مصرع البغدادي.. تجسيد الخرافة وتصفيتها!

مصرع البغدادي.. تجسيد الخرافة وتصفيتها!

زعيم تنظيم داعش الإرهابي، أبو بكر البغدادي (1 NEWS)

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المولع بالأشياء الكبيرة؛ انتقل منذ فجر الأحد الماضي، للإعلان عن إنهاء دور زعيم تنظيم داعش الإرهابي، إبراهيم عواد السامرائي الشهير بـ"أبي بكر البغدادي"، الذي احتل منطقة الخوف والقلق من العقل المغربي بشكل مروع، وخادع جدًا.

تاريخ البغدادي هو تاريخ داعش؛ كلاهما ولد في لحظة فارقة من حروب نفط أشعلت القتال في بؤر متقاربة، ليكون إمدادها بالعنف والسلاح منطقيًا

تاريخ البغدادي هو تاريخ داعش، وكلاهما ولد في لحظة فارقة من حروب النفط، التي أشعلت القتال في بؤر متقاربة، ليكون إمدادها بالعنف والسلاح منطقيًا.

اقرأ/ي أيضًا: بعد مقتل البغدادي في سوريا.. هل انتهى تنظيم الدولة الإسلامية؟

قال ترامب في مؤتمر صحفي وبسذاجة رجل تشبع بأفلام هوليوود إن البغدادي قتل في نفق بعد أن فجر نفسه بسترة ناسفة، وذلك بعد عملية خطيرة للغاية نفذتها القوات الخاصة الأميركية، أو كما وصفها ترامب: "كان البغدادي يركض في نهاية نفق ويبكي، ووراءه ثلاثة من أطفاله، خلال ملاحقة الكلاب البوليسية له. بعد ذلك قتل نفسه وأطفاله بتفجير حزامه الناسف".

 ولم يُجب رجل البيت الأبيض على أسئلة من شاكلة: لماذا فجر نفسه في أطفاله ولم يفجرها في المطاردين، أو حتى في الكلاب البوليسية؟ ولماذا اختارت القوات الأمريكية الخاصة قتل زعيم تنظيم داعش في هذا الوقت تحديدًا بين يدي حقبة جديدة؟

بل كيف تمكنت أمريكا من الكشف عن الحمض النووي خلال ساعات قليلة، وهي لا تملك عينة سابقة من دمه، خصوصًا إذا كان التحليل الوراثي يحتاج إلى أسبوعين على أقل تقدير؟ والأهم من ذلك أيضًا، أن زعيم تنظيم داعش قُتل في إدلب، المنطقة التي تسيطر عليها جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة، وهي في عداء معلن مع داعش، لا تصلح أبدًا كمنطقة آمنة لاختباء رجل مطلوب بشدة!

ليس مهمًا الإجابة على تلك الأسئلة، بقدر الحاجة للتفكر فيها، وتركها تطفو على بحيرة من الشكوك، يتعين عليها أن ترشدنا للصواب، أعني هذه الشكوك، لأن العالم لا يدار من وراء شاشة "بلازما" نستشف منها كل الصور والحقائق. 

عطفًا على ذلك، تبدو قصة داعش نفسها وزعيمها أبو بكر البغدادي أشبه بالأحاجي القديمة: الوحش والسوسنة، الغول وفاطمة السمحة، أو سيارة الدم؛ عندما تبدو الحكايات محض فخ لتخويفنا ومنعنا من الحركة بعيدًا عن البيوت، أو تنويم الصغار عنوة، وتوخي الحذر بنسج الأساطير. لكن أحدًا لم ير الغول ولا الوحش مطلقًا وهو يهيم بوجهه في البرية.

صك مصطلح الإرهاب يحتاج إلى دعاية سوداء، أو مقدمات تسوغ الحرب على كل ما يمكن أن يوصم به، وبالتالي لا مفر من توليد تصورات غرائبية، أو الهروب للتاريخ والبحث عن حقبة ظل العقل مشدودًا إليها، كالخلافة مثلًا وتاريخ هزائم وانتصارات الإسلام والمسيحية؛ لأن فكرة الخلافة بقدر ما أنها تثير مخاوف الغرب عمومًا وزهو الشرق، فهي أيضًا المارد الذي يمكن أن ينبعث في أي لحظة ويهدد انتصارات الحضارة الجديدة. 

كما يُمكن استخدامها أيضًا ذريعةً لحجب قوافل الهجرة، وشيطنة الآخر، ولتبرير العنف ضد العرب. وهنا يبدو داعش مجرد إيذاء موازٍ يصحب التهديد الحقيقي، وهو الاستعمار الجديد لبلداننا ونهبها.

