معارك عدن.. انقلابٌ إماراتي وورطة سعودية

معارك عدن.. انقلابٌ إماراتي وورطة سعودية

تشهد مدينة عدن اشتباكات مسلحة بين قوات المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي وقوات حكومة هادي (رويترز)

في الوقت الذي تعمل فيه السعودية للخروج من المستنقع اليمني، خاصة مع تصاعد حملات الإدانة الدولية لجرائم الحرب السعودية؛ اندلعت معارك بين من يفترض أنهم حلفاؤها، أي القوات الحكومية بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي من جهة، وقوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا من جهة أخرى.

يشهد التحالف السعودي باليمن اقتتالًا داخليًا بدأته مليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات ضد قوات الحكومة الشرعية 

وقد وصف صراحة رئيس الحكومة اليمنية، التطورات الجارية بأنها انقلاب على الشرعية. بذلك لا تتعلق الصورة سعوديًا فقط بمخاطر الاقتتال العسكري داخل صفوفها، بقدر ما يتعلق بانفجار الوضع على ضوء اختلاف الأجندات بينها وبين حليفها المعلن وخصمها الخفي، إمارات محمد بن زايد، التي تدعم المجلس الانتقالي سياسيًا ولوجيستيًا، بهدف تحقيق مآربها في اليمن، عبر فرض مخطط الانفصال الجنوبي تيسيرًا للاستيلاء على المقدرات اليمنية، وهو ما يجري على قدم وساق منذ اندلاع الحرب هناك.

اقرأ/ي أيضًا: مؤامرة ابن زايد.. الإطاحة بالشرعية في اليمن ضمن مهمات التخريب

المجلس الانتقالي أداة للمطامع الإماراتية

ليس تقسيم الموحد، كما نعلم، هدفًا إسرائيليًا فقط في العالم العربي، بل هو كذلك هدف للإمارات التي إضافة لدعمها الخفي لاستفتاء انفصال أكراد العراق، لم تتردد في دعم الحراك الجنوبي الانفصالي في اليمن، ليس من منطلق إيمانها بوجود حق للجنوبيين في الانفصال أو الاستقلال، وإنما انطلاقًا من رغبتها في فرض أجنداتها على اليمن، ومزاحمة السعودية التي تَعتبر جارتها الجنوبية، اليمن، المجال الطبيعي لنفوذها، والتي ترفض منذ ما قبل ثورة الشباب اليمنية سنة 2011 مطالب الانفصال.

وعلى خلاف ذلك، تعول الإمارات على الانفصال لتثبيت موطئ قدمها خاصة في الجنوب اليمني المطل على بحر العرب، وهو موقع إستراتيجي في التجارة الدولية، خاصة عبر موانئ المدن الجنوبية، وعلى رأسها ميناء عدن الذي تجسمت حقيقة المطامع الإماراتية فيه منذ سيطرة شركة "موانئ دبي" عليه، وإهماله بهدف إضعافه لحساب ميناء دبي.

وكشفت الحرب الجارية في اليمن منذ انطلاقها، المطامع الإماراتية، حيث سبق وأن رفضت مثلًا القوات الإماراتية توجّه حكومة هادي في أيلول/سبتمبر 2016، لتشغيل ميناء الضبة النفطي، لنقل كمية النفط المخزنة في منشآت الميناء إلى الأسواق العالمية، ومنعت قوات إماراتية في تشرين الثاني/نوفمبر تصدير النفط الخام اليمني من حقول المسيلة، كما أوقفت بيع شحنة نفط جاهزة للتصدير عبر ميناء الضبة النفطي في محافظة حضرموت.

وأنشأت الإمارات ميناءً عسكريًا جديد في حضرموت للإمداد اللوجستي، كما تعمل على السيطرة على غاز محطة بلحاف الغازية جنوب اليمن، ليحل محل بعض كميات الغاز القطري.

