مصر وصفقة القرن.. لا تكره حماس ولا تحب إسرائيل!

مصر وصفقة القرن.. لا تكره حماس ولا تحب إسرائيل!

مسؤول المخابرات المصرية مقبلًا يد نجل أحد شهداء المقاومة في غزة (مواقع التواصل الاجتماعي)

قبل نحو ثلاثة أيام، وبعيد العدوان الإسرائيلي الخاطف على غزة، بردع المقاومة المفاجئ، زار وفد من المخابرات العامة المصرية القطاع، وعلى رأسه مسؤول الملف الفلسطيني في المخابرات المصرية، اللواء أحمد عبدالخالق. 

هذه المشاركة من مسؤول المخابرات المصرية في تأبين شهداء خان يونس تحمل بين طياتها حدثًا فريدًا يُمكن المجازفة بالقول إنه غير مسبوق

وحضر اللواء عبدالخالق بشكل سريع تأبين شهداء المقاومة الذين سقطوا إثر العدوان الإسرائيلي الأخير، والمقام في خان يونس، وأمام عدسات الكاميرات انحنى لتقبيل يد نجل أحد شهداء المقاومة. ووفقًا لمصادر محلية فإن اللواء عبدالخالق، زار أيضًا منزل نور بركة، الشهيد الذي قاد عملية ردع العدوان الإسرائيلي.

اقرأ/ي أيضًا: ماذا فعل مسؤول المخابرات المصرية أثناء تأبين شهداء خان يونس؟

الصيغة الرسمية لزيارة وفد المخابرات المصرية إلى قطاع غزة بعيد العدوان، هي استكمال المشاورات مع حركة حماس والفصائل الفلسطينية في غزة، لتثبيت وقف إطلاق النار مع الاحتلال الإسرائيلي. غير أنه على غير العادة من الزيارات التي لم تكن هذه أولها، قرر مسؤول المخابرات المصرية أن يظهر مشاركًا بالحضور وبلفتة إنسانية في تأبين شهداء المقاومة، وألا يكتفي من زيارته بأسبابها السياسية. 

وبعيدًا عن كثير القيل والقال، والافتراضات التي يشيعها الصهاينة من جهة، ويصدقها الذين يُحبون تصديقها ويأملون وقوعها في مصر من جهة أخرى، فإن هذه المشاركة من مسؤول المخابرات المصرية تحمل بين طياتها حدثًا فريدًا، يُمكن المجازفة بالقول إنه غير مسبوق تقريبًا. ولا يبدو أن موجة العواطف في الحدث وحفل التأبين هي التي دفعت مسؤول المخابرات إلى صنع لقطة إنسانية فريدة في سياقها، وإن كان لها موقعٌ، فالإشارات الدبلوماسية والسياسية من وراء اللقطة تشي بالكثير، وبأن مصر، وهذا للأسف قد يبدو صادمًا للبعض، لا تُفضل أن تُحسب على الصهيونية، كما يُروج إسرائيلييون الآن من باب التمني لا أكثر.

من بعد الثورة المصرية في 2011، وبطبيعة الحال تراجع الدور المصري إقليميًا بدرجة كبيرة، على وقع مجريات الأحداث في الداخل. وليس من قبيل المبالغة القول إنها انتقلت من مربع إمكانية الفعل، إلى مربع المفعول به، إقليميًا أيضًا. ثم بعد الثالث من تموز/يوليو 2013، تدهور وضعها أكثر فأكثر، وكان على النظام الناشئ أن يُجاهد بغية الحصول على اعتراف به، ليس أكثر. وللعجب أن النظام الذي أتى بظرف استثنائي جدًا، شديد الدموية، استطاع بقدرة قادر أن ينتزع هذا الاعتراف الدولي، وصولًا في كثير من المواضع إلى مرتبة "الشريك الإستراتيجي". 

والحقيقة هنا هي أن مصر، وليس أي نظام، مهمة إقليميًا، ودوليًا على مستوى ما. والأمر يتعلق بالتاريخ والجغرافيا والديموغرافيا، أكثر من تعلقه بما يمكن أن يقدمه أي نظام حاكم، ومع ذلك فقد قدم النظام المصري كل ما يُمكنه في إطار رؤيته لنفسه، لا فقط لينتزع الاعتراف الدولي به، وأن يخرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليقول إن قضية حقوق الإنسان في مصر شأن داخلي، وإنما أيضًا أن يلعب أدوارًا متفاوتة وبالتدريج في امتداده الإقليمي.

الانسحابية التي تبدو على مصر إقليميًا، في حد ذاتها دور، تتشابه فيه مصر مع الطريقة التي تفضل سلطنة عمان أن تموضع نفسها بها، غير أن لمصر ظروفًا تزيد من تركيب الموضوع، فالحاجة المستمرة للمال والنفط تلعب دور المقايضة، غير أنه في أي مقايضة لم تتخل مصر السيسي عن شعرة معاوية. فمثلًا في حصار قطر، الذي كانت فيه مصر أكبر المستفيدين سياسيًا، كانت أيضًا أكبر المستفيدين اقتصاديًا. لم تغفل مصر أن في قطر ثمة حوالي 300 ألف مصري يعملون هناك، يمثلون قوة اقتصادية لا يُستهان بها وموردًا مهمًا للعملة الصعبة. لذا قطعت كل الأواصل السياسية التي كانت مقطوعة بطبيعة الحال، وتمسكت ببعض خيوط أكل العيش. وكذلك الوضع مع تركيا.

