مسرحية

مسرحية "هبوط أورفيوس" بين عدسة عاطف الطيب وخيال سيدني لوميت

الصورة التويجية لفيلم الزمار

تدور أحداث فيلم "الزمار" (إنتاج سنة 1985) للمخرج المصري عاطف الطيب، دون حرق للأحداث، حول الزمار والشاعر حسن، الذي تدفعه مطاردة الشرطة له، إلى التنقل بين قرى صعيد مصر، حتى يصل إلى قرية "العرابة"، حيث يعثر على عمل في دكان رجل يحتضر، تديره زوجته مريم التي تصغره بسنوات، ويتزامن وصوله إلى القرية مع إعلان كبار القرية أنهم بصدد التعاون مع الحزب الحاكم، من أجل بناء حوض لتحلية المياه، مشروع لن يخلو من الفساد والسرقة، وهو ما لن يستطيع الشاعر حسن السكوت عنه.

تدور أحداث فيلم "الزمار" للمخرج المصري عاطف الطيب، حول الزمار والشاعر حسن، الذي تدفعه مطاردة الشرطة له للتنقل بين قرى صعيد مصر

منذ تتر بداية الفيلم، يصرح العاملون عليه أنه مقتبس عن مسرحية "هبوط أورفيوس" لأحد أشهر مسرحيي القرن العشرين، الأمريكي تينيسي ويليامز Tennessee Williams، صاحب مسرحية "عربة اسمها الرغبة" والتي "أفلمها" المخرج إيليا كازان أفلمة بديعة، من بطولة مارلون براندو في واحد من أفضل أدواره، إضافة إلى مسرحيات أخرى مثل "قطة على سطح من الصفيح الساخن" و"ليلة الإيجوانا" و"وشم الوردة" و"صيف ودخان" و"معرض الوحوش الزجاجية"، وجميعها تم أفلمتها إلى أفلام تعتبر من عيون السينما الأمريكية في الستينات والخمسينات، كانت تلك المسرحيات تتحول إلى أفلام بالتزامن مع عرضها على المسرح، إذ سرعان ما تتلقفها استوديوهات هوليوود، وهي مكانة لم يحظَ بها أي مسرحي في تاريخ السينما.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "The Lives of Others" وتقنيات السلطة الحديثة

ولم أكن أعرف قبل مشاهدتي لفيلم الزمار، أنه مقتبس عن مسرحية ويليامز، حتى شاهدت تلك الإشارة النصية في بدايته، ولكن بعد ذلك لم أعثر على أي رائحة لويليامز في الفيلم، كل ما وجدته هو عاطف الطيب وسينما عاطف الطيب، المشغولة بالموضوع ذي الطابع السياسي الاجتماعي، والفساد، وتعاون رجال السلطة مع رجال الأعمال لاستعباد الفقراء وسرقتهم، لقد كان الفيلم شبيهًا بفيلم On the Waterfront للمخرج إيليا كازان، والذي منح مارلون براندو أوسكاره الأول، أو شبيهًا بخط شخصية فريد شوقي وعمال سكة الحديد في فيلم "باب الحديد" ليوسف شاهين.

تتميز مسرحيات تينيسي ويليامز بأنها تعطي بطولتها الظاهرية عادةً للرجل، ولكن البطل الحقيقي فيها هو المرأة، فالمرأة وسيكولوجيتها وماضيها هي الموضوع، وما إعطاؤه للبطولة الظاهرية للرجل إلا تأكيدًا على ذكورية واقعنا المعاصر، وعلى دور الرجل في تشكيل حياة المرأة، وضعف المرأة الانهزامي أمام هذا الدور الساحق، بعبارة أخرى وكأن الرجل في مسرحيات ويليامز هو المصباح، الذي سنستخدمه لنغوص في دواخل نسائه شديدة التعقيد والظلمة.

وهذه الأمور لم أرها في فيلم الزمار لعاطف الطيب، فنساؤه على كثرتهن ليس لهن ذلك التركيب النفسي المعقد لنساء ويليامز، وبطله منشغل عن المرأة بكشف الفساد في القرية، وهذا ما أثار فضولي للاطلاع على مسرحية ويليامز ومقارنتها بفيلم الطيب.

