مطابخ هذه المدينة ملأى بالسكاكين

مطابخ هذه المدينة ملأى بالسكاكين

منحوتة لـ عاصم الباشا/ سورية

لم تكن سكين واحدة تعرف خصمها جيدًا وتجيد ملاحقة ظلاله التي تنشأ وتتكاثر وِفقًا للأضواء الموجهة عليه، تلك الأضواء التي تعمل وتنطفئ حسب المصالح الكثيرة التي تمثلها الجهات التي تعمل في الظل والعلن وتجيد توجيه الضوء على السكاكين التي كيفما تحركت نهشت الجسد السوري وأوغلت فيه طعنـًا. 

هل كان التعايش السوري تمثيلًا أم قائمًا على مبدأ التقية؟

وربما أصعب ما يواجهه الباحث اليوم في الشأن السوري هو هذا الانفلات الغريب للمكنون الداخلي على مستوى الفرد والجماعة، من كل القيم التي كان النسيج السوري يفخر بها، إذ تُعتبر الحالة السورية مضربًا للمثل في التعايش والانصهار في المجتمع، فهل كان ذلك تمثيلًا أم تعايشًا قائمًا على مبدأ التقية؟ وهل كان الترابط السوري ترابطًا إكراهيًا من صنيعة السلطة الأمنية؟ 

ثم وبصيغة أدبية: كيف استطاع السوريون كبح جماح الضواري التي كانوا يربونها داخل قلوبهم؟ سيقول قارئ ما: التعميم لغة الجاهل. نعم هي لغة الجاهل حين يُطلِق أحكامًا عامة لا تستند إلى الواقع المُعايَن، غير أن الحديث يدور حول ما لم يعد بحاجة للإثباتات والدلائل، فمن منّا إلى الآن لم يشاهد صورة أو مقطعًا أو شخصًا يوثّق مجزرةً؟ والتوثيق يشمل الطرفين الواضحين في المشهد السوري وهما المعارضة والموالاة. 

من منّا لم يراوده هاجس الثأر؟ حتى أكثر الناس طوباوية أجزم أنه شعر ولو لوهلة بعدالة السكين. من هنا جاءت مشاكلتي لعنوان رواية خالد خليفة "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة"، وربما لو تناولتْ هذه الروايةُ المجتمع السوري أثناء الثورة لكان العنوان مُختلِفًا كلَّ الاختلاف، ولأفرد الكاتب فصلًا كاملًا حول تمايز السكاكين ومرادفاتها من الأدوات الحادة، وكثرتها وظهورها الفوضوي المقيت بدءًا من المطابخ وليس انتهاءً بالشوارع، سكاكين طائفية وسكاكين قومية وسكاكين دينية ... إلخ، ومع كل هذي السكاكين صارت البلاد مسرحًا حيًّا لعروض القتل والتلذذ بالدم. 

أعلم أن الموضوعية تفرض على الجميع  تسمية القاتل، وتجريمه أيّا كان الطرف الذي ينتسب أو ينتمي إليه، ولكن من منّا يملك هذه الجرأة حين يكون الفاعل ممن نتبنى موقفه، أو نُعادي موقف خصمه، فنشيح الوجه عنه تماهيًا مع مقولة "عدوُّ عدوِّي صديقي"، حتى الطرف الثالث الذي ينزِع نحو الحياد الرمادي في أغلبه، الطرف الذي آثر ألا يلتفت إلى ماهية السكين بل إلى سوريّةِ المتأذين منها، للأسف فإن المنتمين لهذا الطرف/التيار ليسوا جميعًا من فئة النوارس؛ حيث يلجأ بعضهم إلى الغمز واللمز حول مشروعية الثورة، وما أنتجته "مرحليًا"، متناسين المُسبِّب الحقيقي لكل هذا الأسى السوري الكارثي وعلى كافة الأصعدة والفئات. 

استطاع النظام السوري، بما لديه من شيم الضباع، أن يجرّ المجتمع السوري برمته إلى ساحته المُفضلة ولعبته التي يجيدها

السكاكين كثيرة والمجزرة أشبه بدوامة متنقِّلة، المجزرة التي بدأت بـ"الحولة"، مرورًا بصورة "أبو صقار"، وسكاكين "جنوب الرد"، وصولًا إلى سكاكين "الإمارة والخلافة"، سكاكين من كل الأشكال وبمختلف الأحجام وذات توجهات متعددة، مطابخ البلاد صارت مطبخًا عالميًا يُقدِّمُ على الملأ أجود أنواع الجريمة والقتل، والسوري القاتل والقتيل يُمارِسُ دورَ الضحية بكل ما أوتي من تطرّف سواء في الطعن أو في الشعور بالألم والتلذذ به. 

هل من المجدي أن نتساءل الآن عمّا إذا كان السوري قادرًا على تجاوز آثار الدم والأشلاء التي رَسمتْ خلال سنوات الثورة خارطةً حمراء للبلاد؟ وهل يستطيع خياطة جراحه بالنسيان والصفح مُلتفِتًا إلى طموحه الذي خرج في سبيله ببناء دولة تصون كرامته وتحمي حريَته، وتضع المواطنين على مسافة واحدة تحت ظل القانون والعدالة؟ يبدو هذا كالحلم البعيد جدًا تجاوز بكثير حلم إسقاط النظام المجرم، النظام الذي استطاع بما لديه من شيم الضباع أن يجرّ المجتمع السوري برمته إلى ساحته المُفضلة ولعبته التي يجيدها. سكاكين وفيرة في مطابخ هذي البلاد، ظلتْ ردحًا من الزمن تتدرب على الحزِّ والقطعِ والطعن، وها هي اليوم تدخل بكامل جاهزيتها أراضي المعارك، فاختر السكين التي تناسبك.

اقرأ/ي للكاتب:

كم ميتة في العمر يألفها الفتى!

أسمع أصوات أقدامهم وأبكي