مصر.. انقلاب الانقلاب على فلسطين

مصر.. انقلاب الانقلاب على فلسطين

المجلس العسكري يحمي السفارة الإسرائيلية في مصر (كارلوس لطوف/ لبنان- البرازيل)

تصطبح القاهرة في هذه الأسابيع على أخبار عدة، إلى جانب الأخبار القصيرة عن الحراك الفلسطيني ضد المستوطنين الصهاينة التي لا تحظى بمساحة كبيرة في الصحف المصرية. فالتغطية الإعلامية في مصر للحراك تنذر بتغيير مخيف في تكوين الطبقة الحاكمة، من سماته اعتبار الفلسطينيين العدو الحقيقي لمصر والمستوطنين الصهاينة شهداء.

ثمة تغيير مخيف في تكوين الطبقة الحاكمة، من سماته اعتبار الفلسطينيين العدو الحقيقي لمصر

وسط هذا كله نرى لا مبالاة من محرري الصحف المصرية تجاه فلسطين، بمقدار ما نرى تضامنًا مع إسرائيل على أساس أنها الحليف الطبيعي لمصر، وعلى هذا الأساس يُشيطنُ الشعب الفلسطيني، ويُقدّم على أنه بالأساس شعبٌ عنيف وعدو لمصر. لعل خير هذه الأمثلة مقال لأحد كوادر الأحزاب المصرية الليبرالية "الثورية" التي تأسست بعد 25 يناير، "حزب المصريين الأحرار"، الذي جاء تحت عنوان إسرائيل ليست عدوًا. هذه هي حرية التعبير، التعبير عن السلام مع إسرائيل، في مقابل الاكتفاء بمانشيتات صغيرة عما يحدث في "فلسطين" بعيدًا عن مصر.

لكن قبل الاعتراض على هذه الظاهرة، علينا أن نسأل ما الذي يفسر التغيير في التغطية بعدما كان مبارك يسمح بالمظاهرات ضد إسرائيل خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، أليس لكي يشرعن وجوده في الحكم من زخم هذه المظاهرات المعنوي؟

وسط هذه الأخبار، يلاحظ القارئ خبرًا آخر قد يبدو للوهلة الأولى لا يتعلق بفلسطين، لكن له دلالات لعلها أهمّ من الأخبار المتداولة عن سقوط ضحايا فلسطينيين في كفاحهم ضد جيش الاحتلال. هذا الخبر هو قرار محكمة الأمور المستعجلة، في مجلس الدولة، حفظ الدعوى المقامة ضد رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات المستشار هشام جنينة، وإحالتها إلى هيئة مفوضي الدولة التي طالب فيها المُدعي بعزل هشام جنينة. وبعد هذا الخبر يلاحظ القارئ خبرًا آخر عن مؤامرة أمريكية لزعزعة أمن مصر بالتعاون مع تركيا. إذًا، ما العلاقة بين الخبرين السابقين وبين رفض الإعلام تداول ما قد يسفر عن انتفاضة فلسطينية ثالثة؟

يتولى هشام جنينة أكبر منصب مستقل في مصر في مكافحة الفساد، قاضٍ له أعداء كثيرون يحاولون تلفيق قضية تخابر مع حماس لكون زوجته مصرية من جذور فلسطينية، الأمر الذي تطلّب نفيه تقديم سردية على أنها من عائلة "فتحاوية"، وأن لها أقارب في السلطة الفلسطينية، فـابن عمها كان الطيار الشخصي لأبي مازن، وأحد أقاربها كان سفير السلطة في ليبيا. من هنا تظهر أول بذور العنصرية المصرية ضد الفلسطينيين، والحساسية تجاه تجنيس بعضهم بالجنسية المصرية.

في مصر، يكفي فقط أن تشير إلى أن مسؤولًا كبيرًا له زوجة من أصل فلسطيني حتى تقضي عليه

في بعض مسلسلات الجواسيس، يلجأ الأعداء إلى طرق معينة لطمس شخصية عامة، منها مثلًا الكشف عن العلاقات الجنسية، لكن في مصر يكفي فقط أن تشير إلى أن مسؤولًا كبيرًا له زوجة من أصل فلسطيني. أما أخبار المؤامرة الأمريكية فهي في غاية الأهمية كي لا تسقط الحقوق الحصرية لطرح المؤامرات من الطبقة الحاكمة، فبجرة قلمٍ يصير لمصر عدو واضح، ليس إسرائيل بالطبع، حاشا لله أن تكون إسرائيل هي المؤامرة، المطلوب هو الصراخ بأعلى الصوت للتنديد بأمريكا، لكن ليس أمريكا فحسب، ربما نحتاج أن نضيف تركيا لكي تزيد الحبكة الدرامية إثارة، وبذلك تسحب الطبقة الحاكمة البساط من تحت من يلوم إسرائيل على أنها المشكلة. أما فلسطين فهي لُبّ المؤامرة كما في عملية التلفيق ضد المستشار هشام جنينة.

هي ذات الحساسية لبعض من في المعسكر الثوري الليبرالي المصري ممن رفضوا اقتحام السفارة الإسرائيلية في مصر ردًّا على مقتل جنود مصريين على الحدود، وقالوا إننا لم نر في "ثورة 25 يناير" أحدًا يمزق العلم الإسرائيلي. من هذا المنطلق، نعود إلى كوادر الأحزاب الليبرالية، حيث يرد الليبرالي المصري المخضرم لا يوجد مؤامرات في مصر، لقد سئمنا من كل هذه الأحاديث التي تعطل مسيرتنا، ليس هناك مؤامرة إلا الفقر والجهل في مصر. 

بلمح البصر يتكوّن للمصري رأي يرى فيه "المنطق" بأن علينا أن نركز على أنفسنا من أجل التقدم، وعلينا في الوقت نفسه أن نتجاهل فلسطين، ففلسطين لم تأت لنا إلا بـ"الفلس" و"الطين". وأن علينا أن نعتبر إسرائيل دولة مجاورة لها مصالح مثلما لنا مصالح أيضًا، وأن هناك مصالح مشتركة مثل استيراد الغاز منها، بعد ما كانت مصر تصدّر غازها إلى إسرائيل بأبخس الأسعار.

من زاوية الحكم الرشيد، ومن خلال الأمر الواقع الذي يفرض نفسه على مصر بقوة، لا قوة الهيمنة الأمريكية في إيقاف برامج التسليح المشتركة مع باكستان مثلًا، أو برامج تصنيع السلاح محليًا التي أوقفت بعد معاهدة كامب ديفيد، أو تأجيج معدل اعتماد مصر على محاصيل أمريكية تتسبب في نزيف في الميزان التجاري.. من خلال ذلك كله، يصير هناك خطاب يطالب بالتقارب مع إسرائيل بحذر، لكي ينظر كل فصيل للآخر ويقول: دَعهُ يعمل دَعهُ يمر. وإذا كانت ضريبة هذا العمل هي التضامن مع الفلسطينيين من حين إلى آخر فلا عيب في ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: 

انتفاضات الفلسطينيين بين الوعي الفطري والتاريخي

انتفاضة السّلاح الأبيض