معجم الدوحة التاريخي للغة العربية: مشروع ضخم للحفاظ على إرث اللغة العربية
3 سبتمبر 2025
في نهاية كانون الأول/ديسمبر من هذا العام، سوف يعلن معجم الدوحة التاريخي للغة العربية اختتام عمله. هذا المشروع الذي امتد العمل عليه لمدة ثلاثة عشر عامًا على أيدي مئات الخبراء من مختلف البلدان العربية ضمن بيئة حاسوبية متطورة.
معجم الدوحة التاريخي للغة العربية هو معجم تاريخي متجدد، حيث يسعى إلى جمع ذاكرة كل لفظٍ من ألفاظ اللغة العربية، وربطه بدلالته المختلفة عبر السياق الزمني، وذلك عبر رصد دقيق لتحوله النحوي والدلالي أيضًّا؛ بدءًا من مكان ظهوره لأول مرة، مرورًا بالفترات الزمنية كافة والتي استخدم فيها، عن طريق جمع النصوص والنقوش التي ظهر بها.
أطلق المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مشروع معجم الدوحة التاريخي للغة العربية في 25 أيار/مايو 2013 عقب فترة تحضير طويلة ومناقشات على مدار سنة ونصف السنة.
ووفق بيان للمفكر العربي د. عزمي بشارة (مدير المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات) فإن المعجم اختار "الطريق الصعب، وهو البحث في مصادر الألفاظ الأصليّة بدلًا من الاستناد إلى المعاجم؛ فهي ليست مصادر استعماليّة حيّة. وهذا ما دعا الخبراء إلى بناء هذه المدوّنة الضخمة التي تشمل جميع المجالات المعرفيّة، وتفيد في استخداماتٍ لا حصر لها؛ بحثيّة وغير بحثيّة، فضلًا عن استخدامها في صناعة المعجم. وقد صُمِّمت منصّة حاسوبية تربط الخبراء بالمدوّنة، وأُديرت من خلالها عمليّة التحرير والمراجعة والتدقيق والاعتماد، وصولًا إلى النشر على البوّابة الإلكترونيّة، التي فُتحت لعموم القرّاء منذ نهاية المرحلة الأولى؛ أي بعد أن وصلت معالجة معاني الألفاظ إلى عام 200 هــ، وذلك في حفل إطلاق المعجم في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2018".
أطلق المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مشروع معجم الدوحة التاريخي للغة العربية في 25 أيار/مايو 2013 عقب فترة تحضير طويلة ومناقشات على مدار سنة ونصف السنة
سيكون المعجم متاحًا على شبكة الإنترنت وليس ورقيًّا على الأقل في الوقت الراهن، نظرًا لضخامة المشروع ولتحقيق فائدة لأكبر عدد ممكن من القُراء. وذلك بالإضافة إلى إتاحة فرصة أطول للتدقيق والتجويد وسماع ملاحظات الباحثين والقُراء.
واجه المعجم مجموعة من التحديات الكُبرى، لّخصها البيان في نقاطٍ أساسية هي:
أوّلًا: تحدّي ضخامة المتن اللغويّ
من المبادئ الموجّهة لصناعة معجم الدوحة التاريخيّ للغة العربيّة اعتماده الألفاظ المستعمَلة في النصوص المطبوعة والموثوقة؛ لأن الألفاظ الواردة في المعاجم اللغويّة القديمة والحديثة قد تفتقد أحد الشرطَين الأساسيّين في صناعة المعجم التاريخيّ للغة أو كليهما: شرط استعمالها في شاهد نصّي غير مصنوع، وشرط الأقدمية التاريخيّة للشاهد النصّي. ومن المؤكد أن هذين الشرطين لا يتوافران في المعاجم اللغوية.
