مصر والأزمة الليبية: مقاربات في مواجهة التحديات
26 أغسطس 2025
رحّبت مصر، في بيان صادر عن وزارة الخارجية السبت 23 آب/أغسطس الجاري، بخريطة الطريق الخاصة بتسوية الأزمة الليبية التي أعلنت عنها المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، الخميس الماضي، والتي تهدف إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في ليبيا خلال إطار زمني لا يتجاوز 18 شهرًا.
وأكدت القاهرة في بيانها على "أهمية الالتزام بهذا الإطار الزمني باعتباره أمرًا ضروريًا لضمان مصداقية العملية السياسية وتحقيق تطلعات الشعب الليبي الشقيق في الاستقرار والتنمية، من خلال مسار انتخابي سليم يهدف إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، مع توحيد المؤسسات الليبية في إطار حكومة جديدة وموحدة".
وخلال إحاطتها أمام جلسة لمجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا، اقترحت المبعوثة الأممية خريطة طريق تقوم على ثلاث ركائز رئيسية: إعداد إطار انتخابي سليم من الناحية الفنية وقابل للتطبيق سياسيًا، توحيد المؤسسات من خلال حكومة جديدة موحّدة، وإجراء حوار مهيكل يتيح المشاركة الواسعة لليبيين لمعالجة القضايا المهمة التي تحتاج إلى تسوية.
عددت مقاربات مصر تجاه المشهد الليبي، متأرجحة بين الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية واللوجستية، فضلًا عن البعد الاستراتيجي المتعلق بخريطة توازنات القوى الإقليمية والدولية
وتُمثل ليبيا، منذ اندلاع ثورتها في 2011، أحد أبرز الملفات الحساسة في معادلة الأمن القومي المصري، إذ تتجاوز العلاقة بين البلدين محددات الجغرافيا المشتركة الممتدة لأكثر من 1100 كيلومتر، لتشمل اعتبارات التاريخ والأمن والسياسة والاقتصاد. ومن ثمّ، لا يمكن أن تنظر القاهرة إلى هذا الملف باعتباره "مسألة خارجية" فحسب.
وعليه، تعددت مقاربات مصر تجاه المشهد الليبي، متأرجحة بين الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية واللوجستية، فضلًا عن البعد الاستراتيجي المتعلق بخريطة توازنات القوى الإقليمية والدولية، وهو ما جعل من هذا الملف أحد أكثر الملفات تعقيدًا على جدول أولويات السياسة المصرية خلال العقد الأخير.
محددات الرؤية المصرية
تنطلق القاهرة في رؤيتها للمسألة الليبية من خلال أربعة أبعاد رئيسية.
أولها البعد الأمني، إذ تُعد ليبيا إحدى منغصات أمن مصر القومي وخاصرتها الرخوة، خاصة بعد سقوط نظام القذافي وتعدد الفصائل المسلحة في الداخل الليبي وانتشار شبكات السلاح العابر للحدود، ما ألقى بظلاله على الأمن المصري.
ومن هنا شهدت الحدود المصرية–الليبية حراكًا أمنيًا لم تعرفه بقية حدود مصر، حيث تبنّت سياسة مزدوجة تقوم على تعزيز الإجراءات العسكرية على الحدود، والقيام بعمليات نوعية في الداخل الليبي، كما حدث حين استهدفت في عام 2019 بعض الأهداف التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في ليبيا. كما تتعامل القاهرة بحساسية مفرطة مع كل ما ينتمي إلى الإسلام السياسي، ولذلك كان موقفها أكثر تشددًا وصرامة تجاه التيارات المهيمنة على بعض ملامح المشهد الليبي، إذ سعت إلى مناهضتها واستهدافها بشكل مباشر وعلني ورسمي.
أما البعد السياسي، فقد سعت القاهرة إلى فرض الاستقرار وتجنب الانقسام والحرب الأهلية من خلال تبني بعض مبادرات الوساطة، كالتي أعلنتها في حزيران/يونيو 2020، ودعت فيها إلى وقف إطلاق النار والشروع في عملية سياسية شاملة. غير أن انحيازها للمعسكر الشرقي بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر على حساب حكومة طرابلس المعترف بها دوليًا أفقد وساطتها كثيرًا من النزاهة، ومن ثم من تأثيرها الميداني، وإن حاولت تدارك ذلك لاحقًا عبر فتح قنوات اتصال مع حكومة الوحدة الوطنية.
ويبرز كذلك البعد الاقتصادي، حيث تنظر القاهرة إلى ليبيا كسوق واعدة وفرصة مواتية لتحقيق عوائد اقتصادية كبيرة، ولا سيما من خلال مشاريع "إعادة الإعمار". ومن المرجح أن يكون السوق الليبي ساحة خصبة لمشاركة الشركات المصرية في مجالات البنية التحتية والإسكان والطاقة.
وقد تُرجم ذلك في السنوات الأخيرة بتوقيع اتفاقيات تعاون بين الجانبين في مجالات الكهرباء والطرق والإعمار. كما أن استقرار ليبيا يعني عمليًا استيعاب مئات الآلاف من العمالة المصرية التي تُعد مصدرًا رئيسيًا لإنعاش الخزانة المصرية بالعملة الصعبة.
