معرض تغريد درغوث: الزيتونة رواية.. الزيتونة راوية

معرض تغريد درغوث: الزيتونة رواية.. الزيتونة راوية

تغريد درغوث في مرسمها

هناك وسائل أخرى وجديدة لسرد الحكاية/ المأساة دائمًا، وبصورةٍ تبدو أشد إيلامًا من سابقاتِها أيضًا. هذا ما تقولهُ لنا لوحات الفنّانة اللبنانية تغريد درغوث في معرضها الفردي "مُماثلة لحياة الإنسان" الذي يستضيفه "غاليري صالح بركات"في العاصمة اللبنانية بيروت حتّى مساء الغد، السبت الـ 27 من تشرين الأوّل/ أكتوبر الجاري.

استندت تغريد درغوث في معرضها إلى شجرة الزيتون لسرد المأساة الفلسطينية

يسرد المعرض المأساة الفلسطينية وصمود الشعب الفلسطينيّ في بلاده بطريقةٍ تتجاوز كلّ ما استُهلِك لسرد هذه المأساة/ الحكاية قبلًا. فتغريد درغوث استندت في معرضها هذا إلى شجرة الزيتون لسرد المأساة وإعادة طرحها وبلورتها للمتلقّي. ومن خلال هذه الشجرة، حاولت جاهدةً، وكما بدا واضحًا في المعرض، أن تُحيط بأكبرٍ قدرٍ من تفاصيل المأساة بحيث تُروى كاملةً. هكذا، تجاوزت تغريد درغوث الحدود البصرية والتشكيلية في لوحاتِها، مصرَّةً ألّا تكتفي بالوقوف عندها. فما تشتغلُ عليه يتجلّى في محاولاتها استنطاق الكثير من المفاهيم والأشياء في لوحاتها وما يظهرُ فيها من أشجارٍ وسواها.

اقرأ/ي أيضًا: لاريسا صنصور.. شتات الفلسطينيّ لا ينتهي

صِيغت الأشجار داخل اللوحات بحيث يَسكنُها الألم المُتجدِّد، ذلك الذي بدأ يومًا دون إشارةٍ واضحةٍ إلى نهايته إطلاقًا. بل، وعلى العكس تمامًا، أخذ يتوسَّع ويتحوّل شيئًا فشيئًا إلى جزءٍ من الحياة اليومية عند المواطن الفلسطينيّ، بعد أن أزال عن نفسه، أي الألم بمعناه الذي تودُّ الفنّانة إيصالهُ للمشاهد، صفة العنصر الغريب أو الدخيل على هذا المجتمع وبشرهِ. ففي هذه الأشجار، تتكدَّسُ أعداد هائلة من الحكايات التي، وإن اختلفت، إلّا أنّها تتساوى جميعها أمام الوجع والرعب بأشكاله المتعدِّدة.

 تغريد درغوث

ومن خلال الأشجار نفسها أيضًا، تُحاول تغريد درغوث أن تجعل زائر معرضها يرى في اللوحات ما لا يُرى فيها، وما لا نراهُ نحن. إن كان ذلك صبر الفلسطينيون المرّ على ما لا يُطاق ويُحتمل، والذي طال جدًا. أو النيران التي تجوب فلسطين بمساحتها كاملةً، وتعبرُ أجساد البشر والشجر معًا، فَتُساوي لحظة الموت بينهم أمامها. وتلفحُ وجوه الجميع ببؤسِها، عائلة الفلسطينيّ الشهيد من جهة، وأصحاب الأشجار المُقتَلعة من جهةٍ أخرى. هكذا، بهذا الشكل تحديدًا، تأخذ العلاقة بين الفلسطينيّ وشجرة الزيتون بُعدًا آخر، يتجاوز العلاقة التقليدية القائمة على العاطفة عادةً، وتصير علاقةً تجعل منهما كائنًا واحدًا مُهدَّدًا لا بالموت فقط، إنّما بالتشوِّه والاقتلاع والعزلة والذوبان والتشتّت والتهميش والغياب، طويل الأمد، وغيرها من التفاصيل التي تُحاول إلغاء هوية شعبٍ كامل وسلبه أرضه الأولى أيضًا. وبالتالي، من الطبيعي أن تنوب شجرة الزيتون عن الفلسطينيّ في لوحات معرض تغريد درغوث، حاملةً خوفه وبؤسه وألمه وقهره الذي يتقاسمانه معًا أساسًا.

