مضيق هرمز: رسائل متبادلة ومخاوف متصاعدة
14 مايو 2026
تصاعدت حدة الخطاب السياسي المرتبط بأمن الملاحة في مضيق هرمز، مع دعوة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الدول الأعضاء في مجموعة "بريكس" إلى إدانة ما وصفه بانتهاكات الولايات المتحدة وإسرائيل للقانون الدولي، مؤكدًا أن المضيق "مفتوح أمام جميع السفن التجارية" مع ضرورة "التعاون" مع القوات البحرية الإيرانية.
ويأتي هذا التصريح في سياق إقليمي شديد الحساسية، حيث يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعله نقطة ارتكاز في معادلة الأمن الطاقوي الدولي. وقد تحوّل المضيق في الأشهر الأخيرة إلى ساحة رسائل سياسية وعسكرية متبادلة، في ظل الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران وتصاعد التوترات المرتبطة بها.
وفي بيان نشره عبر تطبيق "تلغرام"، شدد عراقجي على أن إيران "لا تُهزم" وأنها تزداد قوة كلما تعرضت للضغط، مؤكدًا رفض أي حل عسكري للملف الإيراني، ومعلنًا في الوقت نفسه استعداد بلاده للقتال دفاعًا عن سيادتها، مع الإبقاء على خيار الدبلوماسية مفتوحًا.
ويعكس هذا الخطاب محاولة إيرانية للجمع بين الردع والانفتاح السياسي، إذ تسعى طهران إلى توجيه رسائل مزدوجة: من جهة، التأكيد على قدرتها على التحكم بالممرات الحيوية في المنطقة، ومن جهة أخرى، إبقاء الباب مفتوحًا أمام التفاوض، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية.
أكد عراقجي أن مضيق هرمز “مفتوح أمام جميع السفن التجارية”، مشددًا في الوقت نفسه على ضرورة “التعاون مع القوات البحرية الإيرانية” خلال المرور
وأضاف أن إيران ليست الطرف المعتدي، بل "ضحية للعدوان والضغط الخارجي"، مشيرًا إلى أن القوات المسلحة مستعدة لرد "مدمر وساحق" على أي هجوم، دون التخلي عن المسار التفاوضي. ويأتي هذا الطرح في إطار سعي إيران لإعادة صياغة موقعها في المشهد الدولي، عبر تقديم نفسها كقوة دفاعية تواجه تهديدات خارجية، لا كطرف يسعى إلى التصعيد.
وتتزامن هذه التصريحات مع مؤشرات ميدانية تعكس واقعًا أكثر تعقيدًا، إذ تُظهر بيانات الملاحة استمرار عبور السفن، لكن وسط إجراءات احترازية متزايدة، وتعطيل متكرر لأنظمة التتبع، إلى جانب حوادث بحرية غامضة، ما يعكس حالة من "اللايقين" في المضيق، حيث تستمر الحركة التجارية، لكن تحت ضغط أمني وسياسي متصاعد.
الهند: حرية الملاحة أولوية عالمية
في موقف يعكس القلق المتزايد من تداعيات التوتر في منطقة غرب آسيا على الاقتصاد العالمي، أكد وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جيشينكار خلال اجتماع وزراء خارجية مجموعة "بريكس" في نيودلهي، أن ضمان حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية، وعلى رأسها مضيق هرمز والبحر الأحمر، يمثل شرطاً أساسياً لاستقرار الأسواق العالمية واستمرار تدفق التجارة والطاقة.
وشدد جيشينكار على أن هذه الممرات لا تخص دولة بعينها، بل تشكل شرايين حيوية للاقتصاد العالمي، لافتًا إلى أن أي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية، في وقت يشهد فيه العالم بالفعل ضغوطاً اقتصادية متزايدة.
وأشار الوزير الهندي إلى أن الصراع الدائر في غرب آسيا يستوجب "اهتمامًا خاصًا" من المجتمع الدولي، في إشارة إلى الحرب الأميركية على إيران وتداعياتها على أمن الملاحة الإقليمية، محذرًا من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في واحدة من أكثر المناطق حساسية للطاقة في العالم.
