مسلسل

مسلسل "Unbelievable".. قصة دامية عن الاغتصاب

من المسلسل (IMDB)

قدمت شبكة نتفليكس الرقمية منتصف الشهر الماضي واحدًا من أفضل أعمال دراما الجريمة التي أنتجتها خلال العام الجاري، والمقصود هنا مسلسل "لا يُصدّق" (Unbelievable) المكون من ثمانية حلقات، والمقتبس عن قصة حقيقية لمجموعة من النسوة تعرضنّ للاغتصاب بين عامي 2008 – 2011 في منطقتين مختلفين، تبدأ في مدينة لينوود بالعاصمة واشنطن، وتنتهي في مدينة جولدن بولاية كولارادو.

مسلسل "لا يُصدّق" مقتبس عن قصص حقيقية لمجموعة من النسوة تعرضنّ للاغتصاب بين عامي 2008 – 2011

تسير حبكة "لا يصدق" الدارمية في مسارين مترابطين في القصة نظرًا لأن المغتصب رجل واحد، أو بالأحرى هو "مغتصب متسلسل" يختار ضحاياه بعد مراقبتهنّ، كذلك فإن الإطار العام للعمل الدرامي لم يخرج عن دائرة التسلسل السردي للتحقيق المطول الذي أنجزه كريستيان ميلر، وكين أرمسترونغ لصالح مشروع مارشال وموقع بروبوبليكا الإخباري تحت عنوان "قصة لا تصدق عن الاغتصاب" في كانون الثاني/ديسمبر 2015، وحاز على جائزة بوليتزر للصحافة التفسيرية في نيسان/أبريل 2016.

اقرأ/ي أيضًا: على نتفليكس.. الجنس والعنف ومستقبل البشرية

يبدأ المسار الأول من العمل الدرامي  في لينوود عام 2008، بوصول المحققيّن روبرت باركر وبرويت لأخذ إفادة ماري أدلر، فتاة بسن الـ18 كانت أولى ضحايا المغتصب المتسلسل، وأحد أهم محاور القصة بشكلها العام؛ قبل المحققيّن تأخذ شهادة أدلر للمرة الأولى من قبل كورن "الشرطي الصالح" كما يصفه باركر المحقق الرئيسي للقضية، هذه النقاط التي قد يظنها القارئ حرقًا لقصة "لا يصدق" على نتفليكس، ستكون مهمًة لما وصلت إليه قضية أدلر لاحقًا.

تعيش أدلر التي فقدت عائلتها بسن مبكرة ضمن سكن شبابي مخصص من قبل أحد دور الرعاية للشبان البالغين، وهي فتاة متبناة من عائلتين، تلعب العائلة الأولى (جوديت العازبة) بالاشتراك مع كولين (العائلة الثانية) دورًا أساسيًا في تحويل قضية أدلر من فتاة تعرضت للاغتصاب بطريقة سادية إلى فتاة تدعي أنها اغتصبت للحصول على اهتمام الآخرين، بعد حديث جوديت مع باركر عن طبيعة الحياة التي تعيشها أدلر، والأخير بحكم نفسية المحققين الذكور لا يتوانى عن إجبار أدلر على تغيير إفادتها من ضحية إلى فتاة مراهقة قدمت بلاغًا كاذبًا. يدخل في سوء فهم شخصية أدلر من العائلتين، ثلاثة جوانب مهمة، صراع الأجيال بسبب سوء فهم تصرفات أدلر من قبل جوديت في المرتبة الأولى، وعدم فهم نفسية الشخص الذي تعرض للاغتصاب على يد شخص مجهول في المرتبة الثانية، وتولي القضية من قبل محقق ذكر في المرتبة الثالثة، فمأخذ جوديت على أدلر أنها تسيء التصرف أمام الذكور كأن ترقص على طاولة خشبية أمام شابين بحركات تظنها "فاضحة".

هذا المثال على نوعية الحديث الذي دار بين جوديت وباركر لتقنعه بوجهة نظرها أن أدلر تكذب، جعل باركر لا يكلف نفسه عناء الفحص أكثر فيما تعرضت له باركر، هكذا تخبرنا زاوية الكاميرا الإخراجية التي تظهر أدلر كأنها محاصرة لأكثر من مرة، تسأل أدلر في أحد المشاهد المحققين: "هل أنا في مشكلة؟"، تتحول في لحظة واحدة من ضحية إلى مدانة بالكذب.

