مصر في تغطية

مصر في تغطية "هيومن رايتس ووتش".. نشرة موجزة عن عنف غير موجز

طغت الانتهاكات الحقوقية على العام الماضي في مصر (أ.ف.ب)

ألترا صوت - فريق التحرير

صدر مؤخرًا تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش عن مصر والذي بدا وكأنه نشرة موجزة عن عنف غير موجز على مدى عام كامل من الانتهاكات، طالت كل الملفات الحقوقية في مصر من أول التعديلات الدستورية التي حدثت في نيسان/أبريل الماضي، مرورًا بانتهاكات حقوق الإنسان في سيناء وملف المعتقلين، وملف سيناء والإرهاب، وحتى ملفات حرية التعبير والمرأة والأقباط وغيرها مما يتصدر الواجهة عند الحديث عن ملفات الحريات والإرهاب بمصر.

قدر التقرير أعداد المحكومين بالإعدام في مصر العام المنصرم بالمئات، حيث نفذت الأحكام في 74 حالة منهم في ذلك العام

بدأ الموجز الحقوقي بالتعليق على التعديلات الدستورية وفحواها ونتائجها والأوضاع التي ترتبت عليها داخل مصر، حيث كان من أبرز نتائجها تكريس تقويض استقلالية القضاء المتآكلة بالفعل، وتعزيز سلطات الجيش داخل الحياة السياسية بمصر. التصويت جرى في مصر في جو سياسي محتقن للغاية، وبلا أي أصوات معارضة حقيقية، حتى أن مايكل بيج نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومان رايتس ووتش قال معلقًا على تلك التعديلات، بأنها "تهدف إلى خنق آمال المصريين في العيش بكرامة"، وطالب السلطات بالتوقف عن تمريرها.

اقرأ/ي أيضًا: جيش السيسي الإلكتروني.. تسريبات وفضائح فيسبوكية 

لا جديد سوى مزيد من الانتهاكات

تطرق التقرير إلى ما أصدره الرئيس عبد الفتاح السيسي الصيف الماضي وتحديدًا في آب/أغسطس عن قانون الجمعيات الأهلية الذي يكرس لمزيد من القيود على حريتها في ممارسة دورها، على الرغم من أن القانون ألغى عقوبات السجن في نسخته الجديدة المختلفة عن الصادرة في 2017، وكان البرلمان المصري قد وافق على مواده البالغة 107 مادة تحت عنوان "قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي أو المدني" بعد جلسة واحدة فقط. ويهدف القانون الجديد في جوهره إلى منع الحصول على بيانات ذات شفافية عالية منها حظر أنشطة استطلاع الرأي والبحوث الميدانية، ويلجأ إلى منع الجمعيات من ممارسة ما أسماه بالأنشطة السياسية دون تحديد لما عناه بذلك المصطلح الفضفاض، مضيفًا إليه مزيدًا من الغموض عندما ذكر "أو ما يضر بالأمن القومي"، في محاولة لجعل الجميع واقعين تحت مظلة الاتهام إذا لزم الأمر.

الإخفاء القسري والتعذيب

فيما يختص بحالات التعذيب، يُذكرالمعتقلون الأشهر علاء عبد الفتاح وإسراء عبد الفتاح، وأما فيما يتعلق بالإخفاء القسري فلعل أشهر تلك الحالات هي حالة الاختفاء الغامضة لطبيب الأسنان وعضو البرلمان السابق مصطفى النجار، الذي انقطع التواصل معه منذ عصر الجمعة الثامن والعشرن من أيلول/سبتمبر عام 2018، أثناء وجوده في أسوان.

تطرق التقرير أيضًا إلى الطريقة التي توفي بها الرئيس المصري السابق محمد مرسي في قاعة المحكمة بالقاهرة بعد ست سنوات من حبسه في ظروف افتقرت إلى الرعاية الصحية والطبية له، والتي ربما أدت بشكل مباشر إلى "مصرعه"، كما أشار التقرير في متنه.

سيناء.. المزيد من العنف والغموض

يعيش أبناء سيناء بمصر بين مطرقة تنظيم داعش في شبه الجزيرة وسندان الجيش، ويمارس كلاهما جرائمًا بحق المدنيين هناك. يذكر التقرير أرقامًا لتلك الجرائم تمحورت حول الاعتقالات التعسفية من قبل الجيش ، بـ50 حالة على وجه التحديد منها 39 حالة اختفت قسريًا، 14 من ضحاياها فُقدوا على الأقل لثلاث أو أربع أعوام. كما ذكر التقرير بأن الجانبين قد نفذا عمليات إعدام خارج إطار القانون. شملت تلك الاعتقالات أيضًا أطفالًا دون السن القانونية، وأتى التقرير على ذكر اعتراف متحدث باسم الجيش ببعض الاعتقالات التي طالت أطفالًا تم تبريرها بأنها جاءت في إطار "عمليات مكافحة الإرهاب".

