مصادرة أراض ملكية خاصة لأهداف أيديولوجية: مشروع أثري إسرائيلي يعزل سبسطية
2 فبراير 2026
تلقّى رئيس بلدية سبسطية، محمود عازم، بلاغًا من السلطات الإسرائيلية يفيد بمصادرة كامل الموقع الأثري الممتد على قمة التل المجاور للبلدة بحسب تقرير لصحيفة الغارديان.
وجاء البلاغ رغم تقارير كانت قد تحدّثت خلال السنوات الماضية عن مشروع حكومي إسرائيلي لتطوير الموقع، إلا أن الخطوة شكّلت صدمة حقيقية لسكان البلدة، إذ يعتمد معظم الفلسطينيين في سبسطية، البالغ عددهم نحو 3,500 نسمة، إمّا على السياحة المرتبطة بالموقع الأثري أو على زراعة الزيتون كمصدر رزق أساسي.
السياحة والزيتون في سبسطية ضمن مهبّ الخطر
وتشمل الخطط الحالية لتطوير الموقع إنشاء مركز للزوار، وموقفًا للسيارات، وإقامة سياج يفصل الآثار عن بقية البلدة، ما سيؤدي إلى عزل السكان عن الموقع الأثري وعن أي بساتين زيتون ما زالت قائمة داخله.
ونقلت الصحيفة عن رئيس البلدية، البالغ من العمر خمسين عامًا، قوله إن "سبسطية دخلت نفقًا مظلمًا"، معتبرًا أن ما يجري "اعتداء على أصحاب الأراضي الفلسطينيين، وعلى أشجار الزيتون، وعلى المواقع السياحية، وانتهاك لتاريخ فلسطين وتراثها".
وتُعد مصادرة 182 هكتارًا، أي ما يعادل نحو 450 فدانًا، في سبسطية أكبر عملية استيلاء على أراضٍ لأغراض أثرية منذ أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية عقب حرب عام 1967 ضد سوريا ومصر وحلفائهما العرب، وذلك بحسب التقرير.
وصنّف الاحتلال الإسرائيلي، منذ عام 1967، نحو 2400 موقع أثري فلسطيني على أنها مواقع إسرائيلية، بحسب تقرير لمعهد الأبحاث التطبيقية في القدس.
وفي عام 1982، استولت قوات الاحتلال على نحو دونمين في موقع كنيس أريحا القديم قرب تل السلطان، وبدأت تقديمه سياحيًا كموقع "إسرائيلي". ولاحقًا، في عام 1985، صودرت نحو 286 دونمًا في سوسيا جنوب الخليل، ما أدى إلى تهجير سكانها وتحويل المنطقة إلى موقع يقدّمه الاحتلال ضمن "التراث اليهودي".
وفي مسار مماثل، صودرت عام 2020 أراضٍ في منطقتي دير قلعة ودير سمعان غرب سلفيت وأُلحقت بالمستوطنات المحيطة. ولاحقًا، في عام 2023، صادرت إسرائيل 139 دونمًا في موقع أرخيلاويس في الأغوار، في خطوة تهدف للسيطرة على مشروع السيطرة على التاريخ الأثري.
ويبلغ عدد المواقع الأثرية المسجلة في الضفة الغربية نحو 6,963 موقعًا، يقع معظمها في مناطق مصنفة "ج" أي أنها تخضع لسيطرة أمنية وإدارية إسرائيلية.
التوسع والاستيطان
نقلت صحيفة "الغارديان" عن منتقدين لمشروع سبسطية قولهم إن ما يجري يندرج ضمن موجة توسع متسارعة للمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، جرى الدفع بها بقوة خلال السنوات الأخيرة من قبل الائتلاف الحاكم في إسرائيل، معتبرين أن الأهمية التاريخية ليست سوى ذريعة لعملية استيلاء واسعة على الأراضي. وأضاف التقرير أن ناشطين يؤكدون أن جزءًا كبيرًا من الأراضي المشمولة بالمصادرة مملوك ملكية خاصة، ما يشكّل سابقة جديدة وخطيرة.
وقال ألون أراد، من منظمة "عيمق شافيه" الإسرائيلية غير الحكومية، قوله إن علم الآثار يجري "تسليحه سياسيًا"، مضيفًا أن ما يُخطط له في سبسطية "غير مسبوق من حيث الحجم"، وأن الأمر "لا يتعلق بالتاريخ، بل بالأرض والضم".
ويعتبر مشروع إعادة تطوير سبسطية، الذي تُقدّر كلفته بملايين الدولارات، تقوده شخصيات من حزب "عوتسما يهوديت" اليميني المتطرف، المشارك في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي، والذي يُوصف بأنه الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل.
كما يتضمن المخطط شق طريق وصول جديد إلى الموقع يتجاوز بلدة سبسطية بالكامل، بما يسمح للسياح بالوصول مباشرة من داخل إسرائيل، بالتوازي مع توقعات بتوسيع مستوطنة يهودية كبيرة تبعد نحو كيلومتر واحد فقط عن الموقع.
وأشار التقرير إلى أن وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو، المنتمي إلى حزب "عوتسما يهوديت" والمقيم في إحدى مستوطنات الضفة الغربية، يُعد من أبرز الداعين إلى ضم الضفة الغربية بالكامل. ونقلت الصحيفة عنه قوله في بيان سابق إن "سبسطية واحدة من أهم المواقع في تراثنا الوطني والتاريخي"، مؤكدًا أن الهدف هو تحويلها إلى مقصد لمئات آلاف الزوار سنويًا.
مشاريع تنقيب مثيرة للجدل
كما أشار التقرير إلى أن مشاريع أثرية أخرى مدعومة من الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية تعرّضت لانتقادات مماثلة، إذ يُنظر إليها على أنها مدفوعة بأهداف أيديولوجية أكثر من كونها بحثًا علميًا.
وتدير مؤسسة "مدينة داود"، وتشغّله جمعية "إلعاد" الاستيطانية أحد أبرز مشاريع التنقيب في حي فلسطيني بالقدس الشرقية، التي تتهمها منظمات حقوقية بإزاحة عائلات فلسطينية عبر شراء المنازل واستخدام قوانين مثيرة للجدل تتيح للدولة الاستيلاء على الممتلكات.
ويحظر القانون الدولي على قوة احتلال تطوير أو التدخل في المواقع الأثرية، في وقت أُدرجت فيه سبسطية منذ عام 2012 على القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي التابعة لليونسكو لصالح دولة فلسطين.
وتراجع عدد الزوار إلى سبسطية بشكل حاد منذ اندلاع الحرب في غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، رغم آمال السكان بعودة مئات السياح يوميًا كما كان الحال سابقًا.
وختمت الصحيفة بنقل شهادة محمود غزال، والذي يقع منزله ومتجره ومطعمه على خط السياج المزمع إقامته حول الموقع، حيث قال، بنبرة تشاؤم، إن "هذه الخطة ستدمّر سبسطية، وسيأخذون كل شيء منا".