وأخيرًا يأتي البعد الاستراتيجي، حيث تسعى القاهرة إلى تعزيز توازن القوى الإقليمي والدولي في المشهد الليبي. إذ ترى أن النفوذ التركي المتصاعد هناك يشكل تهديدًا مباشرًا لمجالها الاستراتيجي الغربي، لذلك رفعت في 2020 شعار "سرت–الجفرة خط أحمر" كرسالة ردع. وفي السياق ذاته، حافظت مصر على تنسيق مع قوى داعمة لحفتر مثل روسيا والإمارات وفرنسا، لكنها لم تُغلق الباب تمامًا أمام التحاور مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الداعمين لحكومة الوحدة الوطنية، مستفيدة من موقعها كفاعل إقليمي رئيسي لا يمكن تجاوزه.
ثنائية الردع والدبلوماسية
تعاطت القاهرة مع تلك المقاربات من خلال ثنائية الردع والدبلوماسية. ففي عام 2020 أعلنت ما أسمته "خطّ سرت–الجفرة" كخط أحمر لا يمكن تجاوزه في زحف الفصائل الغربية شرقًا، وهو ما أدى إلى ضبط المشهد. وجاء ذلك خاصة بعد المساعدات اللوجستية والعسكرية التي قدّمتها مصر لحفتر وجيشه بدعم إماراتي–روسي.
وعلى الجانب المقابل، اعتمدت القاهرة الدبلوماسية كمسار محوري، حيث استضافت العاصمة المصرية جولات عدة بين ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وعن حكومتي الغرب والشرق، في محاولة للتوصل إلى أرضية مشتركة، لا سيما بعد سقوط الرهان على حفتر إثر تعثّره في حسم معركة طرابلس.
استقرار ليبيا يعني عمليًا استيعاب مئات الآلاف من العمالة المصرية التي تُعد مصدرًا رئيسيًا لإنعاش الخزانة المصرية بالعملة الصعبة
ومنذ عام 2022 أعطت القاهرة الأولوية للدبلوماسية على حساب المواجهة، خصوصًا في ما يتعلق بعلاقتها مع تركيا ونفوذها داخل ليبيا، وهو ملف شديد الحساسية بالنسبة للقيادة المصرية. فقد انتقلت العلاقات من مرحلة التصعيد إلى مرحلة التهدئة والتطبيع، عقب التوصل إلى تفاهمات مشتركة بشأن ضرورة تهدئة الساحة الليبية ومنع انزلاقها خارج السيطرة.
وبين عامي 2023 و2024 تبادل البلدان السفراء بعد قطيعة طويلة، ثم عُقدت قمة 14 شباط/فبراير 2024 في القاهرة، التي أفضت إلى تفاهمات عسكرية وأمنية واقتصادية، من بينها تزويد مصر بمسيّرات تركية. وقد انعكس هذا التفاهم النسبي على المشهد الليبي بما حدّ من سباق النفوذ التصادمي وخلق مساحات للتنسيق التكتيكي.
كما لعبت التحديات الاقتصادية التي شهدتها المنطقة دورًا في إعادة نظر القاهرة في رؤيتها للأزمة الليبية. فسعت إلى ترتيب مصالحها الاقتصادية عبر ثلاثية (الإعمار، الطاقة، والعمالة)، مستثمرة البعد الإنساني كأداة دبلوماسية لتعزيز حضورها، كما ظهر إبان فيضانات درنة عام 2023 حين سارعت إلى تسيير جسر جوي للمساعدات ومشاركة شركاتها في مشاريع إنشائية بالشرق الليبي.
البرغماتية لإدارة المشهد
التفاهم المصري–التركي بشأن المشهد الليبي نقل المسار من احتمال الصدام إلى توازن ردع، ما انعكس في تعاطي الجانبين مع الملف ببراغماتية واضحة، وفتح الباب أمام تفاهمات موضوعية. وقد أسهم ذلك في خفض نبرة الخطاب السياسي والإعلامي التصعيدي، ووضع ملف الترسيم على طاولة النقاش ضمن أطر تفاوضية.
وفي النهاية، جرى تعزيز المسار الأممي من خلال تشكيل لجنة استشارية كان لها دور بارز في تقديم خارطة الطريق الأخيرة، بما ساعد على فكّ الاشتباك بين القاهرة وأنقرة، والتخفيف من حدة الضغوط التي فُرضت عليهما طوال سنوات.
ورغم ذلك، تظل التحديات ماثلة أمام هذه الخارطة، وفي مقدمتها صعوبة التوافق على الإطار القانوني للانتخابات، فضلًا عن الاضطراب الأمني وانتشار السلاح والميليشيات، ما يجعل أي عملية انتخابية عرضة للطعن أو التعطيل. يضاف إلى ذلك تآكل ثقة المواطنين في الطبقة السياسية، بما يهدد بإعادة إنتاج الانقسامات ذاتها. وبذلك يبقى المشهد الليبي مفتوحًا على كافة السيناريوهات، متأرجحًا بين التفاؤل والترقب.