الانتهاكات.. مؤشر في علو

قدر التقرير أعداد المحكومين بالإعدام في مصر العام المنصرم بالمئات، حيث نفذت الأحكام في 74 حالة منهم في ذلك العام، ومنهم من أكد التقرير على اعترافه تحت التعذيب، واُتبع بمحاكمات وٌصفت بالمعيبة.

أما حالات الاعتقالات بالآلآف فكانت في أعقاب احتجاجات وصفها التقرير بالنادرة تلك التي كانت في أيلول/سبتمبر الماضي، حيث اعتقل على إثرها النظام المصري ما يقدر بـ4400 شخص من بيهم شخصيات معروفة مثل أساتذة العلوم السياسية حازم حسني وحسن نافعة والصحفي والسياسي خالد داوود والمحامي الحقوقي محمد الباقر. كما أتى التقرير على ذكر تحالف الأمل الذي قاده نشطاء كانوا يخططون لخوض انتخابات عام 2020 من بينهم نشطاء معروفين مثل زياد العليمي، الذي يعاني تدهورًا كبيرًا في حالته الصحية، حيث حاولت أسرته الحصول على إفراج صحي نظرًا لإصابته بمرض مناعي صدري يجعل من الإقامة في السجن مؤثرًا كبيرًا على صحته.

 

حرية الصحافة في مصر: في "خبر كان"!

ذكر التقرير الحقوقي الجهود الحثيثة للنظام في منع وعرقلة العمل الصحفي الحر، بداية من حجب ما يقرب الـ600 موقع في مصر بين صحفي وحقوقي وسياسي دون إذن قضائي، بخلاف ما توازى مع هذا المنع من قانون الإعلام الجديد عام 2018 لرصد ومراقبة وسائل الإعلام، وجعلت من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سيفًا مسلطًا على العمل الصحفي في مصر لمراقبته والحد من حريته. كما صنف التقرير مصر بين أسوأ الدول بالنسبة للصحفيين الذين غالبًا ما يتم توجيه تهمة جاهزة لهم ألا وهي "نشر أخبار كاذبة".

مطاردة النشطاء: واقع مرير

المنع من السفر وتجميد الأرصدة وأخيرًا الاعتداء المباشر و"العنف الجسدي" هو الواقع الذي يعيشه النشطاء المصريون داخل البلاد، حيث منعت السلطات المصرية في وقت سابق مزن حسن رئيسة مركز نظرة للدراسات النسوية، والمحامية عزة سليمان رئيسة مركز المساعدة القانونية للمرأة المصرية من السفر، كما وثق التقرير ما جرى مع الناشط جمال عيد، من اعتداء عليه، أشارت تفاصيله إلى تورط جهات أمنية فيه كرسالة تهديد مباشرة.

اقرأ/ي أيضًا: "عاوزينه للآخر".. كتائب السيسي الالكترونية تحرجه من جديد

تواطؤ الخارج في دعم قمع الداخل

رغم كل ما سبق ذكره من قمع وانتهاكات ضد مدنيين ونشطاء، يذكر التقرير الدعم الذي يتلقاه النظام المصري من الولايات المتحدة متمثلة في إدارة ترامب، الذي التقاه عبد الفتاح السيسي في ثلاث مناسبات غير متصلة عام 2019، حصل فيها عبد الفتاح السيسي على ثناء مباشر من ترامب على ما أسماه بـ"أدائه الرائع"، هذا مرورًا بثناء بوريس جونسون على العلاقات الاقتصادية بين البلدين وانتهاءً بانتقاد إيمانويل ماكرون في كانون الثاني/يناير الماضي لحالة حقوق الإنسان في مصر بعد لقاء مع الرئيس المصري، بينما "ظلت فرنسا واحدة من الموردين الرئيسيين للأسلحة وتكنولوجيا المراقبة لمصر".  

يظل المشهد الحقوقي المصري يرزح تحت المزيد من المتناقضات، خاصة بالنسبة للأنظمة الخارجية التي تدعمه ولا زالت تراه مفيدًا

يظل المشهد الحقوقي المصري يرزح تحت المزيد من المتناقضات، خاصة بالنسبة للأنظمة الخارجية التي تدعمه ولا زالت تراه مفيدًا، حيث ذكر التقرير أيضًا الانتهاكات التي تعرضت لها البعثات الأفريقية إبان استضافة مصر للدورة الرابعة والستين للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في ظل أجواء تعسفية قمعية مُنع فيها سبعون شخصًا على الأقل من الحصول على تأشيرات للدخول، بينما تعرضت اثنتان من العضوات المشاركات للتحرش الجنسي، دون أن تتحول هذه الممارسات إلى إدانة رسمية للأجواء الحقوقية في مصر. الأهم من ذلك هو السؤال الذي يطرح نفسه حول أهلية النظام في مصر للتعامل مع حقوق الإنسان أو استضافة محافل لها علاقة بالقضية من الأساس.