مشروع قانون مجلس النواب في المغرب.. تجريم التشكيك في نزاهة الانتخابات يُفجّر الجدل
6 نوفمبر 2025
تفجّر جدل واسع في الأوساط الحقوقية والسياسية في المغرب، بشأن تفاصيل مشروع القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان)، والذي ينصّ على عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية ضدّ من ينشر "أخبارًا زائفة تمسّ نزاهة الانتخابات" المرتقبة في الصيف المقبل.
وسارع مراقبون إلى انتقاد هذه المادة في مشروع القانون، معتبرين أن تجريم التشكيك في نزاهة الانتخابات يتعارض مع حرية الرأي والتعبير، إذ إنّ هذا التشكيك في حدّ ذاته جزء من النقاش العمومي المشروع، لا سيّما عندما يستند إلى معطيات واقعية تستدعي الإصلاح لا العقاب.
وتنصّ المادة 51 مكرّر من مشروع القانون، الذي أُحيل على مجلس النواب، على أنه: "يُعاقَب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات، وبغرامة تتراوح بين 50 ألفًا و100 ألف درهم، كلّ من قام أو ساهم أو شارك، بأي وسيلة، بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي، أو شبكات البث المفتوح، أو أدوات الذكاء الاصطناعي، أو أي منصة إلكترونية أو تطبيق يعتمد الإنترنت أو الأنظمة المعلوماتية، في نشر أو إذاعة أو نقل أو بث أو توزيع إشاعة أو أخبار زائفة، بهدف التشكيك في صدقية ونزاهة الانتخابات".
قواعد تخدم الفاعلين
يوضح أستاذ علم السياسة بكلية الحقوق السويسي بالرباط، عبد المنعم لزعر، أن فهم هذا المشروع القانوني يقتضي النظر إلى طبيعة القواعد الانتخابية بوصفها نتاجًا لتفاعل مصالح القوى السياسية، أكثر من كونها مجرد نصوص تقنية.
وقال لزعر في تصريح لـ"الترا صوت": "حين نتحدث عن العملية الانتخابية، فنحن نستحضر قواعد وتنافسًا ورهانات. كل جهة فاعلة تحاول وضع القواعد التي تخدم مصالحها؛ فالأغلبية تسعى إلى تمرير ما يعزّز موقعها السياسي والانتخابي، بينما تدافع المعارضة عن قواعد ترفع من عائدها الانتخابي".
وأضاف أستاذ علم السياسة أن العلاقة بين القانون المقترح والتحوّلات السياسية لا تقتصر على الفاعلين، بل تمتدّ إلى التغيّرات القيمية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي يشهدها المغرب.
تنص المادة 51 مكرّر على سجن من سنتين إلى خمس وغرامة بين 50 و100 ألف درهم لكل من ينشر أخبارًا زائفة تشكك في نزاهة الانتخابات عبر الوسائط الرقمية
تجاوز للصلاحيات الدستورية
وسجّل الأستاذ عبد المنعم لزعر أن تمدّد الجزاءات إلى البعد الافتراضي، كما في حالة القيام بحملة انتخابية رقمية خلال فترة الصمت الانتخابي، يُعدّ "تمدّدًا طبيعيًا" يعكس تفاعل القاعدة القانونية مع التحوّلات الرقمية التي تشهدها الممارسة السياسية.
غير أن الإشكال، برأي الأستاذ الجامعي، يبدأ في المستوى الثاني، حين تمسّ بعض القواعد الانتخابية مجالَ الحقوق والحريات. فالدستور يمنح المشرّع صلاحية تقييد هذه الحقوق، لكنه تقييد يظل خاضعًا لرقابة المحكمة الدستورية.
وأوضح لزعر أن مشروع القانون التنظيمي لمجلس النواب، عندما نصّ في المادة 51 مكرّر على جزاءات تتعلق بحالات التشهير والمسّ بالحياة الخاصة للناخبين والمرشحين، يكون قد تجاوز صلاحياته الدستورية، لأن "وضعية الناخبين تُنظَّم بقانون عادي وليس بقانون تنظيمي".
ويخلص الباحث إلى أن هذه الصيغة تؤسّس لخرق دستوري صريح، وتمسّ في مستواها الثالث جوهر العملية الانتخابية القائمة على مبدأ الاختيار، وهي عملية مفتوحة وتنافسية وتعددية تحرّكها الأحزاب السياسية ومناضلوها والمتعاطفون معها، ما يجعل كل الاستراتيجيات الخطابية وكل الأسلحة اللغوية ممكنة.
النص بعبارات فضفاضة
من جانبه، يرى رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، عبد الإله الخضري، أن المشروع المقترح يمثل تراجعًا خطيرًا عن مكتسبات دستور 2011، لما يتضمنه من عبارات فضفاضة مثل "المس بسمعة المرشحين" و"نشر الأخبار الزائفة".
ويذكّر بأن مبدأ الشرعية الجنائية المنصوص عليه في الفصل 23 من الدستور، يُلزم بتحديد الأفعال المجرَّمة بدقة حتى لا تترك مساحة للتأويل أو التوظيف السياسي.
وأوضح الخضري، في حديثه لـ"الترا صوت"، أن العبارات الواردة في مشروع القانون "تُستخدم في الغالب لتقييد الأصوات الناقدة، خصوصًا أثناء الحملات الانتخابية التي تحتاج إلى نقاش عمومي حرّ".
ويحذر الفاعل الحقوقي من أن "يُستعمل النص لتجريم تقارير ملاحظي الانتخابات أو تدوينات النشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي، لمجرد انتقادهم لمظاهر الخلل في سير العملية الانتخابية"، وهو ما قد يفرغ الملاحظة الحقوقية من مضمونها، ويزرع الخوف والرقابة الذاتية بين الفاعلين المدنيين.
زجر بدل آليات مدنية
يتقاطع السجال حول مشروع القانون التنظيمي لمجلس النواب، مع تحوّل أعمق يشهده المجتمع المغربي، حيث أصبحت وسائط التواصل الاجتماعي فضاءً رئيسيًا للنقاش والمساءلة، خاصة بين شباب "جيل زد" الذي نشأ في زمن الإنترنت ويعبّر عن مواقفه خارج القنوات الحزبية التقليدية.
وقال الحقوقي عبد الإله الخضري إن هذا المشروع يأتي في لحظة "يشهد فيها المغرب تصاعدًا في وعي الشباب الرقمي، وتناميًا في قوة الرأي العام الإلكتروني كفاعل مؤثر في توجيه النقاش العمومي".
غير أن السلطة، بحسب المتحدث، اختارت المقاربة الزجرية بدل التربية الإعلامية، في تناقض مع روح الديمقراطية التشاركية المنصوص عليها في الفصل 12 من دستور المملكة.
ولفت الفاعل الحقوقي إلى أن "المقاربة الحقوقية تقتضي، بدل العقاب، اعتماد آليات تصحيحية مدنية مثل حق الردّ أو التوضيح، ووضع تعريف دقيق لمفهوم الأخبار الزائفة يميّز بين التضليل المتعمد والنقد المشروع"، مشيرًا إلى أن صون حرية التعبير ليس فقط التزامًا قانونيًا، بل شرطًا أساسيًا لنزاهة الانتخابات ومصداقية الخيار الديمقراطي في المغرب.