تتميز مسرحيات تينيسي ويليامز بأنها تعطي بطولتها الظاهرية عادةً للرجل، ولكن البطل الحقيقي فيها هو المرأة

أيضًا ما دفعني لذلك هو كثرة شخصيات فيلم الزمار، كثرة كمية وليست كيفية، فهي كثيرة جدًا، واحتجت تقريبًا إلى 40 دقيقة من زمن الفيلم حتى أتعرف عليها، وأفهم علاقاتها ببعضها البعض، قبل أن تبدأ حبكة الفيلم بالوضوح قرابة نهاية الساعة الأولى من الفيلم.

وعند نهاية الفيلم اكتشفت أن أكثر من نصف هذه الشخصيات لا حاجة للفيلم بها، وتحديدًا الشخصيات التي لعبها كل من بوسي ومحسنة توفيق وتوفيق الدقن وعدوي غيث ونعيمة الصغير، ومعظم أسماء هؤلاء الممثلين بمعايير الثمانينيات، وظهور بعضهم على أفيش الفيلم، يمنحك فكرة عن حجم وأهمية أدوارهم "المفترضة".

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Lady Macbeth" والتمرد حين يشرع أبواب القتل

خمنت أن هنالك شيئًا ما حصل أثناء "تمصير" عاطف الطيب وكاتبي السيناريو عبدالرحيم منصور ورفيق صبان لمسرحية ويليامز، ونتج عنه كثرة الشخصيات وضحالتها، فقررت مشاهدة أفلمة المسرحية، والتي تمت تحت عنوان The Fugitive Kind للمخرج العظيم سيدني لوميت (أشهر أفلامه: Twelve Angry Men، Network، Dog Day Afternoon)، ومن بطولة مارلون براندو أيضًا.

ولكن قبل الخوض في تفاصيل أفلمة سيدني لوميت، دعونا نعود لاسم المسرحية الأصلية "هبوط أورفيوس"، وأورفيوس هو بطل يوناني يرد ذكره في أشعار هوميروس، كان شاعرًا ومغنيًا يعزف على قيثارة، وتقف الحيوانات والطيور وحتى الماء الجاري في النهر لسماعه، وتتبعه أينما ذهب، وفي يوم ما قتلت أفعىً زوجته يوريديس، لتصبح روحًا هائمة في العالم السفلي، فيغتم أورفيوس لفراقها، ويقرر أن يسافر إلى العالم السفلي، ويجلبها من هناك، وينجح في الوصول رغم الصعاب، ويكون أول حي تطأ قدمه العالم السفلي، لكنه يفشل في العودة بها، ليعيش مغتمًا بقية حياته في عالم الأحياء، زاهدًا في النساء، يبكي زوجته يوريديس في أغانيه، حتى ينتهي به الحال مقتولًا على يد أربع نساء، أردن إغواءه فلم يستجب لهن، وتتحقق أمنيته أخيرًا باللحاق بزوجته.

تدور أحداث فيلم سيدني لوميت دون حرق للأحداث حول إكزافيه، عازف الجيتار الصعلوك، الذي يقرر وإذ أصبح عمره 30 سنة، أن يبدأ صفحة جديدة من حياته، ويترك حياة الصعلكة، ويعثر على وظيفة ثابتة، وأول خطوة يتخذها في ذلك، أن يترك مدينة نيو أورلينز، وينتقل إلى قرية ريفية في المسيسيبي، وهناك يعثر على وظيفة في محل ملابس، تديره امرأة في منتصف العمر، تدعى ليدي، متزوجة من رجل عجوز كريه على فراش الموت، ومع تقدم الفيلم نبدأ في التعرف على هذه المرأة أكثر فأكثر، وماضيها، وزواجها من هذا الرجل، كل هذا من خلال عيني إكزافيه.

