مصر تعيد صياغة الدعم.. عدالة جديدة أم عبء إضافي؟
18 يونيو 2026
في خطوة تمس حياة ملايين المصريين اليومية، أعلنت الحكومة المصرية الاتجاه إلى الانتقال من نظام الدعم العيني، الذي يحصل من خلاله المواطنون على السلع الأساسية شهريًا بأسعار مدعومة عبر بطاقات التموين، إلى نظام الدعم النقدي، بحيث يحصل المستحقون على مبالغ مالية بدلًا من السلع التي اعتادوا الحصول عليها.
وأكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن تطبيق النظام الجديد سيبدأ اعتبارًا من العام المالي المقبل، الذي ينطلق في تموز/ يوليو، موضحًا أن التصور المطروح يقوم على تقسيم المستفيدين إلى شرائح حسب مستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي، مع استبعاد من تعتبرهم الحكومة غير مستحقين للدعم.
ويعد الدعم العيني، منذ عقود طويلة، أحد أهم أدوات الحماية الاجتماعية في مصر، إذ ساعد ملايين الأسر على تخفيف أعباء المعيشة، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية، فمن خلال بطاقات التموين، يحصل المواطنون على سلع أساسية مثل الزيت والسكر والأرز وغيرها، إلى جانب منظومة الخبز المدعوم، التي تمثل بالنسبة لكثير من الأسر مصدرًا رئيسيًا لتأمين احتياجاتها اليومية.
وبحسب بيانات وزارة التموين، يستفيد ما يقرب من 68 مليون مواطن من منظومة الدعم التمويني، وهو ما يجعل أي تغيير في هذا الملف شديد الحساسية اجتماعيًا، لأنه لا يتعلق بإجراء إداري فقط، بل يمس علاقة مباشرة بين الدولة والفئات محدودة الدخل، التي ترى في الدعم أحد آخر خطوط الأمان أمام موجات الغلاء.
يعد الدعم العيني، منذ عقود طويلة، أحد أهم أدوات الحماية الاجتماعية في مصر، إذ ساعد ملايين الأسر على تخفيف أعباء المعيشة، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية
وقد أثار التحول من الدعم العيني إلى النقدي حالة واسعة من الانقسام بين المصريين، بين من يراها خطوة نحو العدالة وأخرين يعتبرونها تهديدًا للحماية الاجتماعية للملايين، بما يجعل الأسر الفقيرة عاجزة عن شراء نفس الكميات التي كانت تحصل عليها سابقًا من السلع المدعومة.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تخصص فيه الحكومة في مشروع موازنة العام المالي 2026-2027 نحو 178.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية، بما يعادل نحو 3.54 مليار دولار، بزيادة سنوية تبلغ 11%، ويمثل ذلك نحو 38% من إجمالي مخصصات الدعم البالغة 468 مليار جنيه.
الداعمون: يحقق العدالة والشفافية ويقلل الهدر
بحسب رئيس الحكومة، فإن الانتقال إلى نظام الدعم النقدي لا يستهدف بأي حال من الأحوال خفض قيمة الدعم المخصص للمواطنين في الموازنة العامة، وإنما يهدف بالأساس إلى رفع كفاءة توزيع الدعم، وضمان وصوله إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
وأكد خلال مؤتمر صحفي له عقده عقب الإعلان عن بدء تطبيق النظام الجديد أن الحكومة تسعى من خلال هذا التحول إلى معالجة أوجه القصور في المنظومة الحالية، بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة الاجتماعية، ويضمن استخدام الموارد المخصصة للدعم بصورة أكثر فاعلية.
وفي الاتجاه ذاته، يرى فريق من الخبراء أن الدعم النقدي قد يمثل محاولة لإصلاح منظومة ظلت لسنوات تعاني من الهدر والتسرب، فضلًا عن عدم وصول الدعم في كثير من الأحيان إلى مستحقيه الحقيقيين، ويميلون إلى أن منح المواطن مبلغًا نقديًا مباشرًا قد يحقق قدرًا أكبر من الشفافية، ويمنحه حرية أوسع في تحديد أولوياته وشراء ما يحتاجه فعليًا، بدلًا من الارتباط بسلة محددة من السلع قد لا تلبي احتياجات كل الأسر بنفس الدرجة.