الملف الفلسطيني هو باب استعادة مصر لموقعها في مربع إمكانية الفعل إقليميًا بعد تدهور دورها في السنوات الأخيرة

وفي حين أنها لا تفضل استغضاب الحليف السعودي، لن تشارك عمليًا في الحرب على اليمن، وسترسل بارجات وسفن حربية إلى مضيق باب المندب، وهي فرصة لتجد لها موضعًا في الممر المائي المتحكم في مصير قناة السويس.

اقرأ/ي أيضًا: ملف خاص: المؤشر العربي.. العرب أمة واحدة قلقة اقتصاديًا وفلسطين جوهرة قضاياهم

وفي القلب من ذلك كله القضية الفلسطينية من غزة إلى رام الله، وهو الدور التاريخي لمصر الذي لا تفضل أجهزتها التقليدية المعنية به أن يخرج عن أدراج مكاتبها. وهو أيضًا باب استعادة الموقع في مربع إمكانية الفعل.

يُمكن القول جزافًا إن الدولة المصرية تختلف مع حماس أيديولوجيًا، هذا إذا ما اعتبرنا أن للدولة المصرية أيديولوجية، أو أنها تتعامل بأيديولوجية، وهو اعتبار نفيه النسبي يُحيل إلى البراغماتية التي تعاملت بها مصر مع ملف حماس والمصالحة الفلسطينية، وإصرارها على تذليل العقبات السياسية أولًا بينها وبين حماس، ثم بين الفرقاء الفلسطينيين، ليس لحبها في إجراء المصالحة، والنوايا علمها عند الله، وإنما فيما يبدو لقطع الطريق على أي محاولات أخرى، من دولٍ تبدو حليفة، كالإمارات مثلًا، للعب في شأن تعتبره مصر شخصيًا جدًا، وإن لم يكن شخصيًا فجزء من شرعية موقعها في مربع إمكانية الفعل، تتمثل في أنها المنوط الأول بالملف الفلسطيني في المنطقة.

على كل فلدى سياسيي حماس قدرة تفوق قدرة الإسلاميين في مصر، على التفاوض. ومن المؤشرات، يبدو أنها قدرة تتشارك فيها حماس مع النظام المصري الحالي، وأجهزة الدولة التقليدية. وفي اعتقادي أن القادر على التفاوض وعقد الصفقات، هو الأطول بقاءً. لذا، وعلى الهامش، فإن رعونة بعض القادة الشباب في بعض الدول العربية، قد تودي بهم إلى المأساة، وقضية خاشقجي أمارة.

لذا من الممكن إذا ما صحت دعاوى ما تسمى بصفقة القرن، فإنها ستكون أكثر صفقة مريبة بالنسبة للدولة المصرية، وإذا ما صحت دعاواها أيضًا، وما قيل عن الدور السعودي الضليع فيها، فلربما صدقت نبوءاتنا عن حتمية فشل التحالف السعودي المصري الظاهري، وقد تواطأت في الأصل أسباب فشله. 

وصفقة القرن بما يقال عنها، لا يبدو أنها أكثر من محاولات تتسم بالرعونة المفرطة لتحريك الواقع الراكد. وإن كانت "الجرأة حلوة مفيش كلام"، فإن ذلك من باب حلاوة الروح وما تجيزه من بعض الطيش هنا وهناك. لكن لا يبدو أبدًا أنها أداة ناجعة للتغيير السياسي.

تجاوزت إسرائيل بعدوانها على قطاع غزة، وتواطأت أسباب هذا التجاوز والعدوان، الذي كشف بدوره عما يبدو أنها أزمة سياسية عميقة في الداخل الإسرائيلي. وعلى ما يبدو فإن هذه الأزمة لها إرهاصاتها الطائشة أيضًا، المحتكة بالقرار المصري، وقد سبق أن سربت إسرائيل معلومات عن تحالف ما بينها وبين مصر في الحرب على الإرهاب في سيناء. وهو أمر في اعتقادي لا يُعجب الدولة المصرية، التي كما كان الإرهاب نقمة عليها، كان في أحد أوجهه نعمة بهذا التواجد العسكري غير المسبوق في سيناء منذ اتفاقية كامب ديفيد.

 إذا ما صحت دعاوى ما تسمى بصفقة القرن، فيبدو إنها ستكون أكثر صفقة مريبة بالنسبة للدولة المصرية

ويحيلنا ذلك إلى قضية احتمالية، وهي طيش الساسة الإسرائيليين الحاليين، وغباء تحالفاتهم، وصفقاتهم. وهو طيش يتشاركون فيه مع بعض قادة المنطقة. فقد يبدو منطقيًا إذًا، لو أن هناك صفقة قرن، أن تمتد بسكة حديد من تل أبيب إلى جنوب الجزيرة العربية مرورًا بالرياض. لكن ما شأن مصر بذلك إلا التضرر الموقفي والسياسي؟!

 

اقرأ/ي أيضًا:

تقدير موقف: جولة كوشنر و"صفقة القرن".. هل ثمّة "صفقة" حقًا؟

جديد علاقات إسرائيل مع السعودية والإمارات.. ترتيبات ما قبل صفقة القرن