معرض هرجيسا للكتاب: غياب الكتاب العربي

معرض هرجيسا للكتاب: غياب الكتاب العربي

من فعاليات المعرض (عبد الله عمر)

يختتم "معرض هرجيسا الدولي للكتاب" (2016) اليومَ أعمالَ دورته التاسعة، بعد أن استمرت فعالياته ستة أيام متواصلة. شهد المعرض -الذي حمل شعار "القيادة" في هذه الدورة- فعاليات ثقافية وندوات سياسية، واستضاف المعرض هذا العام نحو أكثر من ثلاثين شخصية، معظمهم من دول أفريقيا وتحديدًا غانا، الدولة الضيفة على هذه الدورة، وأيضًا من بريطانيا وكندا وأمريكا وألمانيا والسويد. 

بات من الضروري للمكتبة الصومالية ولوج عالم الترجمة

وقد تناولت الندوات الأحداث السياسية في صوماللاند (جمهورية أرض الصومال)، وحالة النظام القضائي، وكذلك الأحزاب السياسية ووضع المرأة فيها، وناقشت إحدى ندواته آفاق البحث عن الاعتراف الدولي بالجمهورية، وعن استراتيجية سياسية خارجية صوماللاند حول هذا الأمر، من خلال مشاركة الدكتور سعد علي شري، وزير خارجية صوماللاند، والأكاديمي ذي الأصول الهندية، إقبال جهازبهي سفير جنوب أفريقيا لدى إريتريا، وندوة ثانية تحدّثت عن أوضاع الصحافة في صوماللاند، وثالثة عن الوضع القضائي في صوماللاند بمشاركة من رئيس المحكمة العليا، الدكتور آدم جاج علي أحمد، ورابعة عن الحالة الديمقراطية والقيادة السياسية، وخامسة عن القيادة والمرأة.

اقرأ/ي أيضًا: الجزائر... مكتبة للمفكّرين الأحرار

كل سنة يقدم المعرض عشرات العناوين في مجالات محدودة، وقد لوحظ هذا العام طفرة في كمية العناوين الجديدة المعروضة من قبل الشباب والشابات، أغلبها روايات أدبية وسير ذاتية عن سياسيين وشخصيات شعرية وتاريخية صومالية، كما احتفظ الشعر بمكانته الفضفاضة في فعاليات المعرض وإصدار الكتب، فقد خصصت معظم ندوات ومحاضرات المعرض عن تقديم أدباء وشعراء في الثقافة الصومالية، وبمشاركة العديد من الشعراء والأدباء الصوماليين، المقيمين بالداخل والخارج.


غلاف للمؤلف جوني شتاينبرغ / تصوير:عبد الله عمر

وتشهد الحالة الثقافية الصومالية بشكل عام، حالة تمجيد للشعر والشعراء، وينتج العديد من الشباب دواوين شعرية لهم، وأخرى لأشعار أجدادهم يقومون بتجميعها وإصدارها بشكل كتاب أو ديوان شعري، مما ولّد لدى المراقب، شعور بأن هرجيسا، التي قيل عنها في السبعينيات، عاصمة الفنّ الصومالي، تبدو من جديد أنها تنفض الغبار عن نفسها، لاستعادة مجد واهم، هذا المجد الواهم ما يثبت مأساويته ليس محاولة الأبناء تقليد الآباء في المسير بذلك الاتجاه، لأن أجدادهم قد ساروا فيه فحسب، بل كذلك لأننا بتنا اليوم نعيش عصر العولمة والعلوم والفلسفة والتكنولوجيا، وبات من الضروري للمكتبة الصومالية ولوج عالم الترجمة والنقل من اللغات الأجنبية الغنية من تراثها الفكري والفلسفي والأدبي، بدلًا من الانكفاء على الذات والاصرار على تكرار نسخ من أجيال سابقة، تعيش على وهم الذات، من خلال الاعتقاد بأن الشخص الصومالي يتفوق على غيره من بشر العالم، مع أن إضافته للإنسانية في مستوى الاختراعات والاكتشافات تساوي صفرًا.

أصبح اليوم من الملحّ جدًا أن يتواضع الشعر الصومالي، ويفسح المجال للعلوم الإنسانية والفلسفة والمناهج التاريخية، وأن يكفّ الإنسان الصومالي كذلك، عن الفخر بعظمة أجداده الذين لم يعد لديهم ما يقولونه عن حاضره وواقع العالم.

إشكالية تضخّم دور الشعر الصومالي -المرتبطة بتضخم الذات الفخرية عند الصومالي- تتجلى، عندما ترى المناقشات في مواقع التواصل الاجتماعي وتبادل الحوارات بالشعر في تناول قضايا فكرية، مثل العلمانية والديمقراطية والتحديث الاجتماعي والإصلاح الديني... إلخ، هذا الولع بالشعر (النظم) واستخدامه في خارج العوالم التي عرفها تاريخيّا، يحدث خللًا في سير تلك النقاشات. فبدلًا من التحاجج بأسلوب عقلاني يأتي النقاش وفاء لزمن غابر يستخدم فيه مفردات تنتمي للبادية الصومالية. هذا الأثر السيئ لا يتوقف عند الصوماليين الذين لا يحبذون ذلك فحسب، بل كذلك يكون عقبة كبيرة عند التفكير بترجمة الإنتاج الثقافي الصومالي إلى لغة أخرى.

