13-فبراير-2022

من المسلسل (IMDB)

أثناء دراستي لمادة السيناريو، تعلمت أن أسوأ السيناريوهات تلك التي أحداثها مبنية على صدف غير مبررة. الحياة مليئة بالصدف غير المبررة، هذى الحياة وقوانينها. أما في الدراما فالوضع مختلف قليلًا، لا بد من توضيح الأسباب بشكل جلي كي لا يلتبس الأمر على المشاهد أو تصبح المشاهد غير مفهومة كقطع أحجية في غير مواضعها. كما للحياة الواقعية قوانين فللدراما أيضًا قوانينها التي يصنعها كل كاتب لقصته حسب ما يتراءى له، ففي الحياة مثلًا لا توجد أحصنة طائرة، أما في الدراما فنحن نصدق كل شيء ولو حصانً طائرًا.

في الحياة قد يتعرض أي شخص لحادث سير، آلاف من حوادث السير يوميًا دون أن يلتفت لها أحد، أما في الدراما فحادث السير الواحد له أسبابه وخلفياته وتوابعه

في الحياة قد يتعرض أي شخص لحادث سير، آلاف من حوادث السير يوميًا دون أن يلتفت لها أحد، أما في الدراما فحادث السير الواحد له أسبابه وخلفياته وتوابعه المؤثرة في خط سير الأحداث، إذا لم يكن الحدث مؤثرًا ومبررًا في الوقت ذاته فلا داعي لحشره حشرًا بالأحداث؛ هذا خلل واضح وضعف من الكاتب. إذا انكسر حافر الحصان الطائر ضمن الأحداث فيجب إيضاح أسباب ومبررات وتوابع هذا الكسر. بعدما يصطف القانون الدرامي بوضوح لا يعود للصدف مكان لأننا لا نستعرض الحياة على الشاشة بل نستعرض "كذبة الدراما الصادقة".

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل "سكويد غيم".. سياسات العنف الرأسمالية

عايزة اتجوز.. عايزة اتطلق

ضمن دراما شهر رمضان عُرض مسلسل "عايزة اتجوز" لكاتبته غادة عبدالعال للمرة الأولى في عام 2010. تلقى الجمهور العربي، والمصري تحديدًا، حلقات المسلسل الثلاثين بإعجاب كبير ومتابعة يومية ما جعل المسلسل يحقق نجاحًا كبيرًا، ويظل أحد أمتع مسلسلات الكوميديا الاجتماعية في السنوات الأخيرة. وبعد مرور أكثر من عقد كامل على عرض المسلسل، قرر صانعوه إنتاج جزء جديد منه، وبدأت الدعايا له مبكرًا تحت عنوان "عايزة اتطلق" اعتمادًا على نجاح الجزء الأول. ومنذ تلك اللحظة بدأ محبو المسلسل –وأنا منهم- في بناء التوقعات وانتظار عرض الجزء الجديد بشغف حتى حانت لحظة العرض تحت عنوان "البحث عن علا" من إنتاج شبكة نتفلكس العالمية، جاء الخبر مبهجًا، أخيرًا سنشاهد عملاً دراميًا جيدًا وبإنتاج كبير، لنستعد للمتعة إذًا.

الخبر السيئ الأول قبل أن نبدأ المشاهدة أن المسلسل ست حلقات فقط بعد كل هذه الفترة الطويلة من الانتظار، ولكن لا بأس، لنستمتع بهم كما يجب. الخبر السيئ الثاني أن البطولة تشاركية مع هاني عادل بأداء باهت ومكرر ومحفوظ. الخبر السيئ الثالث أن عائلة علا عبد الصبور المكونة من أمها وأبيها وأخيها وجدتها، والذين كان دورهم محوريًا ومحركًا رئيسيًا للأحداث ولخلق المواقف الكوميدية، تم اختزالهم في دور أمها فقط وبمساحة درامية غير كافية.

جزء ثانٍ من "عايزة اتجوز" أم مسلسل مختلف؟!

ربما لو نظرنا إلى المسلسل على أنه عمل مستقل ومختلف وليس جزءًا تكميليًا لعايزة اتجوز لأصبحت رؤيتنا أقل حدة، ولكن المؤسف أن الصحافة والصناع أنفسهم سوّقوا للعمل على أنه جزء جديد من عايزة اتجوز، فظهر السؤال الأول على الألسنة: أين علا عبد الصبور التي نعرفها وعاصرناها في الجزء السابق؟ الشيء الصادق الوحيد في المسلسل هو عنوانه "البحث عن علا" فالمشاهدون يبحثون عن علا ولا يجدونها.

