مصادقة أخيرة على

مصادقة أخيرة على "أنياب" بروكسل.. نهاية أربع سنوات من صراع البريكسيت

نهاية مفتوحة على كثير من الاحتمالات لمفاوضات بريكسيت (Getty)

منح البرلمان الأوروبي، أخيرًا، مصادقته على اتفاق التجارة والتعاون الأوروبي البريطاني، قبل دخوله حيِّز التنفيذ غدًا السبت، فاتح أيار/مايو، منهيًا بذلك مسارًا دام لأربع سنوات من المفاوضات العسيرة، الضغط والضغط المضاد، ومحاولات كل طرف للخروج منتصرًا منه باستيفاء الحد الأقصى من الرهانات وتحصيل أقصى ما يمكن من المكتسبات. ومع ذلك، كانت نهاية بنفس طعم البداية ومزاجها؛ بروكسل، من ناحية، تتوعد لندن بـ "استخدام أنيابها"، إذا ما تم خرق الاتفاق من الجانب البريطاني. والجانب البريطاني، ورغم رضاه عن تصويت البرلمان الأوروبي، لا زال يواجه مصاعب ما بعد الخروج، أبرزها ما وسم الشهر الأخير من عنف اشتعل من جديد في إيرلندا الشمالية تنضاف إليه أزمة سياسيَّة أطاحت بحكومة البلاد، كما حرب اللقاح التي تزداد حمّاها يومًا بعد يوم.

منح البرلمان الأوروبي، أخيرًا، مصادقته على اتفاق التجارة والتعاون الأوروبي البريطاني، قبل دخوله حيِّز التنفيذ غدًا السبت، منهيًا بذلك مسارًا دام لأربع سنوات من المفاوضات العسيرة

كان ذلك يوم الثلاثاء، 27 نيسان/ أبريل، حينما اجتمع البرلمان الأوروبي ببروكسيل للمصادقة على اتفاق التجارة والتعاون الأوروبي البريطاني. اتفاق، سطَّرت أهدافه رئيسة المفوضيَّة الأوروبية، أورسولا فون دير لين، في بداية تلك الجلسة، بأنه أتى لـ "حماية المواطنين الأوروبيين وحقوقهم"، كما "حماية المصالح الأوروبيَّة والحفاظ على وحدة سوقها المشتركة". أما النتائج التي أعلن عنها غدها، الأربعاء، أتت بمنحه الثقة بأصوات 660 نائب، مقابل 32 امتنعوا عن التصويت، وخمسة فقط صوَّتوا بـ "لا".

اقرأ/ي أيضًا: جولة أخرى في حرب اللقاح.. مثالب الضغط الأوروبي على أسترازينيكا

أتى هذا الاتفاق أيضًا بـ "أنياب قاطعة"، هكذا وصفته فون دير لين، وقصدها الآليَّة القانونية لمنع استفراد لندن بأي خرق أحادي الجانب لبنوده، "لا نود استخدامها، لكننا لن نتردد في فعل ذلك إذا ما دعت ضَّرورة"، أوردت في خطابها مضيفة أن " كلَّ هذه تبعات كثيرة لخروج بريطانيا، الخرج الذي هي التي أرادته، لكن القرارت الأحادية لن تنتهي بنا لأي نتيجة". فيما اعتبر رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، أن مصادقة البرلمان الأوروبي على الاتفاق "خبرٌ عظيم"، وأن ما بقي لبلاده إلا أن "تنظر نحو الأمام بعلاقات جديدة مع الاتحاد الأوروبي أكثر انفتاحًا عن العالم".

هذا ولا زالت مرارة الخروج تعتصر عددًا من الفرقاء الأوروبيين، هكذا نجد مثلًا نواب لجنة التجارة والخارجية بالبرلمان الأوروبي، أثناء المناقشات، يصفون رحيل بريطانيا بـ "الخطأ التاريخي". كما أشار كبير المفاوضين الأوروبيين السابق،  ميشيل بارنييه، إلى أن ما حصل "خطأ يجب أن يتلقن دروسه الاتحاد الأوروبي". وتعهَّد رئيس مجلس النواب، الإيطالي دافيد ساسولي، بأنه: "سنحرص على التزام بريطانيا بالاتفاق، ولن نقبل أي تملص لها منه ".