ولم يكن ثمّة مناص من اللجوء إلى جمع ما أمكن من المؤلّفات بأنواعها المختلفة في مجالات الآداب والعلوم والمعارف والفنون من بداية القرن السادس الهجريّ الموافق للقرن الحادي عشر الميلاديّ إلى نهاية عام 2023. وحتى لا يكون هذا الجمع عشوائيًّا، وضعنا معايير لانتقاء المصادر على أساس تمثيل مؤلّفات جميع البلاد العربيّة عبر الحقب التاريخيّة وفي مجالات التأليف المختلفة، بينما لجأنا إلى اعتماد منهج العيّنات في انتقاء مؤلّفات القرنَين العشرين والحادي والعشرين لضمان تمثيليّة اللغة المستعمَلة مكانًا وزمانًا ومجالات، وذلك انطلاقًا من ببليوغرافيا تمثيليّة شملت نحو 250 ألف عنوان.
بعد انتقاء المصادر وتوفيرها، يأتي تحدّي رقمنة غير المرقمَن منها، ومعالجة النصوص المعتمَدة، ثمّ صناعة مدوّنة نصّية مُوسّمة ومُهيكَلة ومُؤرّخة. ويُوفّر البحث في هذه المدوّنة الضخمة الحصول على كلّ لفظٍ من ألفاظ اللغة العربيّة في سياقاته النصّية مقرونة بمصادرها وأسماء مؤلّفيها وتواريخ التأليف أو تواريخ الوفاة.
ثانيًا: تحدّي البحث عن الألفاظ والمعاني الجديدة في كتلة نصّية ضخمة
إذا كان البحث عن أقدم استخدام للفظ، وتحديد تواريخ وفيّات الشعراء والكتّاب، والتأكّد من أصالة النصّ الذي غالبًا ما يكون منقولًا في عصر آخر، والتحقيق بدقّة في النصوص المحقّقة، من أهمّ تحديات المرحلة الأولى، فإنّ من تحدّيات المرحلة الثالثة أن يبلغ عدد سياقات اللفظ الواحد في المدوّنة النصّية عشرات الآلاف أو الملايين، وعلى محرّر المادّة المعجميّة استخلاص الألفاظ والمعاني الجديدة التي لم يرصدها المعجم في مرحلته السابقة المنتهية في عام 500هـ من كل هذه السياقات. وقد كان الأسلوب المتّبع في تلك المرحلة هو استقراء السياقات وقراءتها، إلّا أنّ هذا الأسلوب لم يعد عمليًّا أو مجديًا بالنظر إلى ضخامة عدد سياقات الألفاظ في المدوّنة وما يستلزم تتبّعها وقراءتها من جهد ووقت.
من ذلك مثلًا أنّ الكلمات (أَمْر) و(نَفْس) و(حدَث) يتجاوز عدد سياقات كلّ منها في مدوّنة المعجم المفتوحة وحدها مليون سياق، وأنّ الأفعال (أراد) و(جعل) و(أخذ) يتجاوز عدد سياقات كلّ منها نصف مليون سياق. ويتضاعف هذا العدد باحتساب سياقاتها في المدونات الأخرى.
ومن أجل تجاوز هذا التحدّي، جرى استخدام أدوات البحث المتقدّم مثل كشّاف السياقات والبحث بالمتصاحبات وغيرها من الأدوات المستخدمَة في صناعة المعاجم العالميَّة المعاصرة. واستُعين أيضًا بالترشيح الآلي للألفاظ والمعاني المستخلَصة من عدّة معاجم، المتوقّع أن تكون جديدة الاستعمال في المرحلة، مع تحديثات مهمّة في البيئة الحاسوبيّة لصناعة المعجم شملت إضافة عددٍ من الخدمات التي تُيسّر التحرير المعجميّ. ولن تكتمل هذه العمليّة الشاقّة والمعقّدة من دون ملاحظات القرّاء وتنبيه النبهاء منهم لما يكون قد فات المحرّرين.
ثالثًا: تحدّي المصطلحات
يعتني معجم الدوحة التاريخيّ للغة العربيّة بالمصطلحات مثل عنايته بالألفاظ؛ لأنّها، على العموم، تمثّل تحوّلًا دلاليًّا مهمًّا ينبغي عدم تفويت تسجيله. أما المصطلحات غير الألفاظ اللغويّة العامّة، فالأوْلى باستخلاصها وتعريفها مفهوميًّا في مجالاتها العلميّة هم المتخصّصون في مجالاتها، مثل الرياضيّات والفيزياء والفلسفة والمنطق واللسانيّات وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد وغيرها. ولتجاوز تحدّي المصطلحات في المعجم، كُلِّف متخصّصون في كلّ مجال من المجالات العلميّة بتحرير المصطلحات في مجالات تخصّصاتهم، مع تكليف خبراء التحرير اللغويّ بالنظر في المداخل المصطلحيّة للتأكّد من توافقها مع ضوابط المعجم قبل إدماجها في موادّها المعجميّة.