بعض الصوماليين يقعون في فخ الاختزالية والتنميط بحصر الثقافة العربية على الإسلام السياسي

ضمّت فعاليات معرض هذا العام، تظاهرات ثقافية صومالية وأفريقية موزعة بين الأمسيات الشعرية والمحاضرات، وتوزّعت فعاليات التظاهرة بين العروض الموسيقية التقليدية والغنائية، التي قدّمها عددٌ من الفنّانين والفرق، إضافةً إلى معارض تشكيلية وندوات سياسية وأمسيات أدبية يشارك فيها فنّانون وكتّاب يمثلون العديد من الدول الأجنبية. وعلى هامش العروض الموسيقية التقليدية الصومالية، أقيم عشاء شرف حول البحث باعتراف صوماللاند، وأقام الحفل وزير الإعلام في صوماللاند، ضمن مشاركة عدة سفراء أجانب.

اقرأ/ي أيضًا: مستودع الأنيس الرقمي.. مركز بحجم عاصمة

فيما يخص الكتب، كان أبرز العناوين الجديدة هذا العام، كتاب عن الشاعر الصومالي موسى جلال، كتبه محمود حاج إبراهيم محمود. وآخر عن السياسي الصومالي الشهير الراحل وثاني رئيس منتخب لصوماللاند محمد حاج إبراهيم عجال، كتبه حسن عبدي مطر، وكتاب عن فترة حكم سياد بري، للباحث في سلك الدكتوراه في جامعة أكسفورد الباحث محمد إنجليز. كما كان جديدًا أيضًا (ويا للغرابة) طرح أول ترجمة صومالية لروايات الكاتب الصومالي نور الدين فارح الذي يكتب بالإنجليزية، وذلك بترجمة رواية "الضلع الأعوج" التي قام بها الصحفي الصومالي عبد السلام هريري. وترجمة كتاب مقاصد الشريعة للدكتور جاسر عودة، نقلتُها إلى اللغة الصومالية. وكتاب عن التاريخ السياسي لجمهورية صوماللاند، كتبه محمد دعاله سليمان.


جانب من المشاركين "كتاب وزوار"/ تصوير:عبد الله عمر

لعل مفاجأة "معرض هرجيسا الدولي للكتاب" كل عام، تتمثل في غياب الكتاب العربي، فعلاوة على كون اللغة العربية اللغة الثانية في البلد بعد الصومالية حسبما ينص الدستور، وقرب الثقافتين لبعضهما بسبب الرابط الديني، والجوار الجغرافي، إلا أن العلاقة بين الثقافتين سيئة بشكل لافت. وتعتبر المؤسسة "ريد-سي" القائمة بأعمال المعرض، من الأصوات النقدية المعروفة في صوماللاند للثقافة العربية، التي لم تتوان عن نقد ما سمته باختطاف المجتمع من طرف الوهابية والإسلام السياسي العربي، وهي لا ريب حقائق مشاهدة، لكن أصحابها يقعون في فخ الاختزالية والتنميط بحصر الثقافة العربية على الإسلام السياسي والإسلامي الجمودي، اللذين غزيا المجتمع الصومالي في العقود الأخيرة. وهي ذاتها المشكلة التي تسيطر على عقول كثير من العرب بالتفكير بأن الصوماليين أناس جائعون يحتاجون لمعونات غذائية، وليس لتواصل ثقافي وحضاري كما ينبغي.

في السياق نفسه، لا تطرح سرديات "الهامش" أو "الابن المنسي" نجاعتها في خلق التواصل الثقافي العربي ببلدان الهامش الثقافي العربي: التي من ضمنها صوماللاند، فهناك اليوم فرص تنافسية جديدة لمزاحمة المراكز البحثية؛ بل إنها تأتي أساسًا من جدوى البحث في إبداع عربي شامل، بوصفه تمثيلًا متعدّد الأوجه والمكان للثقافة العربية ذاتها، حيثما كانت، تجسيرًا لهوة النسبة والتناسب، وتحقيقًا لفرص انتشار ما كان غائبًا أو مغيبًا، وجلبه إلى المركز. فلذا، لم تعد سرديات الهامش مجدية، بل بات متاحًا الذهاب إلى المركز برجلين حافيين.

أخيرًا، واقع صوماللاند الثقافي يقول اليوم، إنه لم يعد يرى نفسه طرفًا لأحد، بل هو المركز الذي يدور على نفسه وأمجاده الغابرة، وإن اعترف البعض فيه بأنهم طرف، فها هم قد ولّوا وجوههم لصوب العمق الأفريقي، وهو أيضًا ليس بهذا السوء الذي يمكن أن يقال عنه.

اقرأ/ي أيضًا:

ليالي "القصة والفن"... البهجة الجوّالة بين القرى

"بوابة" و"رمان".. منابر أخرى لفلسطين الشتات