فيلم "الزمار" لا حمل روح تينيسي ويليامز، ولا روح عاطف الطيب، حتى إن سمات السينما الواقعية التي ميزت سينماه لا تظهر هنا

عند مشاهدتي لهذا الفيلم وجدت روح ويليامز حاضرة بقوة، حتى في طريقة معالجته للشخصيات الثانوية، التي يقدمها للمتفرج كمفاتيح وتلميحات لفهم علاقة البطل الرئيسي بالبطلة، ووجود شخصية نسائية أخرى تمثل النقيض للبطلة الرئيسية، وهي هنا شخصية كارول، واللعب على ثيمة "الثنائيات"، التي تعتمد على مقارنة المتفرج بين الشخصيات المختلفة، ودس جمل حوارية مفتاحية، تساعده على قراء العمل من خلالها.

وبالعودة إلى فيلم عاطف الطيب، سنرى أن معظم شخصيات فيلمه موجودة في مسرحية ويليامز، باستثناء شخصيات العمال القرويين، وعلى رأسهم الشخصيتين اللتين لعبهما كل من صلاح السعدني وسعيد الصالح، والتي احتاج إليها عاطف الطيب بسبب نقله محور الأحداث من العلاقة بين الغريب إكزافييه وربة عمله ليدي في المسرحية (يناظرهما حسن ومريم في فيلم الزمار)، إلى خط أحداث جديد خلقه متعلق بالفساد.

خطوة لا أعرف بعدها لماذا إذن هذا الإصرار على الاعتماد على مسرحية ويليامز وشخصياتها، فلو أن فيلم الزمار أخذ خط أحداث هامشي في المسرحية وتوسع فيه، كعلاقة كارول بإكزافييه مثلًا، لتقبلت الأمر، ولكنه يخلق خطًا جديدًا، وحبكة جديدة، ويجلب معها شخصيات جديدة، غير شخصيات المسرحية الأصلية، والنتيجة كانت من وجهة نظري أشبه بثوب جميل تم قصقصته ثم ترقيعه.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Gifted".. ما النافع إذا خُلّد اسمك ومت وحيدًا؟

فالشخصيات الأساسية التي اقتبسها فيلم عاطف الطيب من المسرحية، فقدت معنى وجودها في الفيلم، فطوال مشاهدتي للفيلم لم أفهم ما سر علاقة حسن بربة عمله مريم، ولا لماذا يقبل توفيق الدقن بدور لا معنى له كدور الرجل المريض زوج مريم، وما سبب وجود شخصية دولت التي تعاني من مرض نفسي، ولولا عودتي لمسرحية ويليامز لما استطعت معرفة جذور هذه الشخصيات، التي تجردها أفلمة الطيب من كل معانيها، وتحولها إلى مجرد محركات، وظيفتها الإدلاء ببعض المعلومات التي ستساهم في تحريك الخط الرئيسي لأفلمته، خط الفساد. وبالمقابل أتى هذا الاكتظاظ في الشخصيات على حساب أبطال العمل الحقيقيين، أي العمال، فشخصية صلاح السعدني مثلًا أتت غير مفهومة أيضًا، ولا تفاصيل تثريها، وتبرر وجودها، رغم التصاقها الوثيق بخط الفساد.

كل ما وجدته بفيلم "الزمار" هو سينما عاطف الطيب، المشغولة بالموضوع ذي الطابع السياسي الاجتماعي والفساد

تعبر هذه التغييرات عن سينما عاطف الطيب، وعن أهمية المحتوى السياسي الاجتماعي عنده، ولا أرى مبررًا لاقتباسه لمسرحية ويليامز، ومحافظته على شخصياتها، رغم ما تشكله من عبء على حبكته، إلا ربما محاولة الطيب إضفاء بعد درامي عاطفي على قصته، بمعنى آخر تخفيف نبرة المباشرة السياسية في أفلامه، وتشتيت ذهن المشاهد عنها، وهي التهمة التي التصقت بسينما عاطف الطيب. ولكن النتيجة كانت ماسخة، فلا الفيلم حمل روح ويليامز، ولا روح الطيب، حتى إن سمات السينما الواقعية التي ميزت سينماه لا تظهر هنا، فلا تشعر أن قرية "العرابة" قرية صعيدية حقيقية، بل إنها أقرب لموقع تصوير صناعي في استوديو.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "Incendies".. حرائق الحرب الأهلية التي لا تنطفئ

فيلم "الرجل الذي فقد ظله".. كيف يمكن للوهم أن يدمّر صاحبه؟