مصر..السخرية تنهي هدوء

مصر..السخرية تنهي هدوء "يناير"

رجال شرطة في ميدان التحرير تحسبًا لأي مظاهرات معارضة في ذكرى يناير الخامسة (Getty)

جدال كبير في مصر عن الفيديو الساخر الذي نشره شادي أبوزيد وهو يستعمل عددًا من الواقيات الذكرية، كبلالين ثم يقوم بتوزيعها على رجال الشرطة المنتشرين في ميدان التحرير تحسبًا للمظاهرات، التي لم تحدث لأن أحدًا لم يدع لها، من أجل المرح والسخرية.

خيارات المعارضة في مصر كلها خيارات ذات احتمالات كارثية، والعمل "الإصلاحي" في نظر أصحابه، قد يتحول إلى عمل إرهابي في نظر السلطة

صخب الجدال حول الفيديو، أنهى حالة الهدوء الحذر التي سبغت الذكرى الخامسة لثورة يناير، ويبدو أنه أثار صخبًا لهذا بالتحديد، لأنه أتاح ساحة معركة افتراضية بديلة عن معركة كان يتوقع لها الجميع أن تحدث، وبدا كل شيء مهيئًا لهذه المعركة.

تهديدات وتبرؤ

فبسرعة تلقفت صفحات الشرطة المصرية الفيديو، ونشرت تهديدات تبعها أخبار عن القبض على شادي وأحمد مالك الذي اشترك معه في الفيديو، ثم تبعتها نقاشات حول حرية التعبير وحدوده، ثم حملات للدفاع عن الشرطة، ثم حملات للتضامن مع شادي ومالك.

إثر هذه التهديدات العلنية التي أرسلتها صفحات الشرطة، قامت نقابة المهن التمثيلية، التي ينتمي لها الممثل أحمد مالك، بإعلان إيقاف عضوية مالك بها، كما أعلن برنامج "أبلة فاهيتا" تبرؤه من شادي، الذي يعمل بالبرنامج، وقال بيان البرنامج على صفحته الرسمية في موقع "الفيسبوك" أن الفيديو "تضمن ما لا يمكن قبوله من محتوى مسيئ ينافي الآداب والأخلاقيات العامة ولا يتحلى بالمسؤولية والاحترام الواجب"، وهو ما أثار بدوره موجة جانبية من السخرية على المفارقة، إذ إن برنامج "الأبلة" اشتهر أساسًا بالتركيز شبه الحصري على السخرية المحملة بدلالات جنسية.

السلطة كنكتة سخيفة

إزاء الحملات المنظمة من أجهزة الدولة للنيل منهما، اختلفت ردود فعل كل من شادي ومالك. فبينما اختار مالك الحل العقلاني والتهدئة لتجاوز الأزمة، معتذرًا بلباقة عن "التجاوزات التي لم يتوقع أن تخرج خارج دائرة الأصدقاء"، قرر شادي، بشجاعة، أن يدافع عما فعله، واصفًا إياه ب"العمل الإبداعي الذي يكفل الدستور ممارسته"، ومبديًا دهشته من مفارقة أن تهدده الشرطة صراحة بتجاوز القانون في رد فعلها عليه، ورابطًا فعله بذكرى الثورة قائلًا إن "في ذكرى 25 يناير 2016 بقي في تواجد أمني رهيب في الشوارع مع تهديدات ووعيد لمن ينزل يتظاهر...محدش فعلا نزل وكله مقهور وكله استوعب إننا مش عارفين ننسى...طيب خلاص...انتو فعلا معاكم سلاح ومعاكم السلطة والقانون...بس كل أسلحتكم ديه احنا هنعمل منها نكت , كوميكس أو فيديو صغير وكدة كدة انتو تقدروا تخطفونا من بيوتنا وتقتلونا في عز الظهر...بس مش هتقدروا تنكروا وجودنا ولا هتقدروا تنكروا إنكم نكتة...بس نكتة سخيفة".

الخطوط الحمراء المموهة

تثير أزمة الفيديو التفكير في واحدة من أهم خصائص السلطة المصرية الحالية، وهي أنها لا تلتزم بالقوانين التي تضعها بنفسها، فتترك مساحات واسعة من التشوش لا يمكن للمواطن العادي، الحدس إن كانت هذه المساحات خطرة جدًا فيبتعد عنها أم يمكن استخدامها للتعبير عن رأيه النقدي في السلطة.

لا أعتقد أن شادي كان يتوقع أن يفجر الفيديو الساخر كل هذا الغضب والنقاش والتضامن والاحتمالات السيئة للاعتقال، على الأرجح اعتبره مجرد محاولة جريئة بعض الشيء لـ"مضايقة الشرطة" في ذكرى الثورة. الذكرى التي لا يمكن لأحد، في ظل القبضة الأمنية، الاحتفاء بها والتذكير بالشهداء أو التضامن مع المعتقلين، لكن تهديدات الشرطة هي من حولته من مجرد فيديو ساخر كان سيحظى بانتشار ليوم ثم ينسى إلى معركة حول الشرطة وإنجازاتها وانتهاكاتها وحرية التعبير والأخلاق.

خيارات المعارضة في مصر، كلها خيارات ذات احتمالات كارثية، وفرص تحول الأفعال الاحتجاجية ذات النفس الهادئ إلى أفعال "إرهابية" في نظر السلطة، هي فرص كبيرة، والعمل "الإصلاحي" في نظر أصحابه، قد يتحول، بشكل مفاجئ تمامًا، إلى عمل إرهابي في نظر السلطة، التي تعاقب أصحابه عليه.

فالمساحة الواسعة التي أتاحها النظام لأجهزته الأمنية للتنكيل بالمعارضين، كجزء من خطته لإخلاء المجال العام من أي أثر لحركة الجماهير، جعل تلك الأجهزة لا تفرق في التعامل بين إرهابيين مسلحين وبين أعضاء جماعات معارضة وبين كتاب ذوي آراء نقدية وبين شباب يعبر عن رأيه بفيديو قصير ساخر، تنظر السلطة لكل فعل معارض، على أنه فعل إرهابي يستدعي المواجهة بالسلاح، ولذلك لم يكن غريبًا أن يستنكر مؤيدو النظام الفيديو من منظور أنه يؤذي "الجنود الغلابة"، فيقومون بدعوة السلطة لمعاقبة الشباب بالحبس والتعذيب والاختطاف، كجزاء صور لهم جنونهم أنه معادل لسخرية مركبة من الشرطة.

اقرأ/ي أيضًا: 

25 يناير..عيد الثورة الذي لم تنسه الشرطة

نظام السيسي المتصدع