ويعتبر أنصار هذا التوجه أن التحول إلى الدعم النقدي أصبح ضرورة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها البلاد، وارتفاع تكلفة منظومة الدعم العيني على الموازنة العامة، كما يرون أن الدولة باتت مطالبة بإعادة هيكلة الدعم ضمن حزمة أوسع من الإصلاحات الاقتصادية، سواء لتقليل الهدر وتحسين كفاءة الإنفاق العام، أو للاستجابة لمتطلبات المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، التي تدفع باتجاه توجيه الدعم بصورة أكثر دقة للفئات الأكثر احتياجًا.
المعارضون: إزالة أهم جدران الحماية الاجتماعية
على الجانب الآخر، يحذر معارضون من أن الانتقال إلى الدعم النقدي بهذه الطريقة قد يحمل تداعيات قاسية على مستحقي الدعم في مصر، خصوصًا في ظل ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية بفعل التضخم، فالمبلغ النقدي، مهما بدا مناسبًا عند إقراره، قد يفقد قيمته مع الوقت إذا لم تتم مراجعته بشكل دوري، بما يحول الدعم من وسيلة للحماية إلى عبء إضافي على ملايين الأسر التي تعتمد على السلع التموينية، وفي مقدمتها الخبز والأرز والزيت، باعتبارها ركائز أساسية في غذاء البيت المصري.
ويرى أصحاب هذا التخوف أن الدعم السلعي والتمويني يمثل أحد أهم جدران الحماية الاجتماعية التي بنتها الدولة على مدار عقود، وأن أي مساس بهذا الجدار قد ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي اليومي لأكثر من 60 مليون مواطن يعتمدون بدرجات متفاوتة على السلع المدعمة، فبالنسبة لكثير من الأسر محدودة الدخل، لا تمثل بطاقة التموين مجرد خدمة حكومية، بل ضمانة شهرية تساعدها على مواجهة أعباء المعيشة وتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.
وفي نظر هذا الفريق، فإن الدعم العيني، رغم ما يعانيه من عيوب تتعلق بالهدر وسوء التوزيع وضعف الجودة أحيانًا، ظل لعقود بمثابة صمام أمان للفئات الأقل دخلًا، خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية، أما الدعم النقدي، ورغم ما قد يحمله من مزايا تتعلق بالمرونة وحرية الاختيار، فإن نجاحه يظل مشروطًا بعوامل معقدة، من بينها قيمة المبلغ المقرر، وآلية تحديثه مع معدلات التضخم، ودقة تحديد المستحقين، وقدرة الدولة على ضبط الأسواق، وضمان ألا يتحول هذا الانتقال إلى خطوة تمهيدية لتقليص الدعم تدريجيًا.
ومن هنا يطرح المتخوفون سؤالًا جوهريًا: هل يكون الدعم النقدي مدخلًا إلى منظومة أكثر عدالة وكفاءة، أم بداية لتفكيك شبكة حماية اجتماعية اعتمد عليها ملايين المصريين لسنوات طويلة للبقاء فوق خط الحاجة؟
رغيف الخبز.. أي مصير محتمل؟
يمثل رغيف الخبز للمصريين أكثر من مجرد سلعة غذائية؛ فهو شريان الحياة اليومي لملايين الأسر، والخط الأحمر الذي حرصت الحكومات المتعاقبة على عدم الاقتراب منه طوال عقود، ولعل التجربة الأبرز في هذا السياق كانت في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، حين أثارت محاولة المساس بأسعار الخبز والسلع الأساسية موجة غضب واسعة عُرفت باسم "انتفاضة الخبز" في 18 و19 كانون الثاني/يناير 1977، ما دفع الدولة حينها إلى التراجع سريعًا عن قراراتها.
