معرض "سأحفر كل ما تحكي لي الشمس".. أرشيف من الحكايات المهددة
21 ابريل 2025
يتواصل في مؤسسة عبد المحسن القطان بمدينة رام الله، في الضفة الغربية المحتلة، حتى الرابع من تشرين الأول/أكتوبر المقبل، معرض "سأحفر كل ما تحكي لي الشمس"، الذي افتُتح في الخامس من نيسان/أبريل الجاري، بمشاركة 20 فنانة وفنانًا فلسطينيًا.
يضم المعرض 18 إنتاجًا وعملًا فنيًا يسائل العلاقة المتشابكة بين التاريخ والزمن في ظل الاحتلال، كما يستعرض التجارب المجزّأة للفلسطينيين داخل فلسطين المحتلة والشتات، في سياق دورة متكررة من القمع والاستعمار.
انطلقت فكرة المعرض من مبادرة بحث ودعوة عامة أطلقها المدير السابق للبرنامج العام في مؤسسة عبد المحسن القطان، يزيد عناني، تحت عنوان "السؤال المجتمعي"، التي كانت بمثابة دعوة للفنانين للبحث في أراشيف المجتمع المدني للتفكير في مسارات التحرر في فلسطين، وفقًا لما ذكرته قيّمة المعرض، ريم شديد، في كلمتها الترحيبية خلال الافتتاح.
أضافت شديد: "شكّل هذا الاقتراح مرتكزًا مهمًا للبدء بالتفكير بأسئلة جوهرية شكّلت لاحقًا محاور مهمة في المعرض وبرنامجه العام. واحد من الأسئلة التي شغلتنا كان: كيف نقرأ الأرشيف في فلسطين بشكل صريح وواضح؟".
وتابعت: "بعيدًا عن النظرة المجردة واستحضاره كاستعادة تاريخيّة، حيث نرى في هذا الوقت العصيب تكرارًا لمشاهد من الأرشيف تحدث بطرق أخرى أكثر عنفًا واشتدادًا لهمجية الاحتلال ووحشيته". وأردفت: "كما يأتي، أيضًا، سؤال: ماذا تعني لنا فلسطين حرة؟ باختلاف تجاربنا كفلسطينيين نعيش داخل فلسطين بمختلف جغرافياتها وفي الشتات".
منذر جوابرة: أن يستطيع الإنسان إنتاج عمل فني في هذا الوقت أمر مهم وضروري لكونه تجسيدًا لاستمرارية الوجود الفلسطيني
بدورها، قالت المديرة العامة لمؤسسة عبد المحسن القطان، فداء توما، إنه منذ نكبة 1948 وحتى الإبادة الجماعية الجارية في قطاع غزة: "ظلّت الثقافة في فلسطين فعلًا مقاوِمًا، لا ترفًا". وأضافت: "في لحظة يُراد لنا فيها أن نصمت ونُمحى، يعيدنا هذا المعرض إلى سؤال جوهري: أي مجتمع نريد أن نكون؟ وأي مستقبل نصنع لأنفسنا، بالذاكرة والفعل الجماعي؟".
تقوم أعمال الفنانين والفنانات المشاركين في المعرض على التنقيب في أرشيفات منظمات المجتمع المدني الفلسطيني الذي اتخذوا منه وسيلة لقراءة الواقع ومساءلة التاريخ، وذلك وفقًا للقائمين على المعرض.
ويشمل ما اطلعوا عليه توثيق تجارب الاعتقال، والطفولة في زمن الحرب، وحفظ الذاكرة المعمارية، وأداء المسرح المقاوم، وغير ذلك. وبناء على ذلك، يتعاملون مع الجسد بوصفه أرشيفًا حيًا، حيث ينطلقون من تجارب وحكايات شخصية نحو قضايا عامة تشمل الهوية والعدالة.
ويطرح كذلك المعرض سؤالًا جوهريًا في سياق حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وهو: كيف نبني مستقبلًا يرفض المساومة على نهاية الاحتلال؟ وكيف يمكن للقراءة أن تصبح فعلًا يمكن عبره استعادة الزمن والسيطرة عليه؟
كما يسعى المعرض إلى الإجابة على العديد من الأسئلة الأخرى حول العمارة، والفضاء بوصفه أرشيفًا حيًا، بالإضافة إلى معنى الإنتاج الفني في هذه اللحظة الحالكة من تاريخ القضية الفلسطينية، حيث تتواصل حرب الإبادة في غزة ومحاولات تهجير سكانها.
ومن بين المشاركين في المعرض الفنان منذر جوابرة، الذي قال في حديث لـ"الترا صوت": "إقامة معرض (سأحفر كل ما تحكي لي الشمس)، في هذا الوقت بالتحديد، أمر بالغ الأهمية. إنه دليل على استمرارية الإنتاج والفني الفلسطيني رغم حرب الإبادة المستمرة التي لم تبدأ في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وعلى الرغم مما حملته من مشاعر مؤلمة في سياق متابعة أخبار القتل اليومي".