ومع الحاجة إلى خلق بؤر عنف في عالمنا، وتبرير مكافحة ما يسمى بـ"الهجرة غير الشرعية"، تنامت كذلك مشاعر الكراهية ضد المسلمين في الغرب، الذين احتفظوا بخصوصيتهم، بالتالي برزت موجة الإسلاموفوبيا، كما أعادها الكاتب المثير الجدل ميشال ويلبيك إلى منصة الأضواء، إذ دفع للمكتبة برواية "استسلام"، لتحظى بدعاية مزلزلة.

تطرح هذه الرواية سيناريو افتراضيًا عن أسلمة فرنسا خلال سنوات قليلة. ولا يتوانى ويلبيك عن دفع الهجوم عليه، بالادعاء بأن الرواية محض عمل تخيلي، يفترض ألا يُؤخذ بشكل حرفي. 

لكنك إذا تتبعت مسار الرواية وأسقطتها على الواقع، تستطيع أن تفتل على جديلتها حقيقة بائنة هي أن ميشال ويلبيك يطلق إشارة تنذر بالخطر، لا سيما وأنه استوحى اسمها من "الإسلام"، لتثير ردة الفعل المطلوبة، وتضع الجرس على رقبة الديك الفرنسي. هذا إلى جانب محاولة الكاتب تعزيز النزعة الشعبوية، والطَّرْق على نتائج تقود لها المقدمات الافتراضية.

وهو ما يبدو حتميًا حين تحلق الرواية في فضاء عام 2022 أي مع بزوغ فجر ﺍﻟﻮﻻﻳﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ لإيمانويل ماكرون، حيث تبدو ﻓﺮﻧﺴﺎ، في الرواية، ممزقة ﻭﻣﻨﻘﺴﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻬﺎ، ليفوز ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ، ﺯﻋﻴﻢ ﺣﺰﺏ "ﺍﻷﺧﻮﻳﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ" ﻋﻠﻰ ﺯﻋﻴﻤﺔ ﺍﻟﺠﺒﻬﺔ ﺍﻟﻮﻃﻨﻴﺔ ﻣﺎﺭﻳﻦ ﻟﻮﺑاﻦ، وقد حصل عباس لتوه ﻋﻠﻰ ﺩﻋﻢ ﺃﺣﺰﺍﺏ ﻳﺴﺎﺭﻳﺔ ﻭيمينية على السواء. 

وفي الرواية، يقدم ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ﻧﻔﺴﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ "ﻣﺴﻠﻢ ﻣﺪﺍﻓﻊ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﻴم الدينية، وقيّم على المجتمع بصورة أبوية"، كما أنه يشجع ارتداء الحجاب وتعدد الزيجات وقصر تواجد النساء على بيوتهن. 

إنها رواية كفيلة بصناعة تيار متطرف من الجانب الآخر. أما إذا كانت محض عمل تخيلي، فما الذي يمنع من أن تكون داعش كذلك عملًا تخيليًا بذات المنطق؟!

بالنسبة للمناطق الحدودية بين العراق وسوريا، فهي تعتبر بمثابة قلب "خلافة" داعش. وقد اختيرت بعناية. هذا إلى جانب أهم ومضات الظهور البغدادي، الذي سمعنا به لأول مرة في العام 2014، وذلك عندما اجتاح رجاله ثلث العراق ونصف سوريا المجاورة، وأعلنوا "دولة الخلافة" المزعومة. 

صعد البغدادي المنبر وقتها مرتديًا عصابة سوداء على رأسه، وبلحية مرسلة كقاطني الصحراء، وساعة على معصمه ماركة "روليكس" السويسرية. قبل ذلك كان البغدادي ظهر باسم أبو دعاء. وهو في كل ظهور له، يبعث أسطورة الإرهابي الخطير، مجددًا، حتى لا تموت.

لكن الداعشي الغامض كان لا بد أن يموت، كما اختار له صانعه؛ لأن دوره انتهى. وهو دور محكوم بمواقيت زمنية وأهداف خفية، أهمها ربما جمع كل الأصوات المتشددة في رقعة جغرافية واحدة والقضاء عليها. إلى جانب تخويف القارة العجوز من تدفق المهاجرين واللاجئين.

 كل يوم تشعر أن داعش محض خرافة تم تجسيدها وتصفيتها، وأن هنالك من يثير كل هذا الدخان ليمرر ما يريده من تحته

ومع ذلك كل يوم تشعر أن داعش محض خرافة تم تجسيدها وتصفيتها، وأن هنالك من يثير كل هذا الدخان ليمرر ما يريده من تحته. أما الآن فليس ثمّة غير الدخان.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إعادة الاعتبار للغضب في فهم "الإرهاب"

قصة داعش.. "تمدد" سريع وانحسار مُكلف و"بقاءٌ" محتمل