ظل الرغيف في الوعي المصري رمزًا للأمان الاجتماعي والغذائي، وحائط صد حقيقي أمام الجوع للفئات غير القادرة، فطالما وُجد الخبز المدعوم، ظل الحديث عن الجوع الكامل في مصر بعيدًا عن التصور الشعبي، لأنه كان متاحًا للجميع وبكميات تكفي، بل وتزيد أحيانًا عن الاستهلاك الفعلي، لذلك لم يكن الرغيف مجرد عنصر على مائدة الطعام، بل ضمانة يومية بأن الحد الأدنى من الغذاء سيبقى حاضرًا مهما اشتدت الأزمات.
وعبر تاريخه، مر رغيف الخبز المدعوم بعدة محطات سعرية؛ إذ بدأ بنصف قرش في سبعينيات القرن الماضي، ثم ارتفع إلى قرشين (الجنيه يساوي 100 قرش) عام 1984، قبل أن يصل إلى 5 قروش عام 1988، ويبقى عند هذا السعر لمدة 36 عامًا كاملة، وفي عام 2024، ارتفع سعره إلى 20 قرشًا، في قرار أثار جدلًا واسعًا، خاصة أنه جاء في ظل أوضاع اقتصادية صعبة وتراجع كبير في قيمة العملة المحلية.
أما اليوم، ومع الحديث عن الانتقال إلى نظام الدعم النقدي، يبرز رقم أكثر حساسية، إذ قد يصل سعر رغيف الخبز إلى 150 قرشًا، وهو ما يعني أن سعر الرغيف قفز عشرات المرات خلال أقل من نصف قرن، وهذه الزيادة لا يمكن فصلها عن واقع ملايين الأسر التي تعتمد على الخبز كعنصر رئيسي في غذائها اليومي، لا كسلعة هامشية يمكن الاستغناء عنها.
وتزداد الأزمة تعقيدًا حين لا يتعلق الأمر بالسعر وحده، بل بوزن الرغيف أيضًا، الذي تراجع من نحو 130 غرامًا إلى 70 غرامًا، أي ما يقارب النصف تقريبًا، وبذلك يجد المواطن نفسه أمام رغيف أصغر حجمًا وأعلى سعرًا، في معادلة تضغط مباشرة على الأمن الغذائي للفئات محدودة الدخل، وتطرح تساؤلات جدية حول قدرة الدعم النقدي على تعويض ما كان يمثله الخبز المدعوم من حماية يومية ثابتة.
مطالب بتوفير ضمانات واضحة
أثارت منظومة الدعم النقدي بصيغتها المطروحة قلقًا واسعًا لدى عدد من النواب، الذين حذروا من انعكاساتها المحتملة على ملايين المواطنين، مطالبين بضمانات واضحة تمنع تحول النظام الجديد إلى عبء إضافي على الأسر محدودة الدخل.
وفي هذا السياق، حذر عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، فريدي البياضي، من المساس بمنظومة دعم الخبز قبل توافر آليات حماية كافية للفئات المستفيدة، مؤكدًا أن الخبز سلعة أساسية ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي للمواطنين، وأن أي تغيير في طريقة دعمه يحتاج إلى دراسة دقيقة لتداعياته الاجتماعية والاقتصادية، وتأتي هذه التحذيرات في ظل استمرار الضغوط التضخمية، رغم التراجع النسبي في معدلات التضخم خلال الأشهر الأخيرة.
ويرى البياضي أن نجاح التحول إلى الدعم النقدي لا يتوقف على قيمة المبلغ عند بدء التطبيق فقط، بل على قدرة الدولة على تحديثه باستمرار بما يضمن حصول المواطنين على الاحتياجات نفسها التي كانت توفرها منظومة الدعم العيني.
كما شدد على أن تفاصيل النظام الجديد لا تزال غير مكتملة، سواء فيما يتعلق بآليات التطبيق أو معايير الاستحقاق أو مصير دعم الخبز، داعيًا إلى إعلان البيانات والتفاصيل كافة قبل اتخاذ أي خطوات تنفيذية، حتى لا يتحول إصلاح منظومة الدعم إلى مصدر جديد للقلق لدى ملايين الأسر.