مشروع "E1" الاستيطاني.. استراتيجيات الفصل والسيطرة
12 سبتمبر 2025
وقّع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رسميًا، اليوم الخميس، خطة توسعة استيطانية تتضمن تنفيذ مشروع "E1" في الضفة الغربية.
وخلال مراسم توقيع اتفاقية "سقف" في مستوطنة معاليه أدوميم، شدّد نتنياهو على أنّه "لن تقوم دولة فلسطينية هنا"، مضيفًا أنّ المستوطنة "جزء من أرضنا وسيُبنى فيها المزيد".
وأوضح أنّ "الجبهة الشرقية لإسرائيل ليست معاليه أدوميم بل غور الأردن"، معتبرًا أن ما يحدث "خطوة تاريخية" لمضاعفة حجم المستوطنة، متوقعًا أن يصل عدد سكانها إلى 70 ألفًا خلال خمس سنوات.
كما ربط نتنياهو خطته بالبعد الأمني والإقليمي، مؤكّدًا أنّ المواجهة "لا تقتصر على حركة حماس بل تشمل إيران والمحور"، متباهيًا بالعمليات العسكرية ضد طهران التي وصفها بأنها "أزالت تهديدًا وجوديًا". وختم بالقول: "ما بدأ في غزة سينتهي فيها… سنهزم حماس ونقاتل من أجل وجود إسرائيل الأبدي"، وفق قوله.
هذا الامتداد الاستيطاني سيُكمل شبه طوق حول القدس الشرقية ويقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها
ما هي منطقة "E1" ولماذا تثير الجدل؟
تقع منطقة "E1" شرق القدس المحتلة، بين حدود القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم، وتمتد على مساحة تقارب 12 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية المصادَرة من بلدات العيساوية والطور وعناتا والعيزرية وأبو ديس. هذه الخطة، التي ظلّت مجمّدة لسنوات قبل أن تعود إلى الواجهة مؤخرًا، تقضي ببناء آلاف الوحدات السكنية والبنى التحتية، إلى جانب إنشاء طريق استيطاني يربط المستوطنة بالقدس.
هذا الامتداد الاستيطاني سيُكمل شبه طوق حول القدس الشرقية ويقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، ما يجعل من حلّ الدولتين شبه مستحيل على المستوى الجغرافي.
تفاصيل الخطة
تشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة المالية والإسكان في إسرائيل إلى تخصيص ميزانية تقارب مليار دولار أميركي لمشروع التوسّع الاستيطاني في المنطقة المعروفة باسم "E1"، وهي المساحة الفاصلة بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم.
هذه الأموال لا تقتصر على تشييد وحدات سكنية، بل تشمل أيضًا إقامة طرق التفافية جديدة، وشبكات صرف صحي وكهرباء ومياه، إضافة إلى مراكز خدمية ومرافق عامة مصممة لاستيعاب عشرات آلاف المستوطنين الجدد.
وبحسب مخططات البناء التي عرضتها سلطات التخطيط الإسرائيلية، فإن المرحلة الأولى تستهدف بناء نحو 3400 وحدة سكنية في قلب المنطقة "E1"، وهو ما يُعد أكبر مشروع متكامل منذ إعلان بناء مستوطنة "هار حوما" في التسعينيات.
إلى جانب ذلك، جرى تخصيص مساحات إضافية لإقامة آلاف الوحدات في محيط معاليه أدوميم، بما يعزز ربط المستوطنة الكبرى بالقدس عبر محاور طرق واسعة تمتد شرقًا باتجاه البحر الميت.
التمويل المعلن ليس تفصيلًا تقنيًا؛ إذ إن 30% من الميزانية خُصصت للبنى التحتية وحدها، بما يشمل شقّ طرق بديلة، وهو ما يعرف بـ"الطرق الالتفافية"، لتقليل احتكاك المباشر بين المستوطنين والفلسطينيين. هذا يعني عمليًا أن الفلسطينيين سيواجهون شبكة معقدة من التحركات التي تطيل المسافات وتزيد زمن التنقل، فيما يحصل المستوطنون على شبكة طرق سريعة ومباشرة إلى القدس وتل أبيب.
في المقابل، تشير تقديرات إلى أن المشروع سيضاعف عدد سكان معاليه أدوميم ومحيطها في غضون عقد واحد، بحيث قد يرتفع العدد من نحو 40 ألف مستوطن حاليًا إلى ما يقارب 100 ألف عند اكتمال المراحل اللاحقة للبناء. هذه الأرقام لا تعكس فقط التوسع العمراني، بل أيضًا تغيّرًا ديمغرافيًا مقصودًا يهدف إلى فرض وقائع على الأرض تجعل أي انسحاب مستقبلي شبه مستحيل.