تنتهي قضية أدلر في لينوود بإغلاقها من قبل باركر بعد إجبارها على تغيير إفادتها، تخضع الفتاة للاستجواب لأكثر من مرة بعدما حرّف باركر بمساعدة صديقه المحقق برويت القضية عن مسارها الصحيح؛ يرتاح باركر من عناء البحث عن المغتصب بإغلاق القضية، يقول باركر في حديثه الهاتفي مع توم الذي يتصل به لأخذ معلومات أدلر لتقديم الرعاية الصحية والنفسية لها، إن اغتصابها: "كان مزيفًا.. لقد اختلقت القصة"، فيجيبه توم: "عملية اغتصاب أقل في العالم.. هذا جيد في النهاية".

ينتقل المسار الثاني من العمل إلى جولدن في عام 2011 عندما تتعرض إمبر ستيفنسون للاغتصاب من المغتصب عينه، ومن محاسن الأقدار أن تتولى المحققة كارين دوفال قضيتها، عندما تصل تجد إمبر تقف وحيدًة أمام بناء منزلها، تخبرها بدايًة أن المسعفين موجودن لأجلها، تتعامل معها بروح الأنثى، تعرف ماذا يعني أن تتعرض إحداهنّ للاغتصاب، على عكس حالة أدلر التي لم يهتم أحد بحالتها النفسية جراء الصدمة، الأمر وصل بتجاهلها حتى من أقرب الأشخاص لها.

تضعنا المقارنة بين آلية التحقيق التي لجأ إليها باركر ودوفال، أن الأول استهلك أدلر بطريقة ليس لها علاقة بالتحقيق الجنائي لمثل هذه القضايا، ذهب لأخذ إفادة المقربين منها، وحولها في إطار رسمه لخارطة التحقيق لمتهمة بعدما أسقط عنها دور الضحية، وفي لحظة ما أراد برويت المحقق الآخر إخضاعها لجهاز اختبار الكذب للتأكد من أنها تعرضت للاغتصاب فعلًا، بينما قامت دوفال بتقديم جميع أنواع الدعم لإمبر، لم تشكك في روايتها إنما ذهبت للبحث أكثر في تفاصيل القضية من خلال أسئلتها.

تسير حبكة المسلسل في مسارين مترابطين نظرًا لأن المغتصب رجل واحد، أو بالأحرى هو "مغتصب متسلسل" يختار ضحاياه بعد مراقبتهنّ

هنا تكمن نقاط الاختلاف بين باركر ودوفال، عقلية إدارة مجريات التحقيق من وجهة نظر ذكورية ونسوية، والعلاقة التي نشأت بين الفتاتين والمحققين، على الجانب الأول كانت العلاقة مضطربة بين أدلر وباركر أوصلت بالفتاة لأروقة المحاكم لمحاكمتها على تقديم إدعاء كاذب، وأدخلتها في برامج الولاية للعلاج النفسي، وحولتها لفتاة منبوذة من الجميع لا يمكنها الحديث عن تعرضها للتحرّش من قبل مسؤول قسم التخزين في المتجر الذي كانت تعمل به بسبب اشتداد النقمة عليها، بينما خلقت دوفال مع إمبر علاقة مختلفة جعلت الفتاة تخبرها في وقت ما أنها أقامت علاقة حميمية مع شابين بدون أن تعرف لماذا فعلت ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل "آخر القياصرة".. الوثائقية أقوى من الدرامية

يأخذ التحقيق مسارًا ثالثًا بعدما تكتشف دوفال عن طريق زوجها أن المحققة غرايس راسموسين تحقق بقضية مشابهة، ما يعطي المحققتيّن دفعًا قويًا للغوص أكثر في البحث عن المغتصب المتسلسل بعدما يكتشفوا وجود سيدتين آخرتين تعرضنّ للاغتصاب بنفس الطريقة، ولديه محاولة فاشلة مع إحدى ضحاياه نجت بنفسها بالقفز من النافذة.

