مسلسل

مسلسل "When They See Us".. الظلم والعنصرية وغياب العدالة في آن

من المسلسل (IMDB)

في السلسلة التلفزيونية "عندنا شاهدونا" (When They See Us) من إنتاج نيتفليكس 2019، تعرض لنا المخرجة آفا ديفارناي قضية الفتاة الأمريكية التي تعرضت للاغتصاب في أحد المنتزهات في نيويورك في 1989، بينما كانت تمارس رياضة الركض، والتي حوكم على أثرها خمسة فتية من أحد الأحياء الفقرية لأصحاب البشرة السوداء، صودف تواجدهم في المنتزه خلال وقوع الحادثة التي عرفت باسم "قضية المهرولة"، وتمت إدانتهم وزجّ بهم في السجن.

يعرض مسلسل "عندنا شاهدونا" قصة اتهام مراهقين سود بجريمة اغتصاب دون أن تكون لهم علاقة بالقضية

تتوزع السلسلة على أربع حلقات تمتد مجتمعة لحوالي أربع ساعات ونصف. تبدأ أحداث الحلقة الأولى في الساعات التي سبقت الحادثة، وتحضيرات الفتية الأربعة الذين سيتهمون لاحقًا بالجريمة (إضافة إلى فتى خامس لم يكن في المنتزه أساسًا)، كلّ على حدة للسهر والتسكع في المنتزه.

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل "Unbelievable".. قصة دامية عن الاغتصاب

في الصباح التالي، يستيقظ حي هارلم في نيويورك على جريمة اغتصاب مروعة، ضحيتها فتاة تعمل في المجال المصرفي، كانت تمارس رياضة الهرولة كعادتها. تقاطعت مصالح شرطة نيويورك الراغبة في إغلاق القضية وتسجيل انتصار مع مصالح العنصريين المتعصبين كدونالد ترامب، مع بعض الجهات الإعلامية التي تغذّي خطاب الكراهية ضد الملونين يومها، وأدّت هذه العوامل إلى تلفيق التهمة لكل من كيفين ريتشاردسون، أنتوني ماكراي، يوسف سلام، رايموند سانتانا (من أصول مكسيكية ) كوري وايز، مع العلم أن الأخير لم يذهب إلى المنتزه بالأساس، وهو ذهب إلى مركز الشرطة لمرافقة صديقه رايموند، فقبضت الشرطة عليه وأدانته لاحقًا مع المدانين.

في مركز الشرطة، يمارس المحققون أبشع أنواع الضغط على الموقوفين لحملهم على الاعتراف بارتكاب جريمة لم يرتكبوها، كتركهم بدون طعام لأكثر من 18 ساعة، واستخدام أساليب الترهيب والترغيب، ومحاولة حمل كل منهم على الوشاية بالآخرين، مع الإشارة إلى أن الموقوفين الخمسة لا يعرفون بعضهم من قبل (باستثناء كوري ورايموند).

يمارس المحققون حربًا نفسية حقيقة على الأطفال بكل معنى الكلمة، يعدونهم بأنهم سيعودون إلى البيت فور الإدلاء بالاعترافات ولن يتم زجهم بالسجن، يتمّ التحقيق في غياب أولياء أمورهم وهو أمر مخالف للقانون بحكم أنهم لم يبلغوا السن القانونية. يحصل المحققون على تسجيلات فيديو متناقضة وغير متماسكة، ومع ذلك يقدمونها للمحكمة، لثقتهم يومها بأن القضاء سينحاز لهم.

تتشكل لجنة من المحاكمين للدفاع عن المتهمين الخمسة، تساندهم عائلاتهم وتؤمن ببراءتهم حتى النهاية، يتم تنظيم تظاهرات وحملات رافضة لإدانتهم، يصرّ الناشطون فيها على أن التوقيف  أتى على خلفية عنصرية.

تنعقد المحكمة في النهاية، وبالرغم من كل الحجج القوية التي يقدمها محامو الدفاع، عن لامنطقية الأحداث في فيديوهات الاعتراف، وعدم مطابقة فحوصات الحمض النووي للسائل المنوي على قميص الضحية التي فقدت ذاكرتها بعد الحادثة، مع أي من الموقوفين الخمسة، فإن المحكمة تقرر إدانتهم في النهاية، فيُزجّ بهم في السجن، في الوقت الذي كان ينعم المجرم الحقيقي بحريته، ويقوم باغتصاب ضحايا جدد!