رابعًا: تحدّي الألفاظ الأعجميّة
كُلِّف متخصّصون بتأثيل الألفاظ الأعجميّة الواردة من اللغات الأجنبيّة التي تفاعلت معها اللغة العربيّة؛ مثل اليونانيّة واللاتينيّة والفارسيّة والهنديّة والصينيّة والمصريّة والقبطيّة والتركيّة والأمازيغيّة والألمانيّة والروسيّة والإنكليزيّة والفرنسيّة والإيطاليّة وغيرها من اللغات، وذلك بتحديد الأصل الذي تنتمي إليه الكلمة قبل دخولها في الاستعمال العربيّ، مع تكليف خبراء التحرير المعجميّ ببناء مداخل الألفاظ الأعجميّة وفقًا لمعلومات تأثيلها. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الألفاظ الأعجميّة قد تجذَّرت في اللغة العربيّة حرفيًّا؛ أي أصبح لها جذر واشتقاقات. وهذا دليل على حيويّة هذه اللغة واستعدادها للتكيّف مع الجديد في كلّ عصر، فالمشكلة ليست فيها، بل في أمور أخرى أشغلتنا وتشغلنا، ولا يحتمل هذا النصّ القصير ذكرها أو الاستفاضة فيها.
خامسًا: تحدّي ضمان الجودة
ظلّ حرصنا قائمًا على التأكّد من صحّة المعلومات التي يقدّمها المعجم عن كلّ لفظ من ألفاظه: عن صحّة اللفظ في حدّ ذاته، ووسمه الصّرفيّ، وتعريفه، وشاهده، وتاريخه، واسم مستعمله، وغير ذلك، مع توثيق مصادر هذه المعلومات.
ومن الوسائل التي لجأنا إليها من أجل بلوغ هذه الغاية متابعة الإنجاز الكيفيّ باستمرار، والتدريب المُواكب لخبراء التحرير اللغويّ والمصطلحيّ وخبراء التأثيل، وخضوع جميع الموادّ المحرّرة للمراجعة والاعتماد. وعلاوة على ذلك، انفتح المعجم على جمهوره لتلقّي أي ملحوظات من شأنها تجويد موادّه، وخصّص لهذا الشأن خانةً في بوّابة المعجم.
سادسًا: تحدّي الوفاء بالإطار الزمنيّ المتاح
لا نهاية لتطوّر اللغة، ولكن لكلّ مشروع بداية ونهاية. والإحاطة بألفاظ اللغة ومعانيها أمر لا يمكن أحدٌ القطع به أو ادّعاء بلوغه. واللغة متجدّدة باستمرار، على نحو يوميّ تصعب الإحاطة بها. ولذلك لم يكن ثمة مناص من تحديد موعد زمنيّ لإتمام المرحلة الثالثة الأخيرة من المعجم، واتخاذ كلّ الإجراءات الضروريّة لتقديم موادّ المعجم مُحرّرة ومعتمدَة في موعدها المحدّد نهاية العام الجاري، مع فتح مجال واسع للتحديثات المستمرّة على نحو ما تعرفه المعاجم العالميّة.
كان المعجم قد حدد هويته المعرفية منذ البداية وأجملها في مجموعة من النقاط يُمكن تلخيصها فيما يلي:
معجم لغوي تاريخي: يركّز على الخط الزمني والاستعمال الأقدم جغرافيًّا، ويحاول التوثيق لهذه الألفاظ من خلال النصوص المتصاعدة زمنيًّا، ويقدم فكرة كاملة عن حياة اللفظ وقدرته على التوليد وتطور الدلالات.
