مشهد سياسي لبناني جديد.. الترويج للتعاسة

مشهد سياسي لبناني جديد.. الترويج للتعاسة

يميل حزب الله إلى تجاهل الأزمة اللبنانية عبر معالجة إقليمية خطابية (Getty)

يتحدث أمين عام حزب الله اللبناني عن سوريا كثيرًا هذه الأيام. ويتحدث عن فلسطين أيضًا. وهذا ليس جديدًا، وليس بالضرورة أن يعكس رغبة حزب الله المتجددة، في أن يثبت لنفسه دائمًا أنه أكبر من لبنانيته، وأنه يعيش على الطابع الإقليمي. لقد أثبت ذلك لنفسه وللآخرين بالفعل. لكن، ما لا ينتبه إليه كثيرون، هو حاجة نصر الله أخيرًا للخروج عبر شاشته على نحو متكرر. قد يقال إن هناك مناسبات لا يمكن تجاهلها، مثل تحرير الجنوب الإسرائيلي عام 2000. بيد أن نصر الله واظب على الخروج، حتى قبل ذلك، وعلى الحديث عن سوريا وعن فلسطين.

الوضع اللبناني بات مرهقًا لحزب الله، إلى درجة تستدعي صناعة مشهد جديد، تختفي فيه مواد النقاش الجدية، لمصلحة بنود جديدة، لا يمانع الحزب النقاش فيها 

بالنسبة لكثيرين، يبدو الأمر كمحاولة لصرف النظر عن لبنان، أكثر من كونه رغبة بالحديث عن "هموم" الحزب الإقليمية. فالوضع اللبناني بات مرهقًا للحزب، إلى درجة تستدعي صناعة مشهد جديد، تختفي فيه مواد النقاش الجدية، لمصلحة بنود جديدة، لا يمانع الحزب النقاش فيها حتى نهاية العالم. أشياء مثل البقاء في سوريا والقتال إلى جانب الأسد، والصلاة معه أو بدونه في القدس، بينما يغرق "المستضعفون" السوريون في هجرتهم، وينكب الفلسطينيون على مواجهة يومية مع الاحتلال، ولا تشغل الصلاة بالهم بقدر حيواتهم، خاصةً وأنهم يقبلون على جولة جديدة طاحنة مع الاحتلال.

اقرأ/ي أيضًأ: حكومة حزب الله/الأسد..لبنان الجحيم

لكن الخطاب يقود إلى مكان آخر. وقد يكون، ما يهم الحزب فعلًا، هو صرف النظر عن مجموعة "قضايا لبنانية"، من شأنها أن تحدث شرخًا بينه وبين بيئته، لمصلحة "مشهد جديد"، يمكن أن يكون مطاطًا، ويشد لحمة الجماعة طائفيًا، بدلًا من حلحلتها، كما فعلت الأحداث الأخيرة. سوريا ملعب مناسب. صناعة هذا المشهد، كما يبدو، لا تكلّف أكثر من الخطابات حتى الآن، إذا استثنيا ما يردده المرددون بعد التلقين. في الواقع، الحزب ليس مهتمًا إن كانت بيئته - التي تحررت منه قليلًا في الانتفاضة - ستتحدث عن سوريا وعن فلسطين بالضرورة، خاصةً ضدّ توجهاته ومصالحه، لكنه مهتم ألا تتحدث عن مجموعة أفكار لبنانية. يجب أن تخرج من لبنانيتها، لأن هذه اللبنانية مرهقة للحزب ولحساباته الخارجية.

لبنانيًا، ما يهم الحزب فعلًا هو صرف النظر عن النقاش الاقتصادي. بات مفهومًا أن حزب الله ليس حزبًا يملك برنامجًا اقتصاديًا واضحًا. وهو إذ يقدّم نفسه كحالة "بوست كولونيالية" يبدو دائمًا منقطعًا عن كل أدوات النقاش، حتى غير الغربية منها، فيما يتعلق بالاقتصاد، ويقتصر حضوره على تباهٍ غريب بأسوأ محددات النيوليبرالية، مثل حادثة وزيره "الدائم" الذي اقترح ذات يوم خصخصة قطاع الاتصالات، ومثل دفاع أمينه العام عن خيار الاستدانة من صندوق النقد الدولي.

