مشاهد الساحل تتكرّر في السويداء.. دروز لبنان يستنفرون وغضب من الإساءات الطائفية
16 يوليو 2025
تسود حالة من الغضب بين أبناء طائفة المسلمين الموحدين الدروز في لبنان، بعد المشاهد القادمة من السويداء في سوريا، لا سيما تلك التي ظهر فيها اعتداءات على رجال دين دروز، وإهانات للرموز الدينية، إضافة إلى الإعدامات الميدانية لا سيما في مضافة آل رضوان التي راح ضحيتها 12 مواطنًا مواطنًا من أهل المحافظة.
أعادت هذه الصور إلى الأذهان أحداث الساحل السوري التي وقعت في شهر آذار/مارس الماضي، ما أثار مخاوف من استمرار القتال لفترة طويلة في السويداء، في ظل غياب أي أفق واضح لمصير هذا المكوّن السوري. فالتجاوزات التي حصلت خلّفت جرحًا عميقًا يصعب محوه بسهولة، وسيبقى حاضرًا في الذاكرة لسنوات طويلة.
العبور إلى الدولة
كانت القيادات السياسية للدروز في لبنان من أوائل من بادر إلى إرسال رسائل إيجابية إلى دمشق، لا سيما عبر الزيارة التي قام بها الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، على رأس وفد سياسي وديني إلى الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب، بتاريخ 22 كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد أيام قليلة فقط من سقوط نظام بشار الأسد. وقد أصبح بذلك أول زعيم عربي ودولي يزور الشرع، مبشّرًا بـ"سوريا الجديدة".
أعادت صور السويداء مشاهد آذار/مارس في الساحل، مثيرة مخاوف من صراع طويل الأمد وجرح مجتمعي يصعب تجاوزه في ظل غياب أي أفق للحل
واستُكملت هذه المبادرة بسلسلة دعوات أطلقها جنبلاط لدروز جبل العرب تحثهم على مدّ اليد إلى القيادة السورية الجديدة، والمشاركة في الانتقال نحو دولة ما بعد الأسد. كما وجّهت شخصيات درزية أخرى دعوات مماثلة، أبرزها الرسالة التي بعث بها رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني، طلال أرسلان، إلى الرئيس الشرع في 3 آذار/مارس الماضي، داعيًا إياه إلى طمأنة الدروز بشأن مستقبلهم في سوريا الجديدة.
لكن الأوضاع تدهورت بشكل دراماتيكي في ظل غياب أي اتفاق واضح بين السويداء ودمشق. ففي حين تمسّك أبناء الطائفة الدرزية بسلاحهم باعتباره ضمانة مؤقتة إلى حين قيام الدولة المدنية واكتمال عقد المؤسسات الدستورية، لم تبادر الدولة إلى تقديم تطمينات حقيقية، لا سيما بعد الأحداث الدموية التي شهدتها مناطق ريف دمشق، في صحنايا وأشرفية صحنايا.
وقد بلغ التوتر ذروته مع صدور قرار رسمي سوري يقضي بدخول القوات العسكرية والأجهزة الأمنية إلى محافظة السويداء وفرض وجودها بالقوة، ما شكّل نقطة تحوّل حاسمة دفعت الأوضاع نحو الانفجار، وأسفرت خلال الأيام الماضية عن موجة من الاشتباكات والاحتقان الشعبي.
استنفار درزي لبناني
من الصعب فصل الدروز المقيمين في دولهم المختلفة: في لبنان، وفلسطين، وسوريا، والأردن.. عن بعضهم البعض، خاصة حين يكون الوجود أو الكرامة مهددَين في أي من هذه البلدان. وقد شهدت مناطق لبنانية عدة تحركات شعبية وقطعًا للطرقات، إلى جانب دعوات لحماية أبناء الطائفة، الذين تربطهم صلات قرابة وروابط اجتماعية وثيقة بعائلات لبنانية.
واتخذت العديد من المجالس المحلية إجراءات احترازية، من بينها فرض حظر تجول ليلي، تجنبًا لأي توتر أو احتكاك قد يفضي إلى مواجهات.
أما الاستنفار الأبرز فكان سياسيًا، حيث تنوّعت المواقف بين بيانات إدانة واستنكار، واتصالات مكثفة على مستويات متعددة، في محاولة لوقف حمّام الدم قبل أن يتّسع نطاقه.
تنسيق مع الحكومة السورية
كشفت مصادر مطّلعة لموقع "الترا صوت" عن وجود تنسيق حثيث منذ يوم الاثنين مع الحكومة السورية، عبر قنوات اتصال فُتحت بعد زيارة وليد جنبلاط للرئيس أحمد الشرع. وتهدف هذه الاتصالات إلى التوصل إلى اتفاق بين دمشق والسويداء يجنّب المحافظة مزيدًا من إراقة الدماء، ويُرسّخ آلية أمنية تنهي الاشتباكات الدائرة. ومن بين المقترحات المطروحة، العودة إلى الاتفاق السابق الذي ينص على تولّي الضابطة العدلية حفظ الأمن في المحافظة، بالاستعانة بأبناء المنطقة أنفسهم.
