معرض هلا عز الدين.. محو المسافة بين اللوحة والمتفرج

معرض هلا عز الدين.. محو المسافة بين اللوحة والمتفرج

من المعرض

إن الانطباع الأول الذي يتشكل عند الناظر إلى لوحات هلا عز الدين (1989)، يتمثل في أن اللوحة التي أنجزتها الفنانة اللبنانية، تصدم المتفرج، وتحمل في متنها ما يدفع على النفور منها أول الأمر. وهذا الانطباع، لأول وهلة، صحيح، ولكن ليس إلى ذلك الحد الذي يكون عنده انطباعًا شاملًا أو ثابتًا، يُحدد طريقتنا في النظر إلى اللوحة والتفاعل معها، إذ إن إعادة النظر وقراءة تفاصيلها قراءة متأنية ومتمهلة وصبورة، تضعنا أمام انطباعاتٍ أخرى مختلفة، تُجمع على أن اللوحة تصدم المتفرج، ولكنها تلغي في الوقت نفسه ذلك الإحساس بالنفور، وتستبدله بشيء من الحيرة القائمة على سؤال: متى شاهدت هذا؟ وأين؟

لوحة هلا عز الدين عابرة للزمن، وإن مضى عليها وتحولت إلى جزءٍ من الماضي، إلا إنها ستظل ستلاحق الحاضر وتتفاعل معه بصورة مستمرة

يرتبط السؤال أعلاه بفكرتين متصلتين ببعضهما البعض على نحوٍ وثيق؛ تُحيل الفكرة الأولى إلى اللحظة الراهنة والسياق الزمني والمناخ الذي يتفاعل المتفرج في ظله مع اللوحة، فيما تُحيل الثانية إلى المسافة بين اللوحة والمتفرج، وهي مسافة غائبة في المعرض الثاني لهلا عز الدين "بحثًا عن الضوء"، الذي يستضيفه "غاليري أجيال" حتى يوم غد، 9 كانون الثاني/ يناير الحالي.

اقرأ/ي أيضًا: رسام برياش متكسّرة

يعود سبب غياب المسافة بين لوحة عز الدين والمتفرج، إلى تطابق اللوحة مع شيءٍ ما في ذاكرته: مشهد أو صورة ترسخت داخلها دون وعيه. ويمكن القول إن هذا الغياب للمسافة بين الطرفين، يستفز الذاكرة، ويُدخلها ضمن عملية التفاعل مع اللوحة، مما يمنح الأخيرة بُعدًا مختلفًا، تصير عنده وبفعله محملة بمعاني لا نهائية، تتغير قليلًا أو كثيرًا باستمرار، وتترك في كل مرة أثرًا جديدًا ومختلفًا.

ولعل الأثر الأهم هنا، هو إقصاء حالة النفور من جميع الانطباعات التي يُمكن أن تتشكل عند المتفرج، إذ إن إعادة قراءة تفاصيل اللوحة قراءة متأنية، تبين الغرض من العنصر/ الجزء المسؤول عن تصدير هذا الشعور، وهو السخاء في استخدام الألوان، ومراكمتها في اللوحة بطريقة يتقاسمها العنف والفوضوية والضراوة، بالإضافة إلى اللطخات اللونية بما هي ترجمة لانفعالاتٍ عنيفة وحادة، ونتيجة هواجس وعرة.

تتضافر هذه العوامل، اللحظة الراهنة والمناخ العام، بالإضافة إلى غياب المسافة بين اللوحة والمتفرج، واستفزاز ذاكرة الأخير وإشراكها في عملية القراءة والتأويل؛ لتجعل من هذه الضراوة في استخدام الألوان ضمن اللوحة، مدخلًا رئيسيًا لقراءتها، باعتبارها فضاءً موازيًا لفضائها الأساسي الذي نشاهد فيه، غالبًا، وجوهًا وملامح غير مكتملة.

ويمكن النظر إلى هذه الضراوة والفوضوية في توزيع الألوان، انطلاقًا من العوامل السابقة، على أنها – بما هي أدوات تمويهية تجعل حضور شخصيات الفنانة اللبنانية مشروطة بالغياب وعدم الوضوح – تعبير أو إشارة إلى القلق أو الخوف الذي يتسع داخل اللوحة على حساب حضور الشخصيات.

وإذا ما اتفقنا على مسألة وجود فضاء ثالث خلف ما يظهر جليًا في اللوحة، وبأن كل لوحة تقول فكرة معينة، وتؤول حالة نفسية محددة، وأخذنا بعين الاعتبار أيضًا أن أساس مشروع هلا عز الدين هو التشخيص، وأضفنا لما سبق ذكره عامل قراءة اللوحة تحت تأثير اللحظة الراهنة، والتي هي للمصادفة لحظة موغلة في الحزن والفوضى والتمزق؛ يمكن النظر إلى هذه الغزارة اللونية وطريقة توزيعها، بما تحمله من تناقضات، على أنها معادل للتأزمات النفسية لشخصيات اللوحة.

اقرأ/ي أيضًا: شيرين نشأت وأزمة الجسد الإيراني

إنها، بمعنىً آخر، تجسيد لتلاشي الهدوء والسكينة لصالح الخوف، وإشارة إلى العجز الذي أصاب شخصيات اللوحة. وهي بذلك، في الوقت نفسه، وفي ظل غياب ملامح واضحة لهذه الشخصيات، أو الوجوه، محاولة لاكتشاف وإظهار بعدها النفسي، ودعوة إلى قراءة اللوحة انطلاقًا مما يحدث داخل وخلف هذه الشخصيات. لهذا السبب، تستفز لوحات هلا عز الدين الذاكرة، بما هي مستودع حكايات وصور ومشاهد وانطباعات تبدو جزءًا أساسيًا من عملية قراءة اللوحة، لكونها العوامل المسؤولة، ذهنيًا، عن رسم أو تخيّل الجزء المفقود عمدًا من اللوحة، وذلك انطلاقًا مما تبثه من قلق وخوف يُحيل، بالضرورة، إلى الحروب والأزمات والكوارث الراهنة.

تتطابق لوحة هلا عز الدين مع ما تختزنه ذاكرة المتفرج من مشاهد وصور وأحداث ترسخت فيها دون وعيٍ منه

لا تأتي هلا عز الدين إذًا بأي تفاصيل متخيلة لإنجاز لوحاتها، وإنما تعتمد على محيطها بشكلٍ أساسي. ولا ترسم انطلاقًا من الخيال، وإنما من الواقع، على أن خصوصيتها تكمن أساسًا في كيفية التعامل مع هذا الواقع، فهي لا تفرض على المتفرج فكرة نهائية، يعاينها ويمضي، وإنما تحاول أن تشاركه تكوين فكرة اللوحة، أو إكمال الجزء الناقص عمدًا منها، بالاعتماد على ذاكرته وما تحتزنه من مشاهد وصور تتطابق مع اللوحة من جهة، بالإضافة إلى اللحظة الراهنة التي تفرض بالضرورة مناخًا مختلفًا يهيمن على عملية قراءة اللوحت وإنتاج المعاني من جهةٍ أخرى.

وليس من المبالغة القول إن لوحة هلا عز الدين عابرة للزمن، وإن مضى عليها وتحولت إلى جزءٍ من الماضي، إلا إنها ستظل ستلاحق الحاضر وتتفاعل معه بصورة مستمرة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رسام لم نرَ له لوحة واحدة.. خفايا وحقائق عن الشاعر الفنان الروسي ماياكوفسكي

بيكاسو مظلّلًا بنسائه