مصر التي تنتحر

مصر التي تنتحر

تنتحر أمة ما حين تترك تقرير مصالحها العليا في يد من يعمل ضدها بتأييد شعبي ومباركة أهلية (Getty)

من يعرف قصة نومانسيا؟ المدينة التي قتلت نفسها قبل أن يدخلها الغزاة. هل ما فعلته نومانسيا كان هروبًا من القتال؟ هل كان انتحارًا مشرفًا كما يريد التاريخ له أن يبدو؟ كانت إسبانيا وقتها خاضعة للحكم الروماني. كانت مقاطعة رومانية مهمة. وكان معروفًا عن الرومان ولعهم بالعنف والبطش. 

عمليات البيع المستمرة  لثروات مصر وهدم العملة الوطنية وبيع الأراضي وإسناد المشروعات بالأمر المباشر

وصف محمد كامل حسين في أحد مشاهد روايته الجميلة عن المسيح "قرية ظالمة" أن الجنود الرومان حين قرروا معاقبة أحد جنودهم العصاة، ربطوا أطرافه الأربعة بأربع أحصنة قوية ثم أمروا أن تركض فركضت، حتى تفسخ الجندي المسكين.

بشجاعةٍ حاول أهل نومانسيا الاستقلال عن الإمبراطورية العظيمة، إلا أن الأباطرة الرومان الذين يُعبدون موتى وأحياء، وتُعبد زوجاتهم أبوا إلا أن يلقنوا نومانسيا درسًا لن تنساه. عرضت نومانسيا الصلح على ملكها شيبيون إيميليان فرفض، وهتف في الوفد الآتي أننا سندخل دخول الغزاة المنتصرين. جمع أهل المدينة كل ثرواتها في الساحة الرئيسة وأحرقوها. وجعلوا يقتلون أنفسهم بأيديهم فكان الرجل يقتل زوجته وأبناءه ثم يقتل نفسه، فدخل المدينة من دخلها من الرومان على جثث أبنائها وعلى حرائق ما يمكن لهم أن يغنموه. 

كتب ثيربانتس رائعته "دمار نومانسيا" التي وقعت تحت الحصار الروماني ستة عشر عامًا، على أنها المدينة التي اتخذت قرارها في أربعة أيام. أشرد في محاضرة التاريخ الروماني في إسبانيا وأسأل نفسي: هل هربت نومانسيا من القتال؟ في ثقافتنا المنتحر هارب. في وعيي المنتحر ينشد راحة أبدية لمعاناته. هل تنتحر مصر؟ أم أنها تتعرض لعملية إخصاء في إرادتها وثرواتها وإمكاناتها، كتلك العمليات التي تتعرض لها الأمم تحت الاحتلال الداخلي الديكتاتوري الذي يزخر التاريخ بالأمثلة الكثيرة عنها. عمليات النهب والتخريب مخيفة. الأرقام موجودة ومتوفرة لمن يريد أن يقرأ.

يوردونها كل موارد الموت، وفي كل مرة يفضحهم عملهم الأسود، لكن عمليات البيع المستمرة لثروات مصر وهدم العملة الوطنية وبيع الأراضي وإسناد المشروعات بالأمر المباشر وحرب الماء القادمة، وسد يُبنى في أثيوبيا، وآخر يُجهز لبنائه في أوغندا، واتفاقيات تورد البلاد موارد الفقر، والهلاك المستعجل سيجعل مصر تنتحر.

نحن لاجئون في بلادنا على أرصفة شوارعها وفي حاراتها

هل ينتحر المصريون؟ ينتحرون بحنينهم لأيام الديكتاتورية المستقرة. أيام كان أبناؤهم خارج المعتقلات أحياء يتجولون في شوارع البلد، دون ضرورة لإبراز هوياتهم في كل شارع لضباط يشكون الملل والفراغ؟ هل ينتحرون وهم يبررون ما يحدث لخصومهم، ويقبلون القذارة ويشربون ويأكلون ويمشون في الأسواق ونظراؤهم من المواطنين يُقتلون ويختفون قسريًا ويسجنون ويتم إعدامهم بتهم ملفقة؟ هل ينتحرون وهم يرون كيف يتم تنفيذ أجندة الصهاينة على حدودها وتفريغها من تراكمها البشري الذي هو كل ثروتها ودرعها في مقاومة المحتل؟ هل تنتحر وهي تسمي المحتل الغادر ضيفًا وشريكًا، وتمنحه ما لم يمنحه غيرها من الخدمات المجانية التي تهدد مستقبلها الأمني لسنوات طويلة؟

تنتحر أمة ما حين تترك تقرير مصالحها العليا في يد من يعمل ضدها بتأييد شعبي ومباركة أهلية. التطبيع مع الفساد وتبرير السياقات الفاشية والعجز عن التفريق بين الأكاذيب والوقائع، انتحار. نحن لاجئون في بلادنا على أرصفة شوارعها وفي حاراتها. الناس في العالم كله تحب المطر ونحن لا نتفاءل به لأنه يُغرق بيوتنا ويقتل أطفالنا. 

نجا من مقتلة نومانسيا الجماعية طفل صغير. هرب من أبيه وهو يريد أن يقتله. سكن منارة مهجورة. كان الولد يريد أن يعيش ليروي ما حدث للغزاة علهم يتخذونه خادمًا. لكن الطفل ما إن رأى الجنود الرومان وهم يدخلون المدينة مدججين بالسلاح والعتاد، خاف، لم يتحمل فكرة أنه لا يزال حيًا. صعد إلى أعلى المنارة وألقى بنفسه منها. كان صوت ارتطامه بالأرض أول صوت يسمعه الجنود الرومان بعد دخول المدينة.

اقرأ/ للكاتبة:

سكاكين المطابخ هي الإرهاب!

اغتيال الإسكندرية