معرض

معرض "لا مكترث".. فوتوغرافيا تتقلّب مع المزاج

إرفينغ بن (lomography)

لا نعرف إيرفينغ بن (1917 - 2009)؛ الكثير منّا لم يسبق وأن سمِعَ بهذا المصوّر الأمريكيّ الذي يستضيف "مركز مينا للفنون" في بيروت معرِضًا فوتوغرافيًا لهُ، تحت عنوانٍ يبدو مكتنزًا بالأفكار والإشارات: "لا مكترث". ولكنّنا، رغم ذلك، وبمجرّد أن نخطو أولى خطواتنا في المعرض، ونُلقي نظرة سريعة على الصور المُعلّقة على الجدران، نُدرك أنّنا نقف إزاء صورٍ التُقِطت بعدسة مصوّرٍ مزاجي بحت، يشتغل وفقًا لمزاجٍ مُتقلّب، ينعكس بدورِه على ما تلتقطه عدسته بالضرورة، أو كيف تفعل ذلك في الأساس.

"لا مكترث" هو المعرض الأوّل الذي خُصِّص لاستعادة إيرفينغ بن، والوقوف على تجربة هذا المصوّر الأمريكيّ المتجوّل

صورة وراء أخرى، وموضوعًا تلو آخر، يتبدّى أنّ لا خطّ مُحدّدًا أو عنصرًا يستند إليه إيرفينغ بن في التقاط صوره. التنوّع في المواضيع، كما في عناصر أخرى متعدّدة، فتح الباب لتأويلاتٍ عدّة تُلاحق مِنَ المتفرّجين من يريد أن يقرأ ما هو معروض بنوعٍ من التأنّي الذي يضمن لهم قراءة أكثر قربًا من الواقع. وإلى جوار ما سبق، هناك حيرة تبدأ تطفو على السطح حين يُدرك الناظر أنّه لا ينبغي أن تُقرأ كلّ الصور في المعرض انطلاقًا من مزاج من التقطها، وإن كان ذلك يعدّ مفتاحًا رئيسيًا للتعاطي أو التعامل مع المعرض الذي ينتهي في 29 نيسان/أبريل المقبل.

اقرأ/ي أيضًا: الفوتوغرافي نذير حلواني.. حين يكون هو المدينة

عربيًا، "لا مكترث" هو المعرض الأوّل الذي خُصِّص لاستعادة إيرفينغ بن، والوقوف على تجربة هذا المصوّر الأمريكيّ المتجوّل، ومعاينتها عن قرب. هكذا، يُمكن القول إنّ الأعمال المُختارة للمعرض، بحدّ ذاتها، جرى اختيارها بحيث يُلاحظ الناظر من خلالها تطوّر أساليب وتقنيات إيرفينغ بن في التصوير. أضف إلى ذلك أنّ هذه الأعمال أيضًا، تُحدِّد أو تختزل أبرز المواضيع التي تناولها المصوّر طوال سنوات حياته. نتحدّث عن صورٍ التُقطت لجُملة من المشاهير؛ سينمائيين وممثّلين ومُغنّين؛ بابلو بيكاسو على سبيل المثال، والإيطالية الحائزة على جائزة الأوسكار صوفيا لورين، الناقدة الأمريكية سوزان سونتاغ، والتشكيلي الإسبانيّ سلفادور دالي، والتشكيليّ السويسري ألبرتو جياكوميتي، والنحّات البريطانيّ هنري مور، والمغنّية الفرنسية إديث بياف، والمخرج الفرنسيّ جان كوكتو، والكاتب المسرحي الأمريكيّ تينيسي وليامز، وآخرون. مجموعة صور التُقطت بعدسة إيرفينغ بن، ويُعرض بعضها في معرض "لا مكترث" الذي يُعتبر نسخة محدّثة من معرض "ريزونونس" الذي نظّمته مؤسّسة "بينو"، وأقيم سنة 2014 في قصر "غراتسي" في مدينة البندقية الإيطالية.

