مصارف تحكم لبنان.. الجريمة دون عقاب!

مصارف تحكم لبنان.. الجريمة دون عقاب!

مقر مصرف لبنان في بيروت (رويترز)

يقول رياض سلامة، حاكم مصرف لبنان : "الناس حرة بمصرياتها، إلا إذا ضهرو الأموال سياسيًا أو كانوا أصحاب مصارف عندها فينا نسأل". أي وفق المأثور الشعبي "ناس بسمنة وناس بزيت"؛ تحبس المصارف أموال صغار المودعين في الوقت الذي يسمح فيه لكبار المودعين من تهريب مليارات الدولارات إلى الخارج، مما فاقم الأزمة المالية.

يرمي حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، باللوم على الانتفاضة اللبنانية في تدهور الاقتصاد، متناسيًا التحذيرات المستمرة من 2015

ثم يرمي سلامة باللوم على الانتفاضة اللبنانية، بطريقة غير مباشرة، ما يعني تحميل المنتفضين مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والمالية في لبنان، متناسيًا التحذيرات التي تم إطلاقها منذ عام 2015 من قبل المختصين الاقتصاديين ووزير المال، والدراسات والمقالات الاقتصادية التي كانت تحذر كلها من الوصول إلى ما وصلت إليه الحال الآن.

اقرأ/ي أيضًا: "يسقط حكم المصرف".. عقدة رياض سلامة في منشار الاقتصاد اللبناني

يسأل المراسل: "إلى أي حد يمكن أن يصل سعر صرف الدولار مقابل الليرة؟"، فيرد رياض سلامة: "لا أعرف"! هذا الحوار ليس من مسرحية، لكنه حقيقة جرت بالفعل، وبطلها حاكم مصرف لبنان، أو إن صح التعبير، مصرف حاكم لبنان.

والدلالة الغريبة العجيبة التي حصلت في جلسة مجلس الوزراء التي كان يرأسها رئيس الجمهورية ميشال عون، أن تم التمديد لسلامة لولاية أخرى، وبموافقة جميع الوزراء بلا أي معارضة من أي فصيل سياسي.

تتعالى الأحزاب السياسية والطائفية في لبنان على تناقضاتها حين يمس الأمر مصالحها الاقتصادية والمالية، خاصة وأن المصارف اللبنانية متحالفة مع الطبقة السياسية الحاكمة لدرجة أن رموزًا سياسية في السلطة تحتل كراسي عضوية مجالس إدارة هذه المصارف. وبطبيعة الحال، رياض سلامة هو المفتاح السري لثنائية المصارف - السياسين.

يحدث ذلك في وقتٍ بات فيه واضحًا كالشمس، أن الأزمة العاصفة بلبنان اقتصاديًا فاجتماعيًا، مردها سياسات المجموعة الحاكمة زائد مصرف لبنان.

إجراءات تقشفية

وكما هي الحال دومًا، اجتمعت لجنة المال والموازنة النيابية مع حاكم مصرف لبنان. وكالعادة أيضًا، جاءت خلاصات الاجتماع في دائرة الاتفاق على استعادة الأموال التي حُوّلت للخارج، وتقدر قيمتها بـ11 مليار دولار.

يتنصل رياض سلامة من المسؤولية بقوله: "ليس لدي معطيات حول التحويلات إلى الخارج، وعليه يجب التأكد إن كانت هذه الأموال خرجت من لبنان فعلًا"! 

وعلى هذا طرح المجتمعون إنشاء هيئة تحقيق في الأمر لجلاء الأمور. لكن بمجرد أن يقول سلامة إن ثمة إجراءات ستُتخذ لمعرفة مصير التحويلات وقيمتها، فهذا يعني أنه، ومن موقعه، علم وغض النظر وخالف ورضخ، ومن ثم يبرر، وهذا في حد ذاته جريمة بحق المال العام والشعب اللبناني.

في لبنان لم تصل أي هيئة تحقيق إلى خاتمة سعيدة في أي ملف، بدءًا من ملفات الاغتيال منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، بالرغم من إنشاء هيئة تحقيق دولية. ولم تستطع الحكومات المتعاقبة استعادة الـ11 مليار دولار المفقودة من موازنة الدولة، والتي تحوم شبهات حول رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة فيها.

تفاوت طبقي

تقسم الأرقام الصادرة عن مصرف لبنان إلى أربع فئات:

  1. الفئة الأولى تضم حوالي 60% من الحسابات لصغار المودعين، تتراوح قيمتها بين دولار واحد و3333 دولارًا. 
  2. الفئة الثانية من الحسابات تتراوح ما بين 3333 دولارًا و10 ألف دولار، وتشكل نسبة 31%،
  3. الفئة الثالثة تضم الحسابات بين 100 ألف دولار ومليون دولار، وتشكل 7.5%.
  4. الفئة الرابعة تضم الحسابات التي تفوق المليون دولار ما نسبته 0.82%.

يتبين أن مجمل قيمة الودائع للفئة الأولى، أي فئة صغار المودعين، والتي تقدر بـ60%؛ تبلغ 1.9 مليار دولار، فيما تبلغ قيمة الودائع في الفئة الرابعة (0.82%) 82 مليار دولار أميركي! هذا الفرق الكارثي يحيل إلى التوزيعة الطبقية للمجتمع اللبناني، ويدل على أصل الصراع وأسبابه وجذوره.

ماذا سيحصل في 2020؟

ثمة أنباء متداولة عن مقترحات تُناقش في الغرف المغلقة للمجموعة الحاكمة، منها مقترح بتحويل ودائع اللبنانيين من الدولار إلى الليرة، ومنها أيضًا اقتطاع نسبة مئوية من قيمة الودائع الكبيرة بالدولار، ما قد يضع حاكم مصرف لبنان والمصارف اللبنانية بشكل عام، في مواجهة مع كبار المودعين.

وتتصدر المواجهات الحاصلة داخل البنوك في لبنان بين المودعين والمسؤولين، بسبب عدم قدرة المودعين على سحب أموالهم. منها مثلًا اقتحام رجل إحدى البنوك وهو يحمل فأسًا، ويطالب باسترداد أمواله. وعلى إثر ذلك وضعت وزارة الداخلية تأمينات أمام كل فروع المصارف اللبنانية.

السؤال هو: هل ستكون 2020 سنة انفراجة الأزمة أم تفاقمها؟ لا تبدو الإشارات حتى الآن مبشرة. وفي كل الأحوال يعتمد الأمر على إمكانية تشكيل الحكومة ونجاحها في مواجهة الأزمة بعدة آليات، بما يحقق ضخ عملات أجنبية في السوق اللبنانية.

يمثل صغار المودعين في مصارف لبنان 60% بودائع قيمتها 1.9 مليار دولار، ويمثل كبار المودعين 0.82% بودائع قيمتها 82 مليار دولار!

كما أن العوامل الإقليمية سيكون لها تأثير: صراعات المنطقة والعالم، وانعكاسها على الداخل اللبناني، خاصة في ظل اعتبار الحكومة اللبنانية حكومة حزب الله. وأخيرًا، تأثير ضغط الشارع على رئيس الوزراء المكلف، والحكومة التي ستتشكل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

انهيار العملة يعكس تقعد المشهد السياسي في لبنان

العمال في لبنان.. تحميل أعباء الأزمة الاقتصادية على الحلقة الأضعف