مسرحية "أم كلثوم: دايبين في صوت الست".. هل يكفي الإبهار لتقديم عرض مؤثر؟
6 نوفمبر 2025
شعرٌ ذات كعكةٍ كبيرة غير منسدلة مطلقًا تُعلي من وقارها، نظارةٌ سوداء تحمل الغموض، وعدم النظر مباشرةً لملامسة مشاعرها كإنسانة، فساتين طويلة، ومنديل في اليد ملازم لها، تلك هي موتيفات الست أم كلثوم. عادةً عندما يبدأ المقال باسم شخصية شهيرة، لابد من كتابة ولو مقطعٍ تعريفي بسيط عن الشخصية، ولكن في هذه الحالة لم نكتب شيئًا مثل هذا، لأن أم كلثوم مُعرَّفة بقوةٍ للجميع في العالم أجمع، على المستوى الفني، وعن تلك الموتيفات التي تمثلها كأيقونة. إذا أراد أحد وصفها أو رسمها أو نحتها، أو حتى إذا أرادت إحداهن التشبه بها سترتكز على التفاصيل نفسها. ومنها قُدّم العرض المسرحي "أم كلثوم.. دايبين في صوت الست" من إنتاج العدل جروب، تأليف وأشعار مدحت العدل، موسيقى وألحان خالد الكمار وإيهاب عبد الواحد، ومن إخراج أحمد فؤاد.
بعض من الألعاب خارج المسرح قبل الولوج إلى صالة العرض، من ضمنها كانت تقديم صورٍ للمتفرجين يرتدون فيها تلك الموتيفات للتقرب من شكل الست. فالجميع يعلمها بمثابة أيقونة، تمثال، رمز. ومنها إلى العرض نفسه الذي يُفتتح بمشاهدتنا جميعًا لأم كلثوم حية أمامنا عن طريق الهولوجرام، بالوصف المعهود ذاته، وأغانيها التي نعرفها ونعشقها عن ظهر قلب. ثم استعراض افتتاحي يؤسس لهوية العرض الغنائي الاستعراضي، تلك الهوية المتسقة مع طبيعة الشخصية المستهدفة بصفتها مطربة أيقونية، ليحتل الغناء الأهمية الكبرى داخل العرض، بل والحوار المنغّم الذي يركّز لأهمية الغناء داخل الرؤية. وكعادة النوع الغنائي الاستعراضي الذي يعتمد على "الشو"، فإنه يستهدف بالتبعية العناصر المرئية كي يُحدث انسجامًا بين الصوت والصورة، والاهتمام بتفاصيل الأزياء كافة من جهة ريم العدل، بل والقدرة الانسيابية في التصميم على تغيير الفستان في وقتٍ لا يتعدى الثانية أمام الجمهور دون أي تشتتٍ عن العرض. ولعلنا عند التطرق لعناصر أخرى يسعنا في كل مرة أن نذكر محورًا من محاور الأزياء والغناء بصفتهما أبطالًا رئيسيين لا يمكن تنحية دورهما الدرامي أو البصري.
ومن ثم تجيء الديكورات لمحمود صبري، التي حضرت بصفتها وصفًا للمكان، فالمنزل هو منزل بتفاصيله كافة، والمكتب والشارع وخلافه، وذلك عبر الاستعانة بشاشةٍ ضخمة في العمق تقدم مؤثراتٍ بصرية مثل الأمطار، وشاشةٍ في أعلى المسرح بصفتها أرشيفًا يكمل الحدث برصده لأخبار من الصحف الفنية تدعم المعلومات التي تُسرد داخل العرض.
لم تحمل الديكورات الدلالات والأبعاد التي تتطلب التحليل إلا في أجزاء بسيطة مثل صعود السلم وهبوطه وفقًا لعلو شأن شخصية على حساب أخرى، أو فتحة المسرح التي تبتلع شخصية منيرة المهدية بصفتها تنتهي بوجود وظهور أم كلثوم، أو مشهد النهاية بإطلالة أم كلثوم من شرفةٍ عالية بعد إعلان خبر وفاتها بصفتها باقية عالية مؤثرة حتى اليوم. لكنها تبقى إلى النهاية جميعها محض دلالاتٍ تفسر نفسها ولا تحتاج إلى قراءةٍ وتفكيكٍ من الجماهير.