يُسلخ الفتية الخمسة عن مقاعد دراستهم، تُنتزع أحلامهم وآمالهم بالمستقبل ويٌحشرون في سجون مع قتلة ومجرمين لا يعرفون الرحمة.

في الجزئين الثاني والثالث، ينقل لنا المخرج الحياة داخل السجون في أميركا في تلك الحقبة والفساد المحيق بها من عنف، رشاوى للحرس، اعتداءات جنسية وتمييز عنصري. يعاني الأهل الأمرين بسبب بعد السجون التي توزع فيها أولادهم عن حي هارلم، وبسبب التكلفة المادية العالية للزيارات وللاتصالات الهاتفية، مع العلم أن أتعاب المحامين استنزفت كل قواهم المادية. يبدأ الفتية الخمسة بالخروج تباعًا من السجن مستفيدين من قوانين تخفيف العقوبات كحسن السلوك وإطلاق السراح المشروط. يصّور لنا ديفارناي حياتهم بعد الخروج من السجن، والصعوبة التي واجهوها في الاندماج مرة جديدة في المجتمع، حيث عاملهم الناس كمغتصبين وحوش، الأمر الذي قلّل فرصهم في إيجاد فرص العمل، وأثّر على علاقاتهم العاطفية والاجتماعية فدفعوا الثمن مرة أخرى.

يركّز الجزء الرابع بشكل أساسي على كوري وايز، أكبر الفتية سنًا، وآخر من خرج من السجن. يتنقّل كوري بين عدة سجون ويواجه أقسى أنواع العذاب والاضطهاد. يرفض أكثر من مرة الإفراج المشروط لأن ذلك يتطلّب منه أن يعترف بجريمته وأن يبدي ندمه، وهو الأمر الذي رفضه رفضًا قاطعًا، مثله مثل رفاقه الأربعة. يقضي شهورًا طويلة في السجن الانفرادي، ويتلقى خبر وفاة شقيقه المتحول جنسيًا، وتقلّ زيارات والدته له بسبب ظروفها الصعبة، ومع ذلك يرفض الفتى الرضوخ والاعتراف بجريمة لم يركتبها. يقول كوري لمأمور السجن للجنة: "إذا كانوا لا يريدون الاستماع للحقيقة، فلا داعي لإهدار طاقتي".

يضعنا مسلسل "عندنا شاهدونا" أمام سؤال كبير: هل تمكن إزالة الآثار النفسية والجروح العميقة التي حُفرت في وجدان الضحية بعد رد الاعتبار له؟

في العام 2002، يستيقظ "ضمير" المغتصب الحقيقي، ويقرّر بمسؤوليته الكاملة وحيدًا عن قضية المهرولة. يخرج كوري من السجن، ويتم تكريم الفتية الخمسة في مسقط رأسهم. تُسقط كل التهم عنهم ويبدؤون حياة جديدة بسجلات نظيفة، لكن هل يمكن إزالة الآثار النفسية والجروح العميقة التي حُفرت في وجدانهم؟

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل "آخر القياصرة".. الوثائقية أقوى من الدرامية

قضى الشبان الخمسة ما بين 6 و13 سنة في السجن، فقط لأن السلطات لم تبذل الجهود الكافية لكشف المجرم الحقيقي، المجرم الذي دخل السجن بعد أشهر من حادثة المهرولة، بسبب جريمة اغتصاب أخرى. السلطات لم تكلف نفسها عناء البحث عن رابط بين الجريمتين المتقاربتين زمنيًا والمتشابهتين شكلًا مضمونًا، بل أدانت خمسة أبرياء ذنبهم أنهم تواجدوا في المكان الخاطئ في التوقيت الخاطئ وتحت حكم سلطة متحيّزة.

اقرأ/ي أيضًا:

رمزية اللباس في "La Casa de Papel".. سلفادور دالي والبزّات الحمراء

هكذا يظهر العالم على نتفليكس: عواصم تحتلها المافيا