من جهة أخرى، بموجب البريكسيت عادت رسميًا الحدود بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا، حدودًا بريَّة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. وتفاديًا لتهديد مسألة الحدود هذه السلام الهش على الجزيرة، ينص بروتوكول إيرلندا الشمالية، المضمَّن للاتفاق المصادق عليه، على بقاء البلاد بأكملها داخل السوق الأوروبية المشتركة، ما يعني أن الحواجز الجمركية ستهم حركة التجارة بينها وبين المملكة المتحدة. الأمر الذي أثار غضب الوحدويين من سكان الجزيرة، هم الذين دعموا انفصال لندن عن الاتحاد، حيث يرون في البروتوكول عزلًا لهم عن المملكة يصبُّ في مصلحة الجمهوريين وخيانة من رئيس وزرائها بوريس جونسون.

أيام قليلة بعد الاتفاق مطلع هذه السنة، بدأت مؤشِّرات العنف في التصاعد، أولها كان جداريَّة  تتوعد موظفي الجمرك بالاستهداف، وختامها ما يجري منذ شهر آذار/مارس الماضي من عنف يرجعه الكاتب والمحلل الإيرلندي، بادريغ أوميتشل، إلى "الاجتماعات العامة التي عقدها الحزب الديموقراطي للوحدويين، مع منظَّمة مجلس الجماعات المولاية للعرش البريطاني، التي تعدُّ مظلَّة لعدد من المنظمَّات شبه العسكرية، وما يعرف بـ "فيالق الموت" التي تولَّدت عن هذا الصراع". ويؤكد، في حوار سابق خص به "ألترا صوت"، إلى أنها "دارت بشكل رئيسي حول معارضة اتفاقيَّة البحر الإيرلندي".

فيما على المستوى السياسي، صوبت اتفاقية الحدود ضربة قاسمة لقائد الأغلبية الحكومية في البرلمان الإيرلندي الشمالي، الحزب الديموقراطي للوحدويين، الذي كان أبرز مروج لحملة البريكسيت وداعم لها، وجد نفسه يفقد أجزاء كبيرة من شعبيَّته لصالح اليمين المتطرِّف، حتى بعد احتجاجه العلني على البروتوكول. هو الآن يسقط زعامته ومعها الحكومة بأكملها، جراء تمرُّد سياسي قاده نوابه ضد رئيستهم، أرلين فوستر، التي أعلنت عن استقالتها  من المنصبين يوم أمس الخميس، مخلِّفي أزمة سياسية تنضاف لما ذكر من أزمات.

على المستوى السياسي، صوبت اتفاقية الحدود ضربة قاسمة لقائد الأغلبية الحكومية في البرلمان الإيرلندي الشمالي، الحزب الديموقراطي للوحدويين، الذي كان أبرز مروج لحملة البريكسيت

في ذات السياق، لم يفت أورسولا فون دير لين، في خطابه أثناء جلسة المصادقة، الإشارة إلى "أهميَّة سؤال السلام والازدهار في إيرلندا بالنسبة إلى الاتحاد، كما حرصه على حماية ودعم شعب تلك الجزيرة". لكن من وجهة نظر  الإيرلنديين، قال بادريغ أوميتشيل: "البعض ينتظرون من الاتحاد الأوروبي أن يلعب دورًا متعاطفًا وتقدميًا في السياق الإيرلندي، متجاهلين تمامًا أن الاتحاد نفسه من صلب شعبًا كالشَّعب اليوناني على صليب سياسات التقشُّف، أن الاتحاد الأوروبي نفسه من حوَّل البحر الأبيض المتوسِّط إلى مقبرة جماعية من جثث الهاربين من ويلات حروب أفريقيا والشرق الأوسط..". مشددًا على أن أوروبا " لن تلعب أي دور، أقصد أن الاتحاد الأوروبي قد حصلَ على ما يريده من إيرلندا، استغلها كورقة مساومة في اتفاقية البريكسيت، انتهت الاتفاقيَّة فانتهت بذلك حاجتهم في الجزيرة. إذًا ففكرة أنه يمكن له أن يلعب دورًا لصالح الشرائح الفقيرة في بيلفاست تبدو لي في غاية الغرابة".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

 أزمة التكتل الأوروبي.. من لقاح سبوتنيك إلى انسحاب فيدس من كتلة الشعب الأوروبي

"انتكاسة" لحزب ميركل على وقع فضيحة مالية وسوء إدارة الأزمة الصحية