اللافت أن الممانع المتحذلق قد يعترض حتى على البوست كولونيالية كمنتج أكاديمي غربي، من دون أن ينتبه إلى السلوك النيوليبرالي كمقترح "أثير" من صيغ الكولونيالية الجديدة. في أي حال، حزب الله، لم يكن حزبًا جاء وأطّر "الطبقة"، بل جاء واستثمر في الأحوال الطبقية. أي أنه، وعلى منهج غرامشي، نظّم الطبقة، ولكن ضمن طبقة أخرى، وشكّل "ثقافة جمعية" اخترقت الطبقات، وصارت جامعة. لا يهمه كل هذا الخطاب. وللمناسبة، هذه المهام منذ نشأة الأحزاب لا تقتصر على الأحزاب المهتمة بالصراع الطبقي، بل إن التنظيم والقيادة وظيفتين رئيسيتين للحزب السياسي. بهذا المعنى، يقوم الحزب بوظائفه على أفضل نحو، ولكن بشروط زمنية توشك على الانتهاء.

وإذا كنا نتحدث عن الطبقة والطبقات، وبعد التسليم بتحقق الوحدة التاريخية للطبقات الحاكمة في جهاز الدولة، يجب أن نعترف بأن الطبقات الخاضعة لا يمكنها التوحد شكليًا، ولا يمكنها تحقيق هذه الوحدة إلا بالوصول إلى الدولة. وتاليًا، وإذا أردنا أن ننظر إلى تاريخ لبنان، وتاريخ الطبقة العاملة، ستبقى الدولة تمثل مجموعة مصالح بورجوازية.  في هذا السياق من ضمن عدة سياقات، يمكن فهم تحالف بين حزب الله وباسيل، وفهم انتهاء شروطه، والأزمة المستجدة التي يرغب الحزب بصرف النظر عنها على الأرجح. لا يعني هذا أن الحزب من طبقة والتيار من طبقة أخرى. فالصراع الطبقي ليس كافيًا لوحده لفهم السياسية في لبنان، من دون مقاربة واضحة وعلمية للمسألة الطائفية. غير أن ما يعنى به هذا المقال، هو اهتمام الحزب بصرف النظر عن الخلاف مع باسيل، خاصة في ظل التعنت العوني، في عودة عملاء إسرائيل من الأراضي المحتلة. لفهم "التعنت" العوني، وحرج الحزب الذي بات متكررًا، يجب مقاربة المسألة اللبنانية بأدوات أخرى.

هناك نظرية أخرى ممكنة لتفسير "التهرّب" من المشهد، ومحاولة إعادة تدوير المشهد القديم. قد يكون ما يريده الناس فعلًا هو السعادة، وهم ينشدونها عبر السياسة، كإحدى طرائق العقلانية لكي يحققوا ذاتهم، بالمعنى الذي يتحدث عنه آكسيل هونيث. لكن بعد كل شيء، يبدو أن ما يعيق هذا التحقيق هو النمط الجديد من الرأسمالية. الدافع الحقيقي وراء الانتفاضات، ليس سياسيًا، مثلما أن الدافع وراء تشجيع المشجعين لفرق كرة القدم ليس رياضيًا تمامًا. الدافع هو "السعادة".

كان لا بد للمهيمنين من اختراع سرديات مضادة: ازرعوا البطاطا، اتقوا الله، إلخ.

السعادة، كموقف يتسم بالموضوعية، لا كشعور ذاتي وحسب، كانت طوال الوقت مسألة غامضة، ولا تخلو من الالتباس، لأن وجودها بصورة تناسب المعنى يتوقف على درجة التضامن بين البشر، كما يستنتج ماركوزه. هذا التضامن، لديه وعاء وحيد: المجتمع. والمجتمع الذي يحدده ماركوزه، يفككه غرامشي: مجتمع تقسمه الخلافات بين الطبقات والأمم. ولهذه الأسباب، نحن نعيش "حالة حرب شاملة ضدّ الجموع"، لا تنفصل معها سعادة البعض عن تعاسة الآخرين. السياسة، أيضًا، قد تكون ذلك القرار، باستبعاد السعادة. 

وإذا كانت الأممية، كما يصفها ماركوزه هي آخر محاولة بشرية جدية لتحقيق التضامن، فإن الخطاب المعادي للأممية، هو خطاب معاد للسعادة، وقد صار خطابًا مهيمنًا في العالم. ربما، لذلك، صار خطاب "تنظيم البؤس" مشروعًا ولا يحتاج إلى تفسير، حتى وإن كان ذلك عبر الترويج للتعاسة بلا مواربة.