معرض

معرض "أمم متعاقدة".. الفن يسائل السياسة

عمل للفنانة سماح حجاوي

في شارعٍ فرعيّ يمتدّ إلى الشرق من دوّار نيلسون مانديلا في حيّ الطيرة في رام الله، يتربّع معمارٌ فنيٌ جديد ذو إطلالة ساحرة على المدينة، هو المبنى المُفتتح حديثًا لمؤسسة عبد المحسن القطان، والذي يتيح استغلال مساحاته بطريقة مُثلى، تضمن في الوقت ذاته الحفاظ عليه كبناء صديق للبيئة؛ ابتداءً من حجر بنائه الذي استُثمرت في قسم كبير منه الصخور المُستخرجة أثناء حفر الأسس، مرورًا بالبهو الواسع في مركزه، والذي يضمن أكبر كمية من ضوء الشمس داخله، وغير انتهاءٍ بالأشجار التي اُحتفظ بها من أرض مجاورة له، وأعيدت زراعتها في حدائقه. وتطمح المؤسسة من خلاله، كما ورد على لسان عمر القطان، رئيس مجلس إدارتها، بإعادة إنتاج المدنية، التي هي وفق تعريفه "المكان الذي يتعرّف فيه الإنسان إلى أفكار جديدة، ويتعرف فيه الغريب إلى الغريب". 

يقدم معرض "أمم متعاقدة من الباطن"، في المبنى الجديد لمؤسسة القطان، فرصة الانخراط الشعوري في المكان

اقرأ/ي أيضًا: لاريسا صنصور.. شتات الفلسطينيّ لا ينتهي

أمم متعاقدة من الباطن، استفزازات فنيّة للذهن

معرض "أمم متعاقدة من الباطن"، هو معرضٌ يواجه الزوار الذين بدؤوا بالتوافد إلى المبنى منذ افتتاحه، ويقدّم لهم فرصة الانخراط الشعوري في المكان. يحوي المعرض ثلاثة وخمسين عملًا فنيًا، ويبحث في مفهوم الأمّة الحديثة، وعلاقة الدولة بالمجتمع والشعب. فهو نتاج إبداعي لتشكيلة من الفنانين الفسطينيين والعرب والعالميين، الذي يحاولون من خلاله تقديم نقدٍ فكريٍ في مسائل اجتماعية واقتصادية. 

أمم متعاقدة

يقوم المعرض على سقالات حديدية تتثبت عليها الكثير من الأعمال الفنية. وكأنّ في هذه السقالات الصدئة، المرتبة طوليًا وعرضيًا بطريقة هندسية جافة، إيحاءً إلى البُنى المفروضة مجتمعيًا من خلال الدولة. كما أنّ للأعمال الفنية، في ارتكازها إلى السقالات أو تحرّرها منها، دلالات اجتماعية وسياسية تُضاف إلى مضامينها.

الشرح يطول في الحديث عن الأعمال الفنية المتنوعة للمعرض، والتي تشترك جميعًا في قدرتها على استفزاز ذهن الزائر، بل ومشاعره في الكثير من الأحيان. وسأورد هنا بعضًا من هذه الأعمال، التي استوقفتني كزائرة، وأثارت فيّ تلك المراوحة الشعورية بين ما هو عقليّ وما هو عاطفيّ.

تردّد متغيّر

في عملٍ تركيبي له بعنوان "تردّد متغيّر"، يحاول الفنان بشير مخّول تصوير حالة غياب اليقين في مفهوم العودة، من خلال لوحتين متجاورتين، تتثبت عليهما قبابٌ زجاجية صغيرة، تراها عين الناظر عن بعدٍ متطابقة. ولا تظهر الاختلافات في دواخلها إلاّ حين تدقيق النظر إليها عن قرب.

يعرض هذا العمل وهم التكاملية التي ترتكز إليها الهوية الوطنية، من خلال منحنا صورة طوباوية كاملة وغير متغيرة عبر الزمان، بينما يكمن تناقض هذه الصورة داخل المشهد السياسي والمجتمعي المعاصر بعناصره المتفككة والمتناحرة.

غَطسات مقدّسة

بشكلٍ لا ينفصل عن الحالة التي نعيشها هذه الأيام في بلادنا "المقدّسة" من انشغالٍ في  ترقّبٍ زلزالٍ ممكن الحدوث في أية لحظة، تتناول الفنانة سماح حجاوي في عملها التركيبي "غطسات مقدّسة" الموضوع بأسلوبٍ يحمل في ثناياه السخرية، ويذكّر بالمشاهد السينمائية لأسطورة مدينة أطلانتيس المفقودة. فنرى في عمل الفنانة مدينة القدس مثلما اعتدناها، مع فرق واحد هو ربوضها في أعماق البحر، وطواف الكائنات البحرية حولها. وكأنّ هذا العمل الفنيّ يدلع لسانه للمتناحرين على قدسية المكان قائلا: "فلتنفعكم هذه القداسة حين الزلزال".

أمم متعاقدة

الخِيار الأردني

قفز ظريف على حبل اللغة يقوم به الفنان توم بوغارت من خلال عمله التركيبي "الخِيار الأردني"، مُلمّحًا إلى خَيار طالما كان حاضرًا لدى الإحتلال في إطار خطّته بشأن مصير ما تبقى من شعبنا الفلسطيني في أرضنا، هو الخَيار الأردني. أي خَيار تهجير الفلسطينيين إلى الأردن. فيقوم بوغارت بحركة فنية خفيفة، هي تحويل الفتحة على كلمة "خَيار" إلى كسرة، لتصبح "خِيار"، فيقلب بهذا معنى العبارة ويحّول الخَيار السياسي إلى فاكهة تتحلّل مع الوقت في ظروف طبيعية، ومن غير تدخّلات.

يحاول الفنان بشير مخّول تصوير حالة غياب اليقين في مفهوم العودة، من خلال لوحتين متجاورتين

اقرأ/ي أيضًا: منى حاطوم.. تكريس الهوامش والاضطراب

في المستقبل تناولوا الطعام في أواني بورسلين فاخرة!

هذا هو عنوان فيلم مدّته 29 دقيقة، لـ لاريسا صنصور وسورين ليند. ينقد بعين السخرية المزاوجة ما بين علم الآثار والسياسة. فيصوّر جماعة سرية تقوم بدفن أواني بورسلين تحت الأرض، ليقوم أتباع هذه الجماعة المستقبليون بالحفر في ذات البقعة واكتشاف الأواني، ومن ثمّ مطالبتهم بهذه الأرض وإثبات أحقيّتهم بها من خلال أواني أجدادهم المُكتشفة.  فيلم يحمل إشارات واضحة لما حدث ويحدث على هذه الأرض.

حالة طوارئ

في عملٍ تركيبي لها  بعنوان "حالة طوارئ"، تقوم الفنانة كلاوديو بيروتشيا بتحويل بطّانية الطوارىء الحرارية ذات اللونين الفضي والذهبي، والمستخدمة لإيواء اللاجئين في ظروف الطوارئ، إلى أعلام فلسطينية من كلا اللونين. قد تكون أوّل ملاحظة ساخرة تدور في ذهن المتلقي الفلسطيني لهذا العمل هي أنّ غالبية أعلام الدول الشقيقة تصلح كبدائل في هذا العمل.

اقرأ/ي أيضًا:

سونيا ميرازكا.. فن مقاتل

إنكوغرافي.. الإنسان المهزوم على هذه الأرض