وهذا أيضًا يتسق مع طبيعة العرض الذي يستهدف "الشو" الغنائي الاستعراضي، ولا ينخرط في دراما تحمل دلالتها وتفسيرات شيفراتها داخل عناصره، بجانب بزوغ عنصر الترفيه الذي لا يمكن أن نتخطاه، فسبق للعدل جروب تجربة إنتاج عرضٍ مسرحي عن سيرةٍ فنية سابقة "تشارلي شابلن" عام 2023، من تأليف مدحت العدل، وإخراج أحمد البوهي.
هوية للمسرح الخاص المعاصر
وربما كان التطرق للنقاط ذاتها، حول الدلالات المفسّرة لنفسها، وعدم الانخراط في تصميم صورةٍ بصريةٍ تحمل شيفراتٍ تحتاج لتفسير، وذلك لاستهداف فئةٍ جماهيرية بعينها، يستقبلها المسرح بنظامٍ وأمانٍ في الدخول، ويوفر لها كل سبل الراحة في مقابل ثمن التذكرة الباهظ إلى حدٍّ ما، للدخول إلى حالة استمتاع مع شخصيةٍ محببةٍ لهم، دون إرهاقهم بالكثير من الفنيات التي تحتاج إلى متخصصين لتفسيرها.
فمثلما اتفقت أعراف المسرح المصري أن لكل مسرحٍ هويةً في عروضه، تجعل عروض المسرح القومي تختلف عن الطليعة، والعائم يختلف عنهما، بينما يقدم البالون شيئًا آخر وهكذا. وبالتبعية تختلف عروض البيت الفني عن الثقافة الجماهيرية، عن عروض الجامعات والمعاهد، وتتعدد الهويات. يمكننا بقوةٍ إضافة هوية المسرح الخاص القابع في أطراف المدينة من مدينة 6 أكتوبر، مدينة الإنتاج الإعلامي فندق موفنبيك إلى ذلك العُرف الضمني صاحب الهوية والجمهور ذي الطبيعة المختلفة، التي يحددها أصحاب العروض مع مرور الزمن وفقًا لرؤيتهم الخاصة وليس لمطلبٍ جماهيري.
وبما أننا تطرقنا لذكر هوياتٍ وعروضٍ أخرى، ودون الإسهاب في أي مقارنات، لكن لا يمكن أن ننهي ذلك الجزء دون ذكر واحد من إنتاجات مركز الهناجر للفنون مؤخرًا، كعرضٍ صاحب صيت واسع، ألا وهو "الأرتيست" عن سيرة الفنانة الراحلة زينات صدقي، من تأليف وإخراج محمد زكي، كواحدٍ من العروض النادرة التي اختصت سيدة في صناعة السينما لتؤرخ لحياتها مسرحيًا، بقدرٍ من الإمكانيات المادية المتواضعة، لكنها تحمل دلالتها الفنية التي أعطتها ثقلًا فنيًا غير معتمدٍ على الإبهار كعرض أم كلثوم. ولكن ذكر العرض هنا تحديدًا جاء للبحث عن الشخصيات المستهدفة.
ما بين زينات صدقي وأم كلثوم
كانت زينات صدقي التي أتقنتها هايدي عبد الخالق في طبقة الصوت وطريقة الأداء وخلافه، وقُدم الكثير من المعلومات الحقيقية عنها حالة فنية متفردة. فقد قدم المؤلف والمخرج من خلالها الكثير من مفاهيم الهموم الفنية، مثل نسيان الفنان عند كبر سنه، وفقره، ومدى غدر الوسط الفني، وغيرها من المفاهيم التي لازالت تحمل رمزياتها وتفسيراتها وفقًا لطبيعة العرض، وتتفق مع حياة زينات صدقي بالفعل، لكنها تتفق مع أخرياتٍ من جيلها أيضًا مثل ماري منيب، وداد حمدي، وغيرهن، لتضيع هوية زينات بين ثنايا المفاهيم الكثيرة التي دفعها العرض دفعةً واحدة، رغم إتقان الفنيات بصفتيها المعنوية والبصرية.