وأضاف جوابرة: "أن يستطيع الإنسان إنتاج عمل فني في هذا الوقت أمر مهم وضروري لكونه تجسيدًا لاستمرارية الوجود الفلسطيني، وكذلك علاقة السكان الأصليين بالمستعمرين الذين يحاولون طمس هويتها حتى على المستوى الثقافي. ومع ذلك، لا نزال نُنتج فنًا ونعبّر عن أصواتنا".
وأردف موضحًا: "ينطلق العمل الذي قدمته من فكرة معاكسة للتصور التقليدي للأرشيف، إذ إنه لا يعرض موادًا أرشيفية بالمعنى الجامد، بل يُبنى الأرشيف هنا في الزمن الراهن، من الحاضر ومتغيراته السياسية". وأكمل: "تشكل المواد البصرية التي استخدمتها جزءًا من عملية التوثيق التي يشارك فيها الناس أيضًا من خلال التداول على مواقع التواصل، حيث يتعرض المحتوى الفلسطيني لهجوم مستمر، إذ صارت صور الملثمين أو رموز المقاومة تُزال من المنصات وتُحظر، وحتى داخل فلسطين، ما جعل من هذه الصور أدوات مقاومة مهددة".
وواصل جوابرة حديثه قائلًا: "حتى على المستوى الفلسطيني، لو أمسكوا بي وأنا أحمل عملًا فنيًا كهذا على الحاجز، فبالتأكيد سيتسبب لي بمشاكل. ينقسم العمل الذي قدّمته إلى قسمين: الأول لصبية وشاب ملثمين يجلسان تحت شجرة برتقال. تم تمزيق اللوحة إلى قطع، ووُضعت سحّابات للتعبير عن فكرة أنها تفكك لتعبر من الحاجز، ثم يُعاد تجميعها في المعرض. وفي ذلك تعبير عن هشاشة العمل الفني ومرونته في مواجهة القمع".
رهاف البطنيجي: الفن هو دائمًا ما يمنح صوتًا للقصص التي لم تُروَ، وتلك التي لم يُسمح لها أن تُقال
أما العمل الثاني، فيقول جوابرة إنه: "مرتبطٌ بفكرة المعنى المتحرك والثابت داخل مساحة ثابتة، من خلال صورة الملثم، أو عمل بورتريه لأمرأة ملثمة، داخل الصندوق، تدور حولها طوال الوقت أشياء وغبار ومواد مختلفة، في إشارة إلى فكرة الثبات والحركة بالرغم من كل المتغيرات اللي تحيط بمشروع المقاومة لأنه يعد ثابتًا".
وتقول الفنانة رهاف البطنيجي، في حديثها لـ"الترا صوت": "أؤمن أن كل المعارض والفعاليات التي تتناول الحديث عن فلسطين، وخصوصًا عن غزة، هي شيء شديد الأهمية، رغم أننا فقدنا في هذه اللحظة كل شيء".
وأضافت: "خرجت من بيتي قسرًا، وأهلي أُجبروا على مغادرته أيضًا. غادرت غزة ولا يزال معظم أفراد عائلتي عالقين هناك. أستطيع القول إنه لا فائدة من أي شيء في هذا العالم. لا فائدة من أن نصرخ، أو نفعل أي شيء آخر. لكنني أؤمن أن الفن هو دائمًا ما يمنح صوتًا للقصص التي لم تُروَ، وتلك التي لم يُسمح لها أن تُقال، سواء قبل الإبادة أو بعدها".
وأكدت الفنانة أن اللحظة التي يُتاح لهم فيها عرض حكايتهم هي لحظة ثمينة وحساسة جدًا. وتابعت قائلةً إن: "كل الأعمال الفنية، وكل المصادر التي كنا نعتمد عليها، انتهت ودُفنت. أنا مصوّرة منذ أكثر من 17 عامًا، وأرى طوال الوقت الصور تتحوّل إلى أرشيف، بين ليلة وضحاها. كيف نحول هذا الأرشيف إلى تاريخ؟ كيف نوثّق كل ما شهدنا عليه؟ هذه هي المسألة التي يجب أن تشغلنا ونفكّر فيها الآن".
وأردفت: "الوجع الأكبر بالنسبة لي أنني أعرض صور أشخاص فقط، لأنني كنت سابقًا أصوّر مساحات عامة. لا أعرف ما إذا كان مَن ظهروا في الصور لا يزالون أحياء أم لا، وخاصةً الصيادين الذين يظهرون في الأعمال المعروضة". وأضافت: "السردية الفلسطيني تتعرض لمحاولات محو، وحملات متلاحقة من العنف والتشويه والشيطنة".
وأكدت أنه: "من المرعب أن نتوقف عن الحديث عن أنفسنا، وعن أهلنا، وبلادنا، بينما يبدأ الآخرون بسرد روايتهم هم. هذا وقت حرج جدًا، خاصةً لناحية محاولات طمس سرديتنا.ولذلك، علينا أن نتمسك بحقنا في تمريرها، تمرير السردية التي تنبع من أهل البلد، لا تلك التي يريد الآخرون فرضها علينا".