الأمر اللافت أن الحكومة الإسرائيلية ربطت التمويل مباشرة بميزانيات "مشروعات قومية" للبنية التحتية، وهو ما يعني أن المشروع لا يُعامل كمجرد خطة إسكان محلية، بل كجزء من سياسة استراتيجية لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في القدس والضفة الغربية.
هذه النقطة هي ما يثير قلق المجتمع الدولي، إذ إن الاستثمار الضخم، وارتباطه بخطط طويلة الأمد، يعكس إرادة سياسية واضحة لتحويل منطقة "E1" إلى حلقة وصل مركزية في مشروع "القدس الكبرى".
الرؤية الإسرائيلية: الأمن أولًا ثم الاقتصاد كسردية مرافقة
يعبّر مؤيدو الخطة في المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية عن رؤية تعتبر أن ربط المستوطنات الكبرى بالقدس يعزز "الأمن القومي" ويضمن وجودًا إسرائيليًا دائمًا على امتداد محاور استراتيجية. هذا المنظور لا يتوقف عند الاعتبارات الأمنية وحدها، بل يُرفَق بخطاب اقتصادي – اجتماعي يتحدث عن "الحاجة إلى إسكان مستوطنين جدد وتحسين البنى التحتية".
هذه الحجج، وإن بدت تقنية في ظاهرها، تعكس في عمقها إرادة سياسية لتغيير معالم التخطيط الحضري والملكية في الضفة، بحيث يُعاد إنتاج الحيز الجغرافي بما يخدم مشروع الضم الزاحف على الأراضي الفلسطينية.
تشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة المالية والإسكان في إسرائيل إلى تخصيص ميزانية تقارب مليار دولار أميركي لمشروع التوسّع الاستيطاني في المنطقة المعروفة باسم "E1"
مشروع " E1 " كمحكّ لاختبار جدية المجتمع الدولي
في ظلّ الإجماع الدولي شبه المطلق على عدم شرعية الاستيطان، تبرز معضلة جوهرية تتعلق بفاعلية النظام الدولي في مواجهة السياسات الإسرائيلية. فالقوانين واضحة، والمرجعيات القانونية، من اتفاقية جنيف الرابعة إلى قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، لا تترك مجالًا كبيرًا للتأويل: بناء المستوطنات ونقل السكان إلى الأراضي المحتلة يُعد خرقًا صارخًا للقانون الدولي.
ومع ذلك، فإن التجربة التاريخية تشير إلى أن أي إدانة، حتى لو جاءت عبر قرارات ملزمة، لا تتحوّل بالضرورة إلى ضغط فعلي على الأرض. المصادقة على مشروع "E1"، إذا مضت قدمًا، ستكون اختبارًا حيًا لهذه المعادلة: كيف يمكن لمجتمع دولي يرفع شعار حماية القانون أن يترجم موقفه إلى أداة ردع؟ إن اقتصار الموقف على "اللوم الرمزي" يكرّس ما يسميه بعض المحللين بـ"العجز الممنهج" للمؤسسات الدولية أمام سياسات الأمر الواقع. فالاستنكار يصبح جزءًا من خطاب متكرر، لكنه لا يوقف ديناميات التوسع الاستيطاني ولا يغيّر موازين القوى.
الأكثر من ذلك، أن إسرائيل اعتادت على إدارة هذه الضغوط عبر آليتين متوازيتين: الأولى، المماطلة الإجرائية في التخطيط والبناء، بما يسمح بامتصاص ردود الفعل وتأجيل التنفيذ إلى حين انحسار موجة الغضب.
والثانية، الرهان على أن غياب إجراءات عقابية ملموسة ــ مثل العقوبات الاقتصادية أو القيود على التعاون العسكري يجعل من قرارات الشجب أشبه بضريبة سياسية يمكن تحمّلها. بكلمات أخرى، فإن مشروع "E1" لا يختبر فقط حدود التوسع الاستيطاني، بل يختبر أيضًا جدية المجتمع الدولي وقدرته على ربط المواقف المبدئية بآليات إنفاذ. فإذا بقيت الخطوات الدبلوماسية في حدود البيانات والتحذيرات، ستتحول هذه الإدانة إلى جزء من "الرتوریکا السياسية" التي لا تملك قوة تغيير فعلية، بل ربما تسهم في تكريس شعور إسرائيلي بأن كلفة التوسع أقل بكثير من المكاسب الاستراتيجية والديموغرافية التي يحققها.