تتقاطع أطروحة أم كلثوم مع المثال السالف ذِكره وتختلف في مواضع أخرى، حيث لا همّ للبحث عن المعاني والتفسيرات، ولا حتى همّ تقديم معلوماتٍ جديدة عن أم كلثوم التي يعرفها أقل شخصٍ يسمع عنها من الأجيال الأحدث، وكذلك لا رسم تصاعدي لدراما صاحبة تمهيدٍ ووسطٍ يحمل الصراع ونهاية، بل هو تدرج عُمري بين الطفولة والشباب يتخلله صراع سرعان ما ينتهي على هيئة منيرة المهدية التي قُدمت كـ "شو" قوي من حيث الأزياء والإضاءة التي أبرزت الحلم وضياع الشهرة والنجومية، وتكنيك تغيير الملابس، والدلالة البسيطة للسلم المذكورة سابقًا من العلو إلى الهبوط في النجومية ثم إلى الدفن في أرض المسرح، في مقابل علو صوت أم كلثوم.
وبخلاف أنه إهدارٌ وتقليلٌ من أهمية منيرة المهدية، إلا أن للسيّر الذاتية الفلكلورية طابعها في تمجيد بطلها، دون الإمعان في رسمٍ دراميٍ للشخصيات، وبالتبعية لا رسم درامي للشخصية الرئيسية، بل هي الموتيفات التي تمثل الهالة التي تتحرك بأداءاتٍ كلثومية، وصوتٍ قوي يحقق حالة انسجامٍ قوية لعرضٍ غنائي، ومعها الكثير من الأصوات التي لا تقل عذوبةً ودرايةً بماهيات الموسيقى الحية، وتوافر الإنتاج الذي يتيح تحقيق الإبهار البصري والسمعي. ولكن لا دراما في رسم شخصياتٍ متطورة، بقدر كونها أنماطًا تتسق مع الدراما الأم التي تنهي الصراع دون كشفٍ حقيقيٍ عن الأسباب، وكذلك تنهي الحدث دون تطورٍ لتنتقل لآخر بصفته محطةً في حياة الست، لا دراما تتطور وتسلم بعضها البعض.
الذكريات والأحلام تتحول إلى أغاني
تتجسد الأحلام على هيئة استعراضات، وكذلك الاختفاءات والخلافات ومشاعر الحب، بصفتها عناصر أساسية تبعثر شظايا المعلومات هنا وهناك بصورةٍ بصريةٍ خاطفة. كما يعتمد العرض بأكمله على الفلاش باك، حيث البدء من نقطة تذكُّر أم كلثوم لمشوارها منذ الصغر أثناء استراحتها البسيطة بين وصلةٍ وأخرى في واحدةٍ من حفلاتها، للتنقل من مرحلةٍ لأخرى دون التوغل أو الاهتمام بتلك الإنسانة. حتى في لحظات إعلان مرضها، ربما كان الأمل في إعلان حالتها النفسية بصفتها الإنسانية، وتفكيك موتيفاتها وتحليلها دراميًا بين النظارة السوداء: ما تخفيه وما تظهره، والتمسك بالمنديل بين إخفاء التوتر واستخداماته الأخرى، والالتزام بملابس معينة وتصفيف شعرٍ معين، كتفكيكٍ لتلك الهالة وتحويلها إلى إنسانٍ وشخصيةٍ دراميةٍ حقيقية يكتشفها الجمهور.
لا رسم تصاعدي لدراما صاحبة تمهيدٍ ووسطٍ يحمل الصراع ونهاية، بل هو تدرج عُمري بين الطفولة والشباب يتخلله صراع سرعان ما ينتهي على هيئة منيرة المهدية التي قُدمت كـ "شو" قوي
ولكن من عنوان العرض ذاته "دايبين في صوت الست" يمكن لمس الهدف، الذي لا يستهدف إلا صوت الست، تقديم المسيرة المعروفة التقليدية على هيئةٍ غنائيةٍ استعراضيةٍ فقط، لا مجال فيها للعمق الدرامي، والعمق هنا ليس بمقصد التعقيد، بل التوغل البعيد في الشخصية. ولكن ما ظهر هو استهدافٌ لذلك الصوت وتلك الأيقونة والحفاظ على رسمها وشكلها صوريًا دون تفكيكٍ له، دون إسدال الشعر، دون تعرية أي وجهٍ أو توغلٍ في لحظات ضعفٍ أو حبٍ أو شر. ليقدم العرض في النهاية بصفته إعادة لرسم الأيقونة المعروفة شكلًا بجوانبها الشكلية كافة، ولكن ليس بعناصر الألوان كلوحة فنٍّ تشكيلي، بل بعناصر غناءٍ وأداءٍ صوتي وديكوراتٍ وأزياء، بصفته مسرحًا غنائيًا، لا دراميًا.
