مصر.. الدولة تحمّل غرقى رشيد

مصر.. الدولة تحمّل غرقى رشيد "ذنب" موتهم

بدلًا من الوعد بالعمل على تحسين الظروف التي تدفع الشباب لمغامرة الهجرة، اتهمت الدولة "غرقى مركب رشيد" بالطمع والتكاسل عن العمل في مصر (Getty)

سنوات من المعاناة مع العطالة والبطالة والجلوس على المقاهي، جعلت شباب مدينة رشيد يبحثون عن أمل جديد في الدول الأوروبية، لكن القدر أبى أن يفارقوا الوطن، فسقطوا إلى قاع البحر المتوسط، بعد مدة لم تزد على نصف ساعة، من إبحار نحو 450 شخصًا على متن السفينة «الرسول1» في هجرة غير شرعية، وفق رواية عشرات الأهالي والصيادين القابعين على كورنيش هذه المدينة التي كُتب عليها أن يحكي التاريخ رواية مأساوية عنها بدلًا من البطولات التاريخية التي كانت جزءًا منها وقت الاحتلال البريطاني.

من بين حوالي 500 شخص كانوا على متن مركب رشيد، تم إنقاذ 166 شخصًا، وانتشال 164 غريقًا، بينما ينتظر العثور على عشرات الضحايا الآخرين

في منطقة تُسمى رشيد، تقع آخر نقطة تفتيش لقوات حرس الحدود المصرية، قبل اتصال مياه النيل من ناحية رشيد مع مياه البحر المتوسط، بدت ملامح المأساة على وجوه أهالي الضحايا الذين افترشوا الأرض في انتظار وصول جثامين جديدة للتعرف عليها، بعدما لم يجدوا ذويهم بين الناجين، أو بين الجثث التي تملأ ثلاجات مستشفيات محافظة البحيرة.

اقرأ/ي أيضًا: السيسي في الأمم المتحدة..لقاءات ورسائل وكوميكسات

أحد أفراد وزارة الداخلية هناك، قال رافضًا الإفصاح عن هويته: «ليس لدينا قائمة كاملة لمن كانوا على المركب، لكن قمنا بتسجيل أسماء الناجين الـ163، وسجلنا أسماء الضحايا الذين تم التعرف على جثثهم، إضافة إلى أننا نقوم بحصر أسماء الضحايا الذين كانوا على المركب عن طريق ذويهم الذين حضروا للبحث عن أبنائهم، ووصل عددهم إلى 450 شخصًا بينهم على الأقل 110 من الأفارقة الذين تم التعرف عليهم من خلال 34 من الناجين الأفارقة».

ويبدو أن إفشال الجهات المعنية والأجهزة الأمنية للعديد من رحلات الهجرة غير الشرعية لا يمثل إلا جزءًا يسيرًا من الحقيقة، فقد قال أحد رجال مباحث شرطة رشيد التي تُعد أكثر البوابات رواجًا لخروج السفن المهاجرة: «تقريبا نحبط أكثر من 20 رحلة هجرة في الشهر الواحد، وهذا لا يمثل أكثر من 50٪ على الحد الأقصى للرحلات التى يتم تنظيمها من محيط بوغازي رشيد النقطة الأسهل في السفر». وأوضح أن ظاهرة الهجرة غير الشرعية تفشت بقوة مع بدء عودة المصريين العاملين بليبيا، لا سيما أن هذه العصابات قد وضعت خططًا لنقل سوق الهجرة إلى مصر بعد فقدانهم النفوذ على سواحل ليبيا في ظل الحرب الدائرة هناك، وتخوف راغبي الهجرة من الذهاب إليها خشية الموت على يد تلك القوات.

العشرات موجودون على شاطئ مدينة رشيد، الذي لا يبعد إلا أمتارًا قليلة عن مقر نقطة تفتيش حرس الحدود، وبالتحديد في المنطقة التي يسميها الأهالي برج رشيد، والكل أجمع على أن المركب كان يحوي أعدادًا لمواطنين تفرقت جنسياتهم بين المصرية والعربية والأفريقية وحتى الإندونيسية، بين 470 شخصًا إلى 650 شخصًا، ووفقًا للبيانات التي نشرت على صفحة المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة المصرية فإن أعداد من تم إنقاذهم بلغت 166 شخصًا، وانتشال نحو 57 جثة، الأمر الذي يشير إلى مقتل من لم يخرجوا من البحر حتى الآن.. لكن الرقم الرسمي حتى الآن 162 غريقًا، والرقم، الذي جرى على لسان الناجين هو 300 «قتيل» لم ينتشل منهم إلا القليل حتى الآن.

ووفقًا لروايات الناجين فإن المركب غرق لحظة اختلاف اثنين من سماسرة الهجرة غير الشرعية على ثمن تحرّك مركب ثانية، فاضطر الأول إلى نقل جميع الركاب إلى مركب واحد، ما أدّى إلى ثقله، وعدم قدرته على تحمّل الأعداد الضخمة.. فغرق.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا ترامب هو مرشح الأحلام لداعش؟

الدولة تتهم الغرقى بالطمع

في تحقيقات حادث غرق مركب "رشيد"، قالت النيابة العامة إن المتهمين المتورطين في سفر الضحايا حصلوا على 30 ألف جنيه من المصريين، و20 ألف دولار للأفارقة (مصادر أخرى تشير إلى أن الأفارقة يدفعون ما يتراوح بين ألفي وثلاثة آلاف دولار). وتبنّت الدولة -عبر مندوبيها في الصحف والفضائيات- موقفًا يتساءل: لماذا تهاجر وأنت تملك 30 ألف جنيه مصري، "افتح بهم مشروعًا".