كقراءة أوليّة سريعة، أو انطباعٍ أوّل، تظهرُ شجرة الزيتون كيانًا واحدًا ومتجانسًا في أعمال تغريد درغوث، كما لو أنّها لوحة واحدة وزِّعت على لوحاتٍ أخرى. إلّا أنّ هذا التجانس بدورهِ يتبخّر شيئًا فشيئًا، لوحةً وراء أخرى، لتظهر الأعمال المعروضة مجموعةً من الشظايا، ولكلٍّ منها خصوصيتها، ومفارقاتها التي تُميِّزها عن سواها. وهذه الشظايا/ اللوحات، ودون أن تفقد خصوصيتها، تؤلّف معًا مساحةً كافيةً لتبلور الفنّانة اللبنانية من خلالها المأساة الفلسطينية. وأيضًا، تُعيد قراءتها قراءةً جديدة لجهة ما تحملهُ من ألمٍ فقط، أي أنّ تغريد درغوث تبدو مُلمَّةً في هذا المعرض بألآم الفلسطينيّ بالدرجة الأولى، ذلك الذي نحت ملامح أعمالها.

 تغريد درغوث

ما نراهُ في معرض تغريد درغوث هو لوحات لأشجار زيتون تبدو للزائر مكتملةً، غير أنّها، بعد قراءة ثانية وثالثة وربّما رابعة، تبدو في الواقع عكس ذلك. ومسألة اكتمالِها تبدو بدورِها قابلةً للشَّك أيضًا، ويُمكن القول إنّ هذا الشَّك نابعٌ بالدرجة الأولى من اليقين المُسبق بأنّ الشجرة مُهدَّدة بصورةٍ مُستمرّة بالزوال، الأمر الذي يعني أنّ النقص هنا يتمحور حول الاستمرار وبقائها في أرضها. هذه السلسلة من اللوحات، أطلقت عليها الفنّانة اللبنانية الشابّة تغريد درغوث عنوان "أشجار زيتون فلسطينية". وتُقابل هذه السلسلة من اللوحات، سلسلة أخرى تحت عنوان "مقطوعة" لأشجار زيتون لم يبق منها سوى جذعها. وعند هذه السلسلة، تتبلور مسألة النقص الملازمة لأشجار السلسلة الأولى. إذ يُمكن القول، وبوضوحٍ شديد، إنّ ما يظهر في لوحات "مقطوعة"، ليس سوى المصير الذي ستؤول إليه الأشجار في لوحات "أشجار زيتون فلسطينية"، أي الزوال بطريقةٍ أو بأخرى، والذي يُلغي الاكتمال بصورةٍ نهائية.

ما نراهُ في معرض تغريد درغوث هو لوحات لأشجار زيتون تبدو للزائر مكتملةً، غير أنّها في الواقع عكس ذلك

اقرأ/ي أيضًا: معرض "أمم متعاقدة".. الفن يسائل السياسة

لعبةٌ كهذه من تغريد درغوث، ليست من قبيل المصادفة إطلاقًا. فهذه الحركة من شأنها أن تُشعر كلّ من يقف أمام لوحاتها، بأنّه يرى شجرة الزيتون للمرّة الأخيرة وبأنّه لو غادر بضع خطواتٍ قليلة وعاد إليها مجدَّدًا، فمن الممكن ألّا يراها في اللوحة مرّةً أخرى إطلاقًا. ولو سار قليلًا في المعرض، سيجد لوحاتٍ يُمكن القول إنّها دليل قاطع، أو إشارة إلى من ألغى حضور هذه الأشجار، وكان سببًا في زوالها أيضًا: دبّابات الميركافا الشهيرة، الجرّافات العسكرية، والطائرات الحربية، ومن يقف خلفها. هكذا، تكون تغريد درغوث قد سردت المأساة الفلسطينية بأقلّ عددٍ ممكن من العناصر التي تشير إليها عادةً، كالخراب والموت والجثث والمجازر والشتات. مكتفيةً بأشجار الزيتون التي حضرت لا لتجسّد نفسها فقط، بل لتنوب عن الإنسان أيضًا، أي المواطن الفلسطينيّ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

منى حاطوم.. تكريس الهوامش والاضطراب

هديل الرملي.. أنا هندية حمراء