مشروع قانون المحاماة في المغرب.. مواجهة جديدة بين المحامين والحكومة
23 يناير 2026
لم يكد الخلاف بين هيئات المحامين ووزارة العدل يهدأ، حتى أعادت مضامين مشروع قانون مهنة المحاماة إشعال الأزمة من جديد، بعدما اعتبر أصحاب البذلات السوداء أن النص المعروض لا يعكس مخرجات الحوار الذي امتد لأشهر، ويتضمن مقتضيات تمسّ جوهر استقلالية المهنة ومرتكزاتها التاريخية.
وفي خطوة تصعيدية تعكس عمق الأزمة وانسداد قنوات الحوار، دعت جمعية هيئات المحامين بالمغرب إلى تنفيذ برنامج نضالي، يتضمن أساسًا تحديد أيام من الشهر الجاري للتوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، إضافة إلى التوقف لمدة أسبوع كامل ابتداءً من 26 كانون الثاني/يناير الجاري.
ولا يقتصر الخلاف على تفاصيل تقنية أو صياغات قانونية قابلة للتعديل، بل يمتد إلى طبيعة المهنة نفسها وحدود تدخل السلطة التنفيذية في تنظيمها، إذ يرى المحامون أن مشروع قانون المهنة، بصيغته الحالية، لا يمثل إصلاحًا لمنظومة العدالة، بقدر ما يشكل تراجعًا عن مكتسبات دستورية ومهنية، وتهديدًا مباشرًا لاستقلال مهنة الدفاع.
في خطوة تصعيدية تعكس عمق الأزمة وانسداد قنوات الحوار، دعت جمعية هيئات المحامين بالمغرب إلى تنفيذ برنامج نضالي، يتضمن أساسًا تحديد أيام من الشهر الجاري للتوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية
مهنة مزعجة للحكومة
لا يشك المحامي بهيئة الرباط، مولود بنتاجر، في أن "التوجه السياسي لهذه الحكومة يختلف بشكل كبير مع المبادئ والقيم التي تؤسس مهنة المحاماة كمهنة للدفاع عن حقوق الأفراد والجماعات، والتي تمتلك من الحصانة والاستقلالية ما يمكّنها من الدفاع عن حقوق المواطن ضد السياسات الحكومية".
وأضاف بنتاجر في تصريح لـ"الترا صوت": "لا أحد ينكر الوضع السياسي المضطرب والحقوقي المتردي الذي يشهده المغرب مؤخرًا، ما يجعل المهنة مزعجة لأصحاب القرار السياسي. وجزء من هذه الخلافات يعزى إلى شخصية وزير العدل نفسه، الذي يُنظر إليه كشخصية صدامية لا يُوثق في وعوده، ولا يلتزم بالتزاماته".
لا وساطة مع المحامين
في المقابل، يبدو وزير العدل عبد اللطيف وهبي متمسّكًا بمشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، إذ جاء في رده على سؤال نائبة برلمانية بمجلس النواب يوم الأربعاء 21 كانون الثاني/يناير الجاري: "لقد قمت بدوري وانتهيت منه، وسأدافع عن قناعاتي، والقرار يعود للأغلبية وللسلطة التشريعية".
وغالبًا ما تعتمد الحكومة على أغلبيتها البرلمانية لتمرير مشاريع القوانين، دون قبول أي تعديلات تقترحها المعارضة، لكونها مغايرة لتوجّهات السلطة التنفيذية.
ونفى وزير العدل وجود أي وساطة مع المحامين، مبرزًا أن مشروع قانون مهنة المحاماة يسلك مسارًا دستوريًا وتشريعيًا، مع التأكيد على أن النص لا يُصاغ وفق مصالح المحامين.
مسُّ باستقلالية المهنة
يسجل المحامي بهيئة الرباط، مولود بنتاجر، أن مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة جاء بمستجدات "تمس جوهر استقلالية المهنة، خاصة فيما يتعلق بمسار الولوج والتكوين".
وأوضح بنتاجر أن المشروع ينص على إلزام الحاصلين على شهادة الأهلية بالالتحاق بمعهد للتكوين تديره وزارة العدل، حيث تُعد المقررات ويُشرف على التكوين لمدة سنة، قبل الالتحاق بالتمرين العملي لمدة ثلاث سنوات، منها 20 شهرًا داخل مكاتب المحامين وأربعة أشهر بإحدى مؤسسات الدولة، مع منح وزير العدل صلاحية تمديد التمرين سنة إضافية في حال الرسوب في امتحان نهاية التمرين.
واعتبر المحامي أن هذه "المقتضيات تشكل تدخلًا مباشرًا وسافرًا لوزارة العدل في شؤون المحامي المتمرن، وتمس بمبدأ التنظيم الذاتي واستقلال هيئات المحامين المخوّل لها قانونًا متابعة أوضاع المتمرنين".
كما انتقد بنتاجر المشروع لما وصفه بـ"تعقيد شروط الولوج للمهنة"، عبر اشتراط شهادة الماستر، وخفض السن الأقصى للمترشحين من 45 إلى 40 سنة، مقابل تسهيل التحاق فئات أخرى مثل القضاة، وأساتذة التعليم العالي، وبعض الموظفين، إضافة إلى المحامين الأجانب.
واختتم المحامي بنتاجر حديثه بالقول إن مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة "مرفوض من طرف هيئات الدفاع بمختلف مكوناتها، لأنه صيغ بعيداً عن المحامين، ويحمل تراجعات خطيرة عن مكتسبات مهنة الدفاع، ويفتح الباب أمام المحامين الأجانب دون توفير حماية حقيقية للمهنة داخل البلاد".







