلى إلحاق أضرار مباشرة وغير مباشرة باللوحات.
"White Shaman".. لوحة تكشف عالمًا كاملًا
ومن أشهر الأعمال في المنطقة لوحة تعرف باسم "White Shaman"، وهي لوحة تمتد على نحو 100 قدم داخل كهف مرتفع فوق نهر بيكوس. استخدم الفنانون القدماء أربعة ألوان رئيسية مشتقة من الصخور المسحوقة، وهي الأسود والأحمر والأصفر والأبيض. وتضم اللوحة شخصية بيضاء بلا رأس، ذات ذراعين ممدودتين، يرى باحثون أنها تمثل "إلهة القمر"، في تصور يرتبط بمعتقدات شعوب من السكان الأصليين في المنطقة.
وتزداد أهمية اللوحة بسبب موقعها واتجاهها، فعند غروب الشمس في الانقلاب القمري، يتحرك الضوء على الجدار بطريقة تجعل الشمس تصل إلى منطقة رقبة الشخصية، فتظهر بصريًا كما لو أنها "تقطع" رأسها. وبالنسبة للباحثين، فإن مثل هذه التفاصيل تشير إلى أن الرسوم ربما ارتبطت بمراقبة السماء ودورات الشمس والقمر وبمعتقدات وطقوس معقدة.
تجاوز قوانين الحماية
وتزداد حدة الجدل بسبب قرار وزارة الأمن الداخلي الأميركية إعفاء مشاريع الجدار في هذه المنطقة من عدد كبير من القوانين واللوائح الفدرالية التي عادة ما توفر حماية للمواقع الأثرية والبيئية. وبحسب المعهد الأثري الأميركي، جرى تجاوز 29 قانونًا ولائحة فدرالية لتسريع أعمال البناء، بما يشمل إجراءات مرتبطة بحماية المواقع التاريخية والموارد الثقافية والبيئية. كما أشار تقرير سابق إلى أن الإعفاءات شملت قوانين مثل قانون السياسة البيئية الوطنية، وقانون الأنواع المهددة بالانقراض، وقانون المياه النظيفة، وقانون حماية وإعادة رفات الأميركيين الأصليين.
ويرى منتقدو المشروع أن تسريع البناء على حساب إجراءات الحماية يخلق وضعًا يصعب فيه تقييم الأضرار قبل وقوعها، خصوصًا أن بعض المواقع لم تخضع بعد لدراسة شاملة. فكل يوم يمر مع استمرار الأعمال قد يعني خسارة فرصة توثيق جزء من تاريخ المنطقة قبل أن يتعرض للتلف.
حدود قليلة العبور.. فلماذا الجدار؟
ولا يتعلق الخلاف بالآثار وحدها، إذ يطرح معارضو المشروع سؤالًا أوسع حول جدوى إقامة بنية حدودية ضخمة في منطقة وعرة أصلًا. فمنطقة بيغ بند تضم جبالًا وأودية ومنحدرات شديدة تجعل العبور غير النظامي للمركبات صعبًا للغاية. وقال النائب الديمقراطي عن تكساس لويد دوغيت إن عمليات العبور غير القانوني في المنطقة شكلت أقل من نصف نقطة مئوية من إجمالي عمليات العبور غير القانوني على مستوى الولايات المتحدة خلال العام السابق، معتبرًا أن إنفاق مليارات الدولارات هناك غير ضروري.
كما أثارت الخطة معارضة من أطراف سياسية وبيئية ومحلية مختلفة، بما في ذلك جمهوريون من تكساس، في مشهد نادر نسبيًا من التعاون بين تيارات سياسية متباينة ضد مشروع الجدار في منطقة بيغ بند.