تُجاور صور المشاهير والفنّانين، أبناء الطبقات الأكثر رقيًّا بطبيعة الحال، وفي جلّ معارض إيرفينغ بن، صورًا أخرى تأتي من الحياة الخلفية لأشهر مدن العالم، كباريس ولندن وغيرهن. هناك صور تلتقط شقاء جمعٍ من البشر، وأخرى تلتقط واقع حياة بشرٍ آخرون، دون استسهالٍ في إظهار قسوة الحياة، أو التركيز على هذا الجانب فقط. فبن، كمصوّر بالدرجة الأولى، يُدرك أنّ هناك تفاصيل أخرى تستحق التركيز أكثر من غيرها.

بائعو حليب وبصل وخضروات، وأصحاب مهنٍ أخرى؛ خبّازون وجزّارون وعاملو تلغراف وسائقون، هم من يظهرون في صور إيرفينغ بن التي تأتي من واقع يوميّ يختلف عن واقع من ظهروا في الصور الأولى. يظهر بائع الخضار حاملًا صندوقًا خشبيًا على كتفه، دون قميص يستر جزء جسده العلوي، يرتدي بنطالًا ممزقًا. بائع الحليب يظهر في الصورة أكثر لباقةً من السابق، بملابس أكثر لباقةً، تمامًا كما يظهر بائع البصل أيضًا. تفاوت يدلّ على التفاوت في المستوى المعيشيّ، وما هو مشترك بين هذه الصور، وصور أخرى، هو الابتسامة التي لا تفارق ملامح من يظهرون في الصور.

يستمرّ إيرفينغ بن في الاشتغال على تعدّد المكان الذي يُحيل إلى تعدّد واختلاف واقع الحياة بين مجتمعٍ وآخر. هناك فنّانون، وعمّال، وأصحاب مهن متعدّدة. وهناك أيضًا صور لبشرٍ تأتي من مجتمعاتٍ بعيدة، لجهة أمورٍ عدّة، عن المجتمعات السابقة. بن التقط صور عدّة لرجال من قبائل مختلفة في غينيا الجديدة، والكاميرون. كذلك فعل لنساء من هذه القبائل أيضًا. ومن هاتين الدولتين ننتقل إلى الهند، المغرب، سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة، وإسبانيا، ودول أخرى يركّز إيرفينغ بن فيها على التقاط صور يمكن القول إنّها تحكي للمتفرّج أكثر مما تظهر له.

وضعت كاميرا المصور الفوتوغرافي إيرفينغ بن مشاهيرَ العالم إلى جوار العاديين

هكذا تتعدّد المواضيع التي يتناولها إيرفينغ بن في صوره، فتبدو كلّ صورة وكأنّها تذهب في اتّجاهٍ ما، ليصير المكان الذي عُرضت فيه عبارة عن مجموعة شوارع مليئة بيافطات تدلّ على اتّجاه وتنفي آخر.

اقرأ/ي أيضًا: المصوّر آرا غولر.. عين إسطنبول التي أغمضت إلى الأبد

نحن إزاء صور فوضوية لا يُمكن فصل المزاج عنها، لا سيما حين نقف إزاء صورٍ لا تدّعي اللباقة التي رأيناها في صورٍ أخرى، فتبدو للبعض مستفزّة، ويصير التناقض الكامن فيها تناقضًا فجًّا أيضًا. هكذا يُمكن قراءة صورة يظهر فيها صحن وضعت فوقه ملعقة وشوكة بشكلٍ أنيق، غير أن الصحن متّسخ، وأوساخه انتقلت إلى المساحة البيضاء من حوله أيضًا، لتتداخل اللباقة ونقيضها هنا في صورةٍ واحدة. كذلك صورة أخرى تظهر فيها سمكة ثمّة في أعلاها جمجمتان بشريتان، تعتليهما أفعى، على يسارها ما يبدو أنّه دفتر ملاحظات صغير إلى جواره قطع نرد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تصوير القدس في الحرب.. صورٌ من سنة 1948

إسماعيل مالكي.. أن تترصّد للموت بصورة