الصحافة وصناع العمل أنفسهم سوّقوا له على أنه جزء جديد من عايزة اتجوز، فظهر السؤال الأول على الألسنة: أين علا عبد الصبور التي نعرفها؟

كل شيء في المسلسل مختلف ولا يلبي التوقعات، توقعاتي على الأقل، بداية من السيناريو الأضعف كثيرًا من سابقه، والمطوّع لإرضاء الشركة المنتجة التي في أغلب إنتاجاتها تتبع سياسات معينة على رأسها الاهتمام البالغ بمواد التسلية الخفيفة كوجبات المطاعم السريعة المطهوة على عجل وبلا نكهة مميزة، ولكن لها جمهورًا عريضًا يعتادها مع الوقت حتى يفقد شهيته للأطعمة الطازجة والجيدة، كذلك البعد عن الموضوعات الاجتماعية التي يمكن وصفها بالقريبة إلى تمثيل الواقع واستعراضه في القالب الدرامي المناسب، فلم تعد المأساة والميلودراما ومشاهد الفقر والجوع والجهل والعذاب يثير شهية المنتجين ولا الممثلين ولا المشاهدين أيضًا. فالصناع يبحثون عن أعمال سريعة وسهلة التنفيذ، يمكن تصويرها في الكومبوندات والفيلل الفاخرة والسيارات الفارهة والأزياء الجميلة، أعمال لا يضطر فيها الممثلون إلى بذل جهد وعرق أو اتساخ ملابسهم.

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل "جنّ" على نتفليكس يجنّن الأردنيين.. ما قصّته؟

وهي نفسها الأعمال التي تثير شهية المشاهدين أيضًا لأنها لا تمثل حيواتهم الحالية البائسة التي يهربون منها، ولكن تمثل حيواتهم المتخيلة التي يحلمون بها والتي يسعون إليها كشكل من محاولات الترقي الطبقي وكجزء من سياسات الاستهلاك الرأسمالية العالمية التي تُزرع في العقول بشكل لا واعي يومًا بعد يوم، فلا أحد يرضى ولا أحد يكتفي بما لديه لأن هناك دومًا شكل آخر للسعادة ونوع مختلف من المنتجات عليه تجربتها، وأصناف من التجارب لم يخضها بعد، عليه أن يجرب هذه السعادة التي لا يعرفها ويراها فقط داخل الشاشات.

مثلت عائلة علا عبدالصبور –النسخة القديمة- نموذجًا حقيقيًا للطبقة المتوسطة بأزماتها ومشاكلها، مركزة على الظروف الاقتصادية التي أجبرت الشباب على العزوف عن الزواج ما تسبب في تفاقم أزمة العنوسة وارتفاع سن الزواج، فالعنوسة هي الفكرة المحركة للأحداث والمواقف. شعرنا أن علا عبدالصبور ممثل حقيقي عنّا يستعرض ما يمر به غالبية المصريين في الطبقة المتوسطة حتى ولو طغت الفانتازيا والكوميديا على الحلقات، ولكننا صدقناها لأن قانون الدراما الذي وضعته غادة عبد العال مناسبًا لما قدمته، فنحن هنا لا نحاسب "البحث عن علا" عن عدم واقعيته، ولكن على اعتماده الواضح على نجاح الجزء الأول واستسهاله في التناول وضعف الحبكة وقانون الدراما وانصياعه لرغبات الشركة المنتجة، ما جعل المسلسل في نظري بلا أي روح أو لمسة مميزة.

الطبقة المتوسطة في الميزان

لم يقدم المسلسل تفسيرًا مقبولًا للمشاهد للتحول السريع وغير المفهوم في حياة علا عبد الصبور، بداية من اختفاء أفراد عائلتها، فكيف لا يتواجد الأخ ولو بمكالمة تليفونية أو رسالة نصية للاطمئنان عن والدته، أو للوقوف بجانب أخته في ظروفها الأسرية، مشهد واحد لا يتعدى الدقيقة الواحدة كافيًا لتبرير اختفاء الأخ، لكن السيناريو بخل به على المشاهد لتظل هناك فجوة مفتوحة. ومن اختفاء أفراد الأسرة إلى انتمائها إلى فئة اجتماعية أرقى طبقيًا، دون تبرير واضح أيضًا في ظل ضغوط اقتصادية كبيرة في السنوات الماضية لا تجعل من السهل أبدًا على أسرة متوسطة عادية بلا أي امتيازات أن تترقى إلى طبقة أخرى بهذا الشكل السريع، بل ما عاصرناه أن الطبقة المتوسطة تهاوت وتفسخت في السنوات الأخيرة.