معجم مفتوح: فهو مفتوح على الاستدراك في كل مرة، إذ لا يمكن ادعاء إمكانية حصر كل الألفاظ، بسبب ثراء المكتبة العربية، والتي لا يزال بعض من مخطوطاتها غير محقق.
معجم مرحلي تراكمي: فلا يمكن إنجازه دفعة واحدة، وإنما يتطلب الأمر البناء عبر مراحل، وتخضع المرحلة للمعنى الإجرائي، إذ يمكن العودة إلى المرحلة السابقة متى ما قدمت المرحلة الحالية إيضاحات جديدة.
معجم نسقي: يتبع المعجم نظامًا نسقيًّا حسب ما تقتضيه الضوابط المعجمية المعاصرة، بحيث نجد اللفظ يليه جذره، ثم نجد وسمه وتاريخ استعماله، مردفًا برأس التعريف، ثم التعريف، ثم الشاهد النصّي واسم مستعمله، وأخيرًا مصدر توثيق الشاهد، وذلك بالاعتماد على تقنية بناء المدونات اللغوية، ومنصّة العمل الحاسوبية والبرامج والتطبيقات الحاسوبية.
معجم تفاعلي موثّق وموثوق: يسمح المعجم بتفاعل جمهور المختصين ويستقبل التغذيات الراجعة، ويعتمد النصّ بعد تأكيد مصدره.
معجم لغوي: يُعنى بألفاظ اللغة العربية ومعانيها، ولا يقدم معلومات خارج المعجم اللغوي، ويربط ألفاظ اللغة العربية باللغات السامية ويعيدها إلى أصلها الفارسي أو اليوناني، وما إلى ذلك من أصول سامية وأعجمية، كما يُعنى بلغة العرب ولهجاتها ولا يقتصر على لهجة واحدة، ويظهر ذلك جليًّا في المدونة النصّية التي صُمِّمَت خصيصًا للمعجم.
معجم الدوحة التاريخي للغة العربية قد بلغ عدد مداخله 300 ألف مدخل معجميّ؛ بما في ذلك المداخل المستخلصة من النقوش والنصوص، علاوة على جذور النظائر من اللغات الساميّة
بذل الخبراء والباحثون جهدًا مضنيًّا لخروج المعجم في أبهى صورة، وذلك من أجل تقديم أفضل مساعدة للخبراء المعجميين للبحث عن الألفاظ وتطور معانيها في سياقاتها الاستعمالية، وبحسب البيان فقد "جُمعت خلال عقد كامل مدوّنة اللغة العربيّة بمنهجيّة وشموليّة لم تعرفها لغتنا من قبلُ. وسُخِّرت التقنيّات الحديثة في تصنيف المدوّنة والبحث فيها. فقد استند خبراء التحرير في بناء مداخل ألفاظ اللغة العربيّة ومعانيها إلى البحث في سياقات مدوّنة رئيسة أعدّها خبراء الحوسبة في المعجم تحمل اسم "مدوّنة المعجم المفتوحة"؛ وهي مُعدّة لخدمة المعجم خصوصًا وفقًا لمعاييره في جمع المصادر والوثائق وانتقائها، والتأريخ للنصوص، وربط الألفاظ بسياقاتها. ويبلغ عدد كلماتها نحو 600 مليون كلمة تدعمها مدوّنة حديثة مُلحقَة بالمعايير ذاتها يبلغ عدد كلماتها نحو 400 مليون كلمة. وتُعزّز هذه المدوّنة مدوّنتان أُخريان، هما: "مدوّنة الويب العربيّة" التي يبلغ حجمها في نسختها الحديثة 6.5 مليارات كلمة، ومدوّنة الويب العربيّة المختومة زمنيًّا، التي يبلغ حجمها في نسختها الحديثة نحو 5 مليارات كلمة. وتُشكلان معًا فضاءً واسعًا للبحث عن ألفاظ اللغة العربيّة ومعانيها المستعملَة في النصوص".
جدير بالذِكر أن معجم الدوحة التاريخي للغة العربية قد بلغ عدد مداخله 300 ألف مدخل معجميّ؛ بما في ذلك المداخل المستخلصة من النقوش والنصوص، علاوة على جذور النظائر من اللغات الساميّة.