وقد أفضت الاتصالات إلى إعلان صدر عن المرجعيات الروحية في السويداء، تضمّن قبولًا مبدئيًا بدخول مؤسسات الدولة إلى المحافظة. غير أن هذا الإعلان سرعان ما انهار، وعادت الاشتباكات لتتجدد.
وفي هذا السياق، دعا وليد جنبلاط، في سلسلة من التصريحات أمس، إلى ضرورة قيام مصالحة بين السويداء والدولة السورية، مؤكدًا الحاجة إلى حل سياسي برعاية الدولة يفضي إلى وقف إطلاق النار وتحقيق السلم. واعتبر جنبلاط أن من مصلحة السويداء التوصل إلى تسوية سلمية تضمن عودة الحياة إلى طبيعتها وطيّ هذه الصفحة الدامية.
الدور الإسرائيلي
"إسرائيل لا تحمي أحدًا"، بهذا الموقف أعاد وليد جنبلاط التحذير من الدور الإسرائيلي في الجنوب السوري، وذلك ردًا على تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أعلن، أمس الثلاثاء، بعد سلسلة غارات استهدفت مواقع للجيش السوري في السويداء، التزامه بحماية السكان الدروز، مؤكدًا أنه "لن يسمح بأي وجود عسكري قرب الحدود مع إسرائيل".
ويستدعي هذا الموقف الإسرائيلي وقفة مطوّلة لفهم حقيقة ما يجري في السويداء، إذ يثير التباسًا كبيرًا في ظل تزايد المؤشرات التي تُشير إلى احتمال التوصل إلى اتفاق سلام وشيك بين سوريا وإسرائيل. والسؤال المطروح: ما هو شكل الواقع الذي سيتبلور في الجنوب السوري إذا ما تمّ هذا الاتفاق؟
الإجابة على هذا السؤال تُعدّ مفتاحًا لفهم النوايا الإسرائيلية الحقيقية، وتحديد طبيعة المخططات التي قد تكون قيد الإعداد في الأشهر المقبلة. وهل ستظلّ فكرة تقسيم سوريا، انطلاقًا من بوابة الجنوب، قائمة حتى في حال توقيع اتفاق سلام افتراضي بين الجانبين؟
صمت دولي وعربي
بالتزامن مع هذه التطورات، لم تُسجَّل مواقف دولية أو عربية تُدين الأحداث الدموية في السويداء، بل كان لافتًا صدور تصريحات مؤيدة لإجراءات الحكومة السورية، واعتبار ما يجري في السويداء "تمردًا خارجًا عن القانون".
ومن حيث المبدأ، يحق لأي دولة أن تبسط سيادتها على كامل أراضيها. لكن التحوّل السريع الذي شهدته سوريا منذ سقوط نظام الأسد، ترك المكوّنات السورية في حالة من انعدام اليقين، ما يستدعي تواصلاً جادًا وحوارًا صريحًا يفضي إلى مخرج آمن ومطمئن لجميع الأطياف، بما في ذلك أبناء الطائفة الدرزية.
والأهم أن حق الدولة في بسط سيطرتها لا يبرر التجاوزات والانتهاكات ذات الخلفية الطائفية التي وقعت، والتي يصعب تبريرها تحت ذريعة "فرض الأمن"، خصوصًا حين تصدر عن أجهزة رسمية يفترض أنها تمثل القانون لا تنتهكه.
يُشار إلى أن الرئيس أحمد الشرع تعهّد بمتابعة جميع التجاوزات التي وقعت ومحاسبة المسؤولين عنها، في خطوة مماثلة لتلك التي أعلنها في الساحل سابقًا. غير أنه، حتى الآن، لم يُعلن عن اتخاذ أي إجراء عقابي بحق المتورطين.
"إسرائيل لا تحمي أحدًا"، بهذا الموقف أعاد وليد جنبلاط التحذير من الدور الإسرائيلي في الجنوب السوري
لعبة الأمم
قدَر دروز سوريا أنهم يعيشون فوق رقعة شطرنج تحوّلت إلى ساحة لصراعات تتجاوزهم، في لعبة أمم خطيرة تتخطى الحدود والخرائط. فخياراتهم محدودة إلى حدّ بعيد، وأحلاها مُرّ، في ظل غياب عقد اجتماعي جديد يحفظ خصوصيتهم ويعزّز مواطنتهم السورية. بل إنهم يُشيطنون اليوم ويُدفعون إلى موقع "الخارجين عن القانون".
وأمام هذا الواقع، يراقب دروز لبنان المشهد بقلق بالغ، وإن كان حجم تأثيرهم مرهونًا بمدى تجاوب عواصم القرار مع مناشداتهم واتصالاتهم، ومدى استعداد الدولة السورية للانفتاح على مناقشة مطالب أبناء جبل العرب. أم أن الحسم سيُترك للميدان وحده؟
وفي ظل هذا الغموض، تظلّ متابعة مواقع التواصل الاجتماعي هي التجربة الأشدّ قسوة هذه الأيام، إذ تأتي منها، دون مواربة، أقسى الإجابات وأكثرها إيلامًا.