مثلت عائلة علا عبدالصبور –النسخة القديمة- نموذجًا حقيقيًا للطبقة المتوسطة بأزماتها ومشاكلها، مركزة على الظروف الاقتصادية التي أجبرت الشباب على العزوف عن الزواج

والغريب أن المسلسل ظل يدور في فلك الطبقة المتوسطة، وكأن هذا هو الشكل الجديد والسمات المميزة لهذه الطبقة، أفرادها يتحدثون الإنجليزية، وأطفالهم يتعلمون في مدارس لغات خاصة، ويعيشون في منازل فارهة، ويمتلكون السيارات الحديثة، ويلبسون الماركات العالمية ويتعاملون معًا بكل رقي وتقبل واحترام، لم يعد للطرق المزدحمة وسيارات الميكروباص وأتوبيسات النقل العام ومترو الأنفاق أي وجود، لم نرَ منازلًا أو بيوتًا تشبه بيوت الطبقة المتوسطة، لم نشهد أي مشكلة حقيقية تشبه مشاكل هذه الطبقة.

اقرأ/ي أيضًا: صورتنا كأصحاب ولا أعز

وكما ذكرنا فهذا ليس عيبًا ألا تكون الدراما واقعية، فللدراما قوانينها، ولكن يجب أن تُحاك القوانين جيدًا لنصدقها، والقوانين هنا مهترئة لا تُصدق، نحن نتحدث عن كوميديا اجتماعية من المفترض أنها واقعية تحاكي أزمات الطبقة المتوسطة، لكن أين الطبقة المتوسطة وأين هذه المحاكاة وأين علا عبد الصبور؟!

فمن أغرب المشاهد بالمسلسل –على سبيل المثال-  عندما سألت سوسن بدر (أم علا) عن الطريقة التي سيعيشون بها وكيف سينفقون بعد الطلاق؟ وكأن هذا الصعود الغريب في الثروة والحياة المرفهة هو نتاج الزواج فقط! وهنا يصر المسلسل مرة أخرى على إقناع المشاهد أنه لا يزال يتحدث عن الطبقة المذكورة، والأغرب من ذلك هو المشهد الذي تخبر فيه الطفلة أمها هند صبري أنها Vegan أو نباتية! تخيل طفلة بالطبقة المتوسطة لديها ثقافة أن تكون نباتية وتخبر أمها بكل بساطة "أنا Vegan"، لا أنكر أن ثقافة التوجه إلى الأطعمة النباتية واحترام الحيوان والبيئة بدأت في الانتشار في مصر بين الطبقات العليا وكذلك المتوسطة العليا، لكنه لا يزال انتشارًا محدودًا وليس بين الأطفال. هذه طبقة متوسطة مزيفة على كل حال. يقدم المسلسل صورة عمّا تسعى الطبقة المتوسطة أن تكونه وليس عنها، صورة عن حلم وردي لطبقة مطحونة.

طريق نجاح المرأة غير مفروش بخالد النبوي

ومن نظرة نسوية، بما أن مؤلفة المسلسل امرأة، وبطلة العمل امرأة، والعمل نفسه يركز على مشكلات النساء التي يواجهونها بعد الطلاق، فالمسلسل يقدم صورة خادعة بالكامل وتسفيه لنضالات المرأة في مجالات العمل، وكأن نجاح المرأة في سوق العمل مرتبط فقط بأن تنوي النجاح وأن تبدأ، وعندها ستذلل كل العقبات وتنشق الأرض عن خالد النبوي رجل الأعمال الوسيم الذي سيدعم المرأة ويمهد لها كل العقبات في طريق النجاح، لم يلتفت إلى أن طريق نجاح المرأة غير مفروش بخالد النبوي، وأن سوق العمل به من المهازل ما لا يعد ولا يحصى، وأن الحد الأدنى للأجور 2400 جنيهًا شهريًا بما يوزاي 150 دولارًا، وأن أغلب الشركات وأماكن العمل تمنح أقل من ذلك الحد الأدنى، ناهيك عن بيئات العمل غير الآمنة والأزمات اليومية التي يتعرض لها النساء في سوق العمل، فقط لكونهم نساء.

يقدم مسلسل "البحث عن علا" صورة خادعة بالكامل وتسفيه لنضالات المرأة في مجالات العمل، وكأن نجاحها في سوق العمل مرتبط فقط بأن تنوي النجاح فقط

اقرأ/ي أيضًا: 8 مسلسلات من أفضل إنتاجات نتفليكس

هذا التناول الدرامي ليس فاضحًا للمنظومة الذكورية بقدر ما هو مسفهًا من النساء. لم يقدم المسلسل المأمول منه والمنتظر، ولم يكن أكثر من حلقات خفيفة بلا رابط أو موضوع. استعراض هش لطبقة متوسطة غير حقيقية، وصورة خادعة للحياة التي يحلم بها غالبية المصريين وليست الحياة المعاشة. كوميديا اجتماعية لمجتمع غير موجود.

اقرأ/ي أيضًا:

"البرتقالي هو الأسود الجديد": القصة الحقيقية التي ألهمت مسلسلات نيتفليكس

مسلسلات التصهيُن وخسوف اللغة