ويأتي هذا الموقف في وقت تتزايد فيه المخاوف من تعطل حركة السفن عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية.
واشنطن تتحدث عن تقدم في التفاوض
من جهته، أعلن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أن المفاوضات مع إيران تشهد "تقدمًا"، رغم رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب المقترحات الإيرانية، مشيرًا إلى استمرار الاتصالات بين الجانبين عبر قنوات سياسية وأمنية متعددة، مع محاولة تقييم ما إذا كان التقدم الحالي كافياً لتجاوز الخطوط الحمراء الأميركية.
على الجانب الإيراني، شدد عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان علاء الدين بروجردي على أن بلاده لن تتخلى عن ما وصفه بـ"مكتسبات مضيق هرمز"، ولن تدخل في أي مفاوضات تمس برنامج التخصيب النووي، معتبرًا أن وقف إطلاق النار القائم "هش وغير موثوق"، ومحذرًا من احتمال عودة الحرب.
ملاحة مضطربة وتحركات غير معلنة
وفي موازاة التصعيد السياسي، أظهرت بيانات تتبع السفن التي نقلتها "بلومبيرغ" استمرار حركة الملاحة عبر مضيق هرمز رغم التوترات، إذ عبرت عدة ناقلات نفط وغاز متجهة إلى الهند ودول آسيوية، في وقت لوحظ فيه تعطيل أنظمة التتبع لبعض السفن، ما أثار تساؤلات حول طبيعة تحركاتها في المنطقة.
كما أفادت هيئة العمليات التجارية البحرية البريطانية بتلقي بلاغ عن حادث بحري على بعد 38 ميلًا شمال شرقي الفجيرة، تضمن الاستيلاء على سفينة كانت متجهة نحو المياه الإقليمية الإيرانية، في مؤشر إضافي على تصاعد المخاطر الأمنية في الممر الملاحي الحيوي.
وفي تطور آخر، كشفت "بلومبيرغ" عن عبور نادر وسري لناقلة نفط يابانية كبرى مضيق هرمز، بعد انقطاع بث موقعها الملاحي، ما اعتُبر دليلًا على عمليات إبحار تتم بعيدًا عن الرصد المباشر، في ظل بيئة أمنية متوترة.
فريق تحقيق كوري إلى دبي
إلى ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية إرسال فريق تحقيق إلى دبي للوقوف على ملابسات هجوم استهدف سفينة شحن كورية جنوبية قرب مضيق هرمز، وسط ترجيحات أولية بضلوع جسمين طائرين مجهولين، مع استمرار التحقيقات لتحديد الجهة المسؤولة عن الحادث.
وبحسب الوزارة، غادر الفريق إلى دبي مساء الأربعاء، في إطار مهمة "تحقيق علمي" تهدف إلى جمع الأدلة وتحليل المعطيات الميدانية لتحديد طبيعة الحادث الذي طال سفينة الشحن (HMM Namu).
وتشير التحقيقات الأولية، وفق ما نقلته وكالة "يونهاب"، إلى احتمال أن يكون الحادث ناجمًا عن اصطدام جسمين طائرين مجهولين بالسفينة، ما أدى إلى انفجار وحريق على متنها في الرابع من أيار/مايو الجاري.
وفيما لم تُحسم بعد الجهة المسؤولة عن الهجوم، نقلت "يونهاب"عن مسؤول كوري جنوبي استبعاد تورط طرف ثالث غير إيران، مع التأكيد على أن سيول ستتخذ إجراءات دبلوماسية فور تحديد المسؤوليات بشكل نهائي، في إشارة إلى حساسية الاتهامات في منطقة تشهد توترًا متصاعداً حول أمن الملاحة في مضيق هرمز.
ويأتي هذا التحقيق في ظل بيئة بحرية مضطربة تشهد حوادث متكررة في أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل الطاقة في العالم، ما يعزز المخاوف من استمرار نطاق المخاطر الأمنية في المضيق.