تقود دوفال بالاشتراك مع راسموسين التحقيق بتخصيص جميع الموارد المتوفرة لاكتشاف المغتصب بعد اتفاق جميع الروايات على أنه رجل أبيض مقنع يخضع ضحاياه تحت تهديد السلاح الأبيض، ولاحقًا يبدأ باستخدام المسدس، يقوم بتقييّد الضحايا وتكميم أفواهنّ، وعندما ينتهي من اغتصابهنّ يأخذ لهنّ صورًا تذكارية بوضعيات مختلفة، وثم يجبرهنّ على الاستحمام لإخفاء الأدلة، وعدم اكتشاف الشرطة هويته عند اللجوء لتحليل الحمض النووي DNA، إلا أنه في النهاية تقود جهود المحققتين للقبض على الفاعل، ونكتشف أنه كريستوفر مكارثي الجندي السابق في الجيش الأمريكي.

يرفض مكارثي طوال فترة محاكمته الحديث مع الشرطة، لكنه في النهاية يطلب الحديث لتبرير أفعاله مع رجل لا امرأة لأن "النساء يشعرنه بالانزعاج"، يقول مكارثي في حديثه مع الشرطة إنه عندما نفذ جريمته الأولى (المقصود هنا أدلر) في واشنطن: "تركت أشياء مختلفة.. الشعر والسوائل.. لم أفكر سوى بالحمض النووي المنتشر في المكان.. كنت واثقًا بأنهم سيطرقون بابي في اليوم التالي لاعتقالي.. لكن لم يحصل شيء.. لذا تبدأ تفكر.. رائع أظن بوسعي فعل هذا".

من خلال الصور التي يقوم مكارثي بتخزينها في كاميراته لضحاياه، تكتشف المحققتان وجود ضحية مجهولة لم يسمعا بها خلال عملهما على القضية، هذه الضحية ليست سوى أدلر التي يكتشف في النهاية صدقها، في هذه اللحظات هناك مشاعر مضطربة ستصيب المتفرج، قشعريرة مع ألم عميق عند المقارنة بين دوفال وراسموسين من طرف، وباركر الذي بقي مصرًا على تكذيب رواية أدلر من طرف آخر، باركر المحقق الذي كان سببًا بتعرض ستة نساء على الأقل للاغتصاب 30 مرة من قبل مكارثي.

 

مسلسل "لا يصدق" مشغول بروح نسوية خالصة تنتصر للنساء المضطهدات من وجهات النظر الذكورية

ينتصر "لا يصدق" للنسوة ضحايا مكارثي بأنه أعطى للأخير مشاهد قصيرة جدًا لحد لا يمكن تذكرها، يظهر بما لا يزيد عن ستة أو سبعة مشاهد في آخر حلقتين فقط، ولا يجري تصويره كما درجت العادة في مثل هذه الأعمال على أنه مريض نفسي أو مختل عقليًا، المشهد الوحيد الذي من الممكن أن يبقى ثابتًا في ذهن المتفرج، عندما يتم تجريده من جميع ملابسة في غرفة الحجز، نوع من الانتقام للنسوة اللواتي وجدنّ أنفسهن ضحية شهوته السادية، وينتصر العمل ثانيًا للنساء اللواتي تعرضنّ للاغتصاب بتجنب تكثيف مشاهد الاغتصاب التي استبدلت بمشاهد سريعة تكفي لتعطي المتفرج صورًة واضحة عمّا تعرضنّ له.

أقرأ/ي أيضًا: مسلسل "النخبة".. عن التعدّدية الجنسيّة وتنوّع الثقافات وفلسفة العالم الحديث

لذا إذا أجزنا القول فإن "لا يصدق" مشغول بروح نسوية خالصة تنتصر للنساء المضطهدات من وجهات النظر الذكورية، منتصرًة لهن في هذا العصر الذي ينظر لأجسادهنّ على أنها سلعة قابلة للاستهلاك كيفما أراد المجتمع الذكوري الأمريكي، لذلك لم يتم إظهار الاهتمام بمكارثي ودوافعه بقدر ما جرى التركيز على أدلر الفتاة التي تجاهل قضيتها الجميع، وإصرار دوفال مع راسموسين إلقاء القبض على المغتصب، بعد فشل ثلاثة محققين ذكور على الأقل بذلك.

أقرأ/ي أيضًا:

Osmosis.. عندما تقرر الروبوتات اختيار الشركاء العاطفيين

"بدون قيد".. ثلاث قصص سورية تحطم تابوهات الدراما التقليدية