يقصد العرض جمهوره سواء من الفئة المادية، أو حتى على المستوى العمري. فالكبار يعرفون كل ما قُدم عن الست ويريدون لمس لحظة توحدهم معها وكأنهم حضور بإحدى حفلاتها، في حالةٍ من التماهي المتفق عليه. والصغار ربما يتعرفون عليها للمرة الأولى، وربما هم فقط من يجدون بعضًا من العمق المعلوماتي عنها في حالة إذا كانت معلوماتهم تقتصر على كونها "أم كلثوم مطربة قديمة وفقط".
ولكن الجيل الوسط بين هذا وذاك، الذي لم يشغله حضور حفلاتها "لايف"، ويعلم عنها ما هو أبعد من كونها مطربة من زمنٍ مختلف، ويشاهد على المنصات كثيرًا من الإبهار، ربما تخطفه الحالة المبهرة لأنها آنية، وللمسرح لذته وشجونه على الجميع، ولكنه بالتأكيد بات يفتش عن شخص أم كلثوم، بل ويفتش عن تدرجٍ دراميٍ يجذبه. ولكن من ذكاء الصنّاع الوعي بحجم ما يقدمونه، للاهتمام بالعناصر الأخرى كافة والتي لم تفلت منها لحظة إيقاع العرض.
تجربة إخراجية تعي اختلاف الهويات
كل ذلك بالتأكيد لهو وعي من المخرج أحمد فؤاد، وهو ابن حقيقي للمسرح، ويعي الكثير من الاختلافات بين هويات المسارح المذكورة. ويحاول أيضًا التنوع، ويعرف أهمية الدلالة ومحلها، وكذلك ضبط الإيقاع وفقًا للعناصر المتاحة لديه. حققها كثيرًا في عروضٍ سابقة له خارج إطار القطاع الخاص مثل عرض "ديجافو" و"النقطة العامية"، وتلك الإشكاليات الدرامية المتعمقة بقوة داخل النفس البشرية، وكأنه يأتي من خلفيةٍ تعلم الأساس وتفككه وتعي طبيعة الجماهير المختلفة، وتعي تعدد الهويات، وذلك كرصدٍ مختصر لمتابعة أعماله في سياقاتٍ وبيئاتٍ مسرحيةٍ مختلفة، تؤكد على هذا الوعي وتطوره.
في النهاية، يبدو العرض متأثرًا للغاية بروح مسارح برودواي في أسلوبه البصري والغنائي الاستعراضي، من حيث عناصر الإبهار والحركة والأزياء وخلافه، وهو توجه يمكن تفهمه في سياق الرغبة في تقديم عملٍ معاصر عن سيرة فنانةٍ من زمنٍ مختلف. غير أن ما كان يستحق مساحة لا تقل عن تلك العناصر، هو ذلك البعد الإنساني، لا مجرد صورتها الأيقونية التي تفككها الرؤية الإخراجية، بل تلك التجربة الإنسانية والثقافية، التي لم تكن رمزًا لصوتٍ استثنائيٍ فحسب، بل قيمة تحمل هوية لم تكتمل في سياق الاهتمام بالبريق الخارجي.
صحيح أن الخروج من العرض يتبعه انبهار حقيقي بالجماليات كافة، لكن دون أن تحمل معك أثرًا حقيقيًا من أم كلثوم ذاتها، فلا يوجد حب متجدد لها، ولا فهم أعمق، ولا حتى شفقة أو توحد معها. ولكن المؤكد أنك ستخرج ذائبًا في صوت الست لأنك بالفعل ستشاهد احتفالًا حقيقيًا بصوتها، لكن ربما لم تجد رحلةً إنسانيةً حقيقية داخل هذا الصوت بين ثنايا النصّ المسرحي.