بدلًا من الوعد بالعمل على تحسين الظروف التي تدفع الشباب لمغامرة الهجرة، اتهمت الدولة "غرقى مركب رشيد" بالطمع والتكاسل عن العمل في مصر

وقال إبراهيم الجارحي، وهو كاتب مناصر للنظام المصري، على حسابه الشخصي بموقع فيسبوك: "اعرف شخص دفع 8000 جنيه في مشروع زراعة فوق السطوح وبيزرع فراولة أورجانيك من غير كيماويات ولا مبيدات وبيبيعها لمحلات كبيرة بتبيع العبوة ربع كيلو بتسعين جنيه.. السطح المزروع مساحته 80 متر وبيكسب في السيزون الواحد 25 ألف جنيه ومش عايز يسافر في هجرة غير شرعية ولا عايز يغرق في البحر".

ما يقوله "الجارحي" يلخّص ما يروّج له النظام في مصر: إدانة للمهاجرين "غير الشرعيين"، وتحميلهم -هم وذويهم- المسؤولية الكاملة لما جرى، بقولهم: "كان يمكنهم العمل في بلدهم بدلًا من المخاطرة بحياتهم في عرض البحر على سواحل رشيد بشكل غير شرعي".

استجاب الأمن مع فكرة أن "المهاجرين مذنبون"، ويتحملون الذنب كاملًا، وليس جزءًا منه، فربط من نجوا منهم ولا يزالون بمستشفى "رشيد" العام، في الأسرّة بـ"الكلابشات" تمهيدًا لتقديمهم للمحاكمة، قبل أن يخلي سبيلهم بعد الهجوم الشعبي على هذه الخطوة.

جاء الردّ من اقتصاديين -احتسبوا على ميدان المعارضة- بالاعتراض والاستنكار، ويقول خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، لـ"الترا صوت" إن المبالغ التي أنفقها الفرد الواحد في حلم الهجرة لا تساوي شيئًا الآن في مصر، خاصة بعد الغلاء الشديد الذي تواجهه الأسعار الآن، وعدم وجود فرص عمل، وبالتالي يعتبرون دفع مبلغ 30 ألف جنيه استثمار، فهو سيكسب أضعافهم حين يصل إلى إيطاليا، ويسوّي أموره، ويحصل على إقامة دائمة". يتحدث "الشافعي" عن خيال بعضهم، الذي يصوّر أن كل الأمور ستكون جيدة، سيصل إلى الشواطئ الإيطالية، ويعمل -في الخفاء- إلى أن تسوّي الدولة أمورها معه.

وأضاف: "المبلغ الذي يهاجر به شخص واحد بلا قيمة الآن. أي مشروع تجاري يتكلّف -على الأقل- ربع مليون جنيه، ويواجه احتمالية الفشل، التي تكون أكثر من النجاح في بلد يعاني اقتصاديًا".

ويلوم خبراء اقتصاديون آخرون الدولة على تركها للشباب فريسة لسماسرة الهجرة غير الشرعية دون عمل أو اكتفاء ذاتي، الذين يضحكون عليهم تحت وطأة حلم الثراء السريع، خاصة أنه ينجح في بعض الحالات، ويحقق أرباحًا ضخمة فأمام كل مركب تغرق 10 مراكب تعبر إلى البرّ الثاني، وتنجح: "ثمن الهجرة غير الشرعية يساوي 3 موبايلات (آي فون)".

ولتحمّل الدولة المهاجرين ذنبًا دينيًا إلى جانب العقاب الدنيوي، فتحت جانبًا آخر من الجدل، يلوم المهاجرين "غير الشرعيين"، ويحمّلهم وزرًا شرعيًا باعتبارهم "طمَّاعين"، كل ما جرى لهم عقوبة إلهية على طمعهم في حياة رغدة بأوروبا بينما الإسلام يحب الفقراء، ويستند إلى فتوى قديمة -ومتجدِّدة- لعلي جمعة، مفتي مصر السابق، حين قال عام 2007 أمام جمع من طلاب جامعة القاهرة: "ما الذي يدفع شابا لينفق 25 ألف جنيه مقابل السفر؟ في حين أن هذا المبلغ يضمن له بدء مشروع في بلده"، وأكد "أن رجل الإطفاء الذي يموت وهو يؤدي عمله يعتبر شهيدًا وكذلك الذي يعمل على مركب ويموت غرقا فهو شهيد، أما الذين غرقوا قبالة السواحل الإيطالية فهم ليسوا شهداء لأنهم لم يذهبوا في سبيل الله وإنما ذهبوا من أجل أطماع مادية وألقوا بأنفسهم في التهلكة في نوع من المغامرة".

وتجدَّدت الفتوى مرة أخرى حين أيّدها بعض علماء "الأزهر"، وصرَّح بها علي جمعة -مرة أخرى- لصحيفة "الزمان" المصرية، المملوكة لإلهام شرشر، زوجة حبيب العادلي، وزير داخلية "مبارك".

اقرأ/ي أيضًا:

أشرف مروان..كيف تجاهلت إسرائيل جاسوسها الأثمن؟

ترامب يلحق بكلينتون في استطلاعات الرأي