مسرحية

مسرحية "الراحلة".. الألم بالجملة

من العرض

أسفرت تصفيات المهرجان المغاربي للمسرح في مدينة وادي سوف، 600 كلم جنوب الجزائر العاصمة، عن فوز مسرحية "الراحلة" بجائزة أفضل عرض متكامل، والذي حمل هذه المرة اسم فلسطين، تزامنًا مع الأسبوع الثقافي والرياضي الفلسطيني في الجزائر.

تحكي "الراحلة" يوميات امرأة جزائرية ترى بأنها دفنت حية في عمارة شعبية

المسرحية التي أخرجتها الفنانة الجزائرية تونس آيت علي ولعبت دورها الرئيسي في الوقت نفسه، إنتاج خاص "بفرقة البهجة" المستقلة، ما إن ظهرت حتى راحت تحصد جوائز عربية وجزائرية وازنة، كانت آخرها، قبل مهرجان وادي سوف، جائزة "النخلة الذهبية" في مدينة أدرار بأقصى الجنوب الجزائري، بالنظر إلى الجماليات التي توفرت في مختلف عناصرها من سينوغرافيا وموسيقى وتمثيل، في تكامل فني ورَّط المتلقي في الحكاية.

اقرأ/ي أيضًا: "ثياترو" الموريتانيّ.. إشكالية التأسيس

ليست الحكاية سوى يوميات امرأة جزائرية ترى بأنها دفنت حية في عمارة شعبية، ولم يعد لها دور، إلا أن ترضي ذكور العائلة، خاصة أخاها الذي استحوذ على اهتمام الوالدين وشغفهما، فأهميتها لا تتأتى من كونها إنسانة ذات قلب وروح وعقل، بكل ما يترتب عن ذلك من مشاعرَ وأفكار وأحلام، بل من كونها مسخّرة لخدمة هذا الأخ، والسهر على راحته التي يجب ألا تخدش.

تلجأ بطلة المسرحية، في ظل هذا الوضع المتعسف، إلى أن ترتبط في الخيال بفتى أحلامها، وتنجب منه طفلة أسمتها "الراحلة"، غير أنها لم تنجُ حتى في الخيال من الخيبة، إذ هجرها زوجها، وأسلمها للضياع، بل إنه ظل يهدد بقاء صغيرتها معها، لتنفتح الحكاية التي كتبت بلهجة جزائرية مثقلة بالأوجاع، على أكثر من خيط ينسج أحلام وآلام وأوهام المرأة الجزائرية الماكثة في البيت. هذه الخيوط ساهم الفنان مختار حسين، بعزفه وأغانيه الحية المرافقة للتمثيل، والتي كتب كلماتها الفنان حسين بن شميسة، في جعلها أكثر فعالية في تقريب الأفكار والعواطف من المتلقي الذي سرعان ما يشرع في مراجعة حساباته في تعاملاته مع المرأة.

تقنيتان اعتمدتهما المخرجة جعلتا العرض بعيدًا عن الضجر هما تقسيم الركح إلى قسمين واحد للممثلة وآخر للموسيقى في انسجام جمالي يجعلنا نفهم أنه أخوها أيضًا، مما خلق تفاوتًا في النظر إليه بين الرضا والسخط، أخ يمارس التعسف في حق أخته وفنان يمارس الفن بإيقاعات جزائرية-أفريقية متجذرة. التقنية الثانية هي تداخل الأدوار التي تقمصتها الممثلة، وقد بلغت عشرة أدوار مما عدد الأصوات والنفسيات والذهنيات والأمزجة والحركات والمواقف والأحكام، معظمها كان موجودًا في القاعة بين المتفرجين، بما يجعل المتلقي يضحك على نفسه، ذلك الضحك الذي يشبه نقد الذات.

بفعل ظروف مالية قاهرة، ورغبة الفنانين الجزائريين في إثبات ذواتهم، إلى جانب عوامل موضوعية أخرى ازدهر المسرح أحادي الممثل في الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، حتى بات يشكل ظاهرة جديرة بالانتباه والدراسة، خاصة في ظل إقبال الجمهور عليه.

اقرأ/ي أيضًا:

"توك توك".. بعيدًا عن السينما النظيفة

9 تشكيليين رسموا الست.. تلوين صوت الزمن