تمول أبوظبي مليشيا مسلحة تمارس انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وتدير سجونًا سرية في اليمن (صالح العبيدي/ أ.ف.ب)
تمول أبوظبي مليشيا متورطة في انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وتدير سجونًا سرية في اليمن (صالح العبيدي/ أ.ف.ب)

وتسيطر كذلك القوات الإماراتية لتنفيذ مهامها، على عديد المناطق، ومنها جزيرة سقطرى الإستراتيجية. وكانت تقارير حقوقية دولية، قد كشفت إدارة الإمارات ومليشيات تابعة لها، لمعتقلات سرية في اليمن تتم فيها ممارسة أشنع انتهاكات حقوق الإنسان.

ولتنفيذ مخططاتها، احتاجت الامارات لرافعة سياسية لم توفرها الحكومة الشرعية، فوجدتها لدى الحراك الانفصالي في الجنوب، حيث دعمت المجلس الانتقالي الجنوبي في آيار/مايو 2017، والذي نشأ بعيد إقالة الرئيس عبدربه منصور لمحافظ عدن الموالي للإمارات عيدروس الزبيدي، وقد أقال هادي لاحقًا محافظي ثلاث محافظات جنوبية هي حضرموت وشبوة وسقطرى، انضموا للمجلس الانتقالي وهم من أنصار الانفصال ومن المقرّبين من الإمارات كذلك، والتي لم تخف حينها رفض قرارات الرئيس اليمني.

تعزيز المصالح الخاصة ولو بالتقسيم، ليس هدفًا إسرائيليًا فقط، بل إماراتي كذلك تكشفه مساعيها في اليمن ومن قبله مع أكراد العراق

بل عملت الإمارات لاحقًا على دعم الكيان السياسي الموازي للحكومة الشرعية وبالتحشيد لدعوات الانفصال لضمان موطئ قدم دائم لها في اليمن في مقابل جارتها السعودية التي تريد تجاوز سيناريو الانفصال الذي سيقلص من نفوذها على المجال اليمني شمالًا وجنوبًا.

اقرأ/ي أيضًا: وجه الإمارات المفضوح في اليمن.. حرب على الشرعية وحقوق الإنسان

وفي الأثناء، تحاول الإمارات الآن التنصل من التطورات الأخيرة، حينما اعتبر وزير الدولة الإماراتي أنور القرقاش أن بلاده تدعم التحالف بقيادة السعودية، وذلك لعلمه أن جميع أصابع الاتهام موجهة لأبوظبي، وهي التي توفر المال والسلاح لمن يسعون اليوم للانقلاب على الشرعية.

أي خيار بقي للسعوديين؟

وجد السعوديون أنفسهم -وقد حصل المحظور بالتحارب بين من يُفترض أنهم حلفاء في ظاهر الأمر- في ورطة حقيقية قد لا تقل خطورتها عن ورطة السقوط في المستنقع اليمني من أصله، وذلك حينما دشن ولي العهد محمد بن سلمان في آذار/مارس 2015، دخوله لوزارة الدفاع بإعلان الحرب في اليمن، والتي توقعها نزهة سريعة سيستغلها لبناء شرعيته وشعبيته، فإذا بها تحولت إلى مستنقع يبحث اليوم ابن سلمان عن مخرج له بأخف الأضرار وبما يحفظ ماء وجهه.

فبعد فشل الحل العسكري في إسقاط سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء منذ زهاء ثلاث سنوات، حاولت السعودية، خلال الأشهر الماضية، التعويل على الانقسام في صفوف خصومها بين الحوثيين وصالح، الذي كانت تعول عليها السعودية قبل اغتياله لإعادة ترتيب أوراقها، ولكنها تُباغَت اليوم بانقسام داخل صفوف تحالفها، لا يُعتقد أنه سيكون عابرًا، ذلك أن جذوره ضاربة في تاريخ يعلمه السعوديون جيدًا.

وتزيد هذه التطورات الأخيرة بالنسبة للسعودية من مخاطر التدحرج العسكري للقوات الحكومية على الميدان أمام الحوثيين، والأخطر هو أن تتحول المناوشات العسكرية الأخيرة بين القوات المؤيدة للرئيس اليمني والأخرى التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، إلى معارك مفتوحة ستنهك القوات الحكومية التي قد تضطر للتخلي عن خطوطها الأمامية، وتدعيم مواقعها في عدن، لمواجهة الخطر الجنوبي، وهو ما سيستفيد منه الحوثيون بطبيعة الحال.

ولكن ربما التحديات على المستوى السياسي، هي أكثر شدة على السعوديين من عديد الزوايا، أولها المزيد من التشكيك في نجاعة عمليات التحالف السعودي، بل مزيد التشكيك في "الشرعية" التي أخذتها المملكة منصة لتبرير عمليتها العسكرية في اليمن، وهي شرعية محل خلاف اليوم أكثر من أي وقت مضى ممن يفترض أنهم الحلفاء الذين لا يترددون في وصف القوات الحكومية بأنها قوات احتلال للجنوب اليمني.

كما تأتي التطورات الأخيرة في خضم تزايد حملة الإدانة الدولية للجرائم السعودية في اليمن، وذلك في الوقت الذي تعمل فيه السعودية على الخروج من المستنقع الذي بات يمثل عبئًا حقيقيًا على محمد بن سلمان على المستوى الدولي، حيث ظهرت صورته كرجل حرب لا كرجل "إصلاحات" كما كان يمني نفسه أن يظهر أمام العالم الغربي تحديدًا.

تُضيّق بذلك المعارك الأخيرة من مجال تحرك السعوديين الذين باتوا مطالبين اليوم بنزع فتيل الحرب الموعودة بين الانفصاليين الجنوبيين من جهة والقوات الحكومية من جهة أخرى، على الأقل لما بعد هزيمة الحوثيين المنتظرة. ولكن، وبتجاوز الفاعلين اليمنييين، تجد السعودية نفسها وجهًا لوجه مع حليفها المعلن وخصمها السري وهي الإمارات، حيث تختلف أجندات كل منهما في اليمن، ومع التطورات الأخيرة، لم يعد ممكنًا إخفاء هذه الاختلافات.

وقد يسعى ولي العهد الإماراتي والحاكم الفعلي للبلاد، لابتزاز نظيره السعودي، محمد بن سلمان، في الساحة اليمنية. وربما يعتقد ابن زايد أن الظرفية الحالية هي فرصته الحقيقية لتنفيذ مشروعه في اليمن وازاحة السعوديين، ذلك أنه يعلم أن ابن سلمان غير قادر، في ظل التوتر في الداخل السعودي من جهة وتزايد حملات الإدانة بل والمقاطعة في الخارج، على المضي في مواجهة معه في اليمن.

في ظل ارتباك وضعه، يُرجح أن ابن سلمان سيكون أجبن من أن يدافع عن مصالح بلاده في مواجهة الغطرسة الإماراتية المستهدفة تقسيم اليمن

بذلك وجد ولي العهد السعودي نفسه رهن الكماشة الإماراتية، فابن سلمان الذي لازال يتكئ على ابن زايد لتأمين صعوده لكرسي العرش، وهو الذي يضع اليد في اليد معه إلى جانب دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. وبذلك يبدو أن ابن سلمان وفي يظل وضعه المرتبك، هو أجبن من أن يقف مدافعًا عن المصالح الاستراتيجية لبلاده بالشجاعة والقوة المطلوبتين في مواجهة الغطرسة الإماراتية التي تستهدف تقسيم اليمن والاستحواذ على مقدراته.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تقدير موقف: الوضع في عدن: صورة تختزل مستقبل الصراع في اليمن

الحملة الدولية لمقاطعة الإمارات: مرتزقة بتمويل إماراتي لمزيد انتهاك اليمن