معركة الخرطوم.. نقطة التحول التي تعيد طرح أسئلة ومخاوف البدايات من جديد
25 مارس 2025عادت الحرب في السودان إلى النقطة التي انطلقت منها قبل عامين، وسط العاصمة الخرطوم. فمن هناك، اشتعلت شرارتها الأولى في نيسان/أبريل 2023، عندما اندلعت المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إثر خلافات متصاعدة حول إدارة المرحلة الانتقالية.
ومع استعادة الجيش سيطرته تدريجيًا على وسط الخرطوم، بما يضمه من معالم ورموز سيادية، مثل القصر الرئاسي والبنك المركزي ومقار الوزارات الكبرى، تتزايد المؤشرات على أنّ البلاد قد تكون أمام نقطة تحوّل مفصلية.
لكن كما هو الحال في لحظات التحوّل الكبرى، تظل هذه المرحلة محفوفة بالمخاطر، إذ تحمل السيطرة العسكرية المتزايدة على العاصمة السودانية تحدياتها الخاصة.
تعدّ اللحظة الحالية فارقةً أيضًا بالنسبة للأزمة الإنسانية في السودان، فقد نزح أكثر من 12 مليونًا من سكان البلد البالغ عددهم 50 مليون نسمة بسبب الحرب، وفي بعض المناطق كانت الأوضاع على شفا المجاعة. وتفيد تقارير أممية وحقوقية أنّ كلا طرفيْ الحرب ارتكب فظائع.
وقد سلّطت صحيفة "فايننشال تايمز" الضوء على جانبٍ من تلك المخاطر، حيث سيتّجه الجيش، بمجرد إحكام سيطرته على الخرطوم، إلى تشكيل حكومة انتقالية جديدة، وسعيه إلى كسب اعتراف دولي أوسع.
في المقابل، يبدو أن كفة الصراع في إقليم دارفور، غرب البلاد، تميل لصالح قوات الدعم السريع، مما يزيد من خطر التقسيم الفعلي للبلاد، لا سيما بعد توقيع ميثاق دستوري في كينيا من قبل قوات الدعم السريع وحلفائها من القوى المدنية والمسلحة، مما يمهد لتشكيل حكومة موازية.
وفي هذا السياق، أدلى وزير الخارجية السوداني، علي يوسف الشريف، بتصريحات أكد فيها أن السودان "سيقطع بشكلٍ تلقائي العلاقات مع أي دولة تعترف بالحكومة الموازية، لأنه لا يمكن أن يكون هناك اعتراف بحكومتين في بلد واحد". كما تبرز تهديدات نائب قائد الجيش السوداني لكينيا وجنوب السودان بعمل عسكري محتمل، ردًا على ما وصفه بمواقفهما المنحازة.
التحديات الاقتصادية وإعادة الإعمار
نقلت "فايننشال تايمز" عن مدير مركز أبحاث الشفافية والسياسات في السودان، سليمان بالدو، قوله: "إن القيمة الرمزية والزخم السياسي الذي يمكن أن يحققه الجيش من استعادة السيطرة على العاصمة كبيران"، لكنه أضاف أن "السودانيين لم يعد لديهم ما يعودون إليه سوى جدران منازلهم"، في إشارة إلى الدمار الهائل الذي لحق بالعاصمة، مما يشكل تحديًا اقتصاديًا كبيرًا أمام أي حكومة قادمة.
مع ذلك، لم تُحسم معركة الخرطوم بعد، فقد أودى هجوم مضاد شنته قوات الدعم السريع يوم الجمعة الماضي بحياة متحدث عسكري بارز وعدد من الجنود عند القصر الرئاسي، فيما تستمر المعارك في أجزاء من جنوب المدينة. وأكد قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، المعروف بـ"حميدتي"، في كلمة مسجلة، أن معركة الخرطوم لا تزال مستمرة، وأن الجيش لم يحقق نصرًا حاسمًا بعد.
تحالفات الجيش
كان الجيش وقوات الدعم السريع قد وحّدا قواهما سابقًا، قبل أن تتفجر الخلافات بينهما، للإطاحة بالحكومة الانتقالية التي تشكلت عقب ثورة شعبية أنهت ثلاثة عقود من حكم عمر البشير في 2019.
وخلال الأشهر الأولى من الحرب، مُني الجيش بسلسلة من الهزائم، واضطر إلى الانسحاب إلى بورتسودان، على ساحل البحر الأحمر. لكنه استعاد منذ أيلول/سبتمبر الماضي مساحات شاسعة من الأراضي، بما في ذلك معظم مناطق الخرطوم.
ويرى خبراء أن تحوّل زخم الصراع لصالح الجيش يعود إلى عدة عوامل، منها تحالفه مع كتائب إسلامية مرتبطة بالنظام السابق، بالإضافة إلى تلقيه إمدادات من الأسلحة الثقيلة، حيث حصل على مسيرات تركية وطائرات مقاتلة من الصين وروسيا. كما ساهمت في ذلك انشقاقات داخل قوات الدعم السريع، فضلًا عن تراجع معنوياتها نتيجة الصعوبات في "الحفاظ على خطوط الإمداد عبر تشاد وليبيا"، بحسب كاميرون هدسون، الخبير في شؤون القرن الأفريقي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن.
إقليم دارفور: الخاصرة الرخوة
أفادت تقارير بأن قوات الدعم السريع اقتحمت موقعًا استراتيجيًا في شمال دارفور، مما أدى إلى قطع خط الإمداد الرئيسي للقوات الداعمة للجيش في مدينة الفاشر المحاصرة. ويضيف هذا التطور تحديًا جديدًا أمام جهود إعادة توحيد السودان، حيث تعد الفاشر آخر مدينة كبرى خارج سيطرة قوات الدعم السريع في الإقليم.
ويرى السياسي المعارض، نور بابكر، أن "استعادة الجيش السيطرة على كامل الخرطوم لا تعني بالضرورة أن المستقبل بات مطمئنًا بالنسبة للسودان"، مشيرًا إلى مخاوف من أن الجيش، بعد إحكام سيطرته على العاصمة، قد لا يكون راغبًا أو قادرًا على مواصلة القتال في ولايات الغرب. ومع سيطرته على الخرطوم، قد يتضاءل حافزه للتفاوض، مما يزيد من خطر بقاء البلاد في حالة انقسام دائم.
إنّ التحدي الانساني المباشر الذي يواجه قيادة الجيش السوداني والحكومة، في هذه اللحظة، يكمن في البدء في إعادة النظام والخدمات إلى مدن جُرّدت من كل شيء، وضمان توفير الغذاء والماء والمؤن الأخرى مع بدء عودة السكان النازحين إلى المدن الكبرى.
مأساة المدنيين النازحين والعودة إلى مدن مدمّرة
تعدّ اللحظة الحالية فارقةً في الأزمة الإنسانية بالسودان، إذ نزح أكثر من 12 مليون شخص من إجمالي 50 مليونًا بسبب الحرب، فيما باتت بعض المناطق على شفا المجاعة. وتفيد تقارير أممية وحقوقية بأن طرفي الصراع ارتكبا فظائع ترقى إلى مستوى جرائم حرب.
في الأشهر الأخيرة، وُجهت اتهامات إلى القوات المسلحة السودانية وحلفائها من المجموعات المسلحة بارتكاب عمليات قتل على أساس عرقي في المناطق التي استعادوا السيطرة عليها. في المقابل، سبق أن أدينت قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها بارتكاب جرائم حرب، شملت القتل خارج إطار القانون، والاغتصاب، واستهداف مخيمات النازحين، لا سيما مخيم زمزم في دارفور.
وفي هذا السياق، يشير كاميرون هدسون إلى أن قوات الدعم السريع وحلفاءها "اعتادوا الانتقام من السكان أثناء انسحابهم".
تحديات الإعمار والمصير السياسي
يتمثل التحدي الإنساني المباشر أمام قيادة الجيش السوداني والحكومة في إعادة النظام والخدمات إلى مدن جُرّدت من كل شيء، وضمان توفير الغذاء والمياه والمؤن مع بدء عودة النازحين إلى المناطق الحضرية. كما يشكل الحصول على دعم دولي لجهود إعادة الإعمار تحديًا إضافيًا.
وسيواجه قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، وفقًا لـفايننشال تايمز، اختبارًا حاسمًا في الحفاظ على تماسك القوى المتباينة التي تقف تحت لوائه، لا سيما في ظل المطالب الدولية برفض عودة الإسلاميين إلى السلطة، رغم دورهم في الانتصارات الأخيرة التي حققها الجيش.
ويبقى السؤال: ما مصير هذا التحالف؟ وهل يستطيع السودان مغادرة مربع العنف والحرب إلى مربع جديد من السلم